.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

“الزمْ بيتَك لتقيَ نفسَك” : شعار وحّد العالم لمكافحة كورونا


نعم لقد وحّد فيروس كورونا العالم، وجعل الشعوب تزأر في وجهه للانقضاض عليه بكل السبل، وتوحّدت إجراءات الدول في العالم أجمع لمكافحته من غلق جميع المؤسسات والمتاجر والحدائق والمساجد والمتاحف والكنائس والملاهي والمقاهي والمطاعم، وأصبحوا ينادون بصوت واحد ومرتفع “إلزم بيتك لتقي نفسك”.

بقلم فوزي بن يونس بن حديد *

خفّت الحروب في العالم قليلا بعد انتشار فيروس كورونا بشكل سريع مما أبطأ آلة الحرب في اليمن وسوريا وليبيا وغيرها من بؤر التوتر العسكري، ولم نعد نسمع أخبارا من هذه الدول تفيد بوجود غارات على المدنيين إلا ما ندري، لأن كورونا طغى على الأخبار كلها في مشارق الأرض ومغاربها، وتحولت الدول الكبرى والصغرى إلى خلايا لمواجهة الوباء العالمي الذي حلّ فجأة وأصاب إلى حد الآن 500 ألف شخص وقضى على أكثر من 25 ألف شخص، ومازالت آثاره متوقدة وناره مشتعلة تصيب كثيرا من الناس كل يوم، وبقيت حكومات العالم عاجزة عن إيجاد دواء أو لقاح فعّال يمكن أن يقضي عليه ويشفي المصابين الذين يتألمون جراء هذا الطاعون.

لقد خفَتَ صوت المدافع والطائرات الحربية التي تجوب السماء وتطلق قذائفها الصاروخية المشبعة بحمم النار على رؤوس أبرياء في اليمن وليبيا وسوريا وفلسطين، وأجبر كورونا جميع المتصارعين على هدنة إجبارية غير معلومة المدة.

إيران ترفض الإذلال الأمريكي

وفي ظل هذه الظروف السيئة أصلا، تزداد الأمور سوءا حينما يصر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على معاقبة إيران، وفرض عقوبات جديدة عليها بدعوى أنها لم تخضع للشروط الأمريكية، وقد سبق أن عرضت واشنطن مساعدتها على إيران، لكن طهران رفضتها لشكّها في أن ما تقوم به واشنطن اليوم ليس من باب الإنسانية بل من باب سياسة فرض الواقع وإثبات أن أمريكا تمدّ يدها في ظل هذه الظروف الإنسانية لكن ما تخفيه غير ذلك، فهي تريد تركيع إيران وإخضاعها لشروطها ومحاولة تغيير سياساتها ولذلك رفضت ما قدمته أمريكا، بل استغربت كيف تقدم مساعدة من هنا وتفرض عقوبات من هناك، فلو كانت جادة في قولها لرفعت العقوبات المشددة عليها منذ أن انسحبت من الاتفاق النووي الذي وقعته أمريكا مع دول أخرى.

وفي ظل هذا الوضع الصعب جدا يستمر إذلال الاحتلال الصهيوني للعمال الفلسطينيين الذين يعملون في الخط الأخضر، والذين يقارب عددهم الـ 70 ألف عامل بين عمّال البناء والزراعة وغيرها من المهن، ولولا لقمة العيش ما زار فلسطيني محتلّه أبدا، ولكنه القهر الذي تمارسه سلطات الاحتلال مع أولئك العمال، حيث تحرمهم من أبسط حقوقهم، ولا تهتم بهم صحيا في ظل هذه الظروف الصعبة جدا، وتتركهم يعيشون في وضعيات مأساوية ولا توفر لهم الرعاية الصحية، رغم أن النصوص الدولية تكفل لهم حقوقهم، ولكن إسرائيل تمارس في حقهم كل أنواع وأشكال العنصرية، وتفرض عليهم أساليب وحشيّة لإذلالهم وإخضاعهم للاستكانة وعدم المطالبة بحقوقهم، وقد بدا ذلك واضحا خلال أزمة انتشار كورونا، وقد طالبت السلطة الفلسطينية العمال الفلسطينيين داخل إسرائيل بالرجوع فورا إلى بيوتهم في الأراضي الفلسطينية خوفا على صحتهم من انتشار الوباء، ووفرت لهم في وطنهم كل سبل العيش الكريم خلال فترة الأزمة لأنهم تضرّروا من فقدان وظائفهم وترك أعمالهم.

إسرائيل تدوس حق الفلسطينيين في الصحة

وقد جنّد الفلسطينيون أنفسهم لخدمة إخوانهم، ورسموا أروع الأمثلة في التضامن والتكافل والتعاون، وبذلوا الجهد الكافي، لتقديم المساعدة اللازمة، فهناك من أسقط عنهم الإيجارات، وهناك من وفّر لهم الطعام، وهناك من وفّر لهم المأوى، وهناك من قدّم لهم الخدمات، خوفا من تعرّضهم لأزمات أخرى، بعد انتشار فيروس كورونا الذي لم يترك بلدا إلا ودخلها، ومن هنا بدا الشعب الفلسطيني شعبا موحّدا، بل وكل الشعوب التي ترى في هذه الأزمة فرصة لتغيير الواقع الذي فُرض عليهم فجأة، وإلى جانب الفلسطينيين يعاني إخواننا الليبيون أيضا من تحركات اللواء حفتر وغاراته المستمرة على طرابلس واستغلال فرصة انتشار كورونا لبث الرعب في صفوف المواطنين الأبرياء، وليثبت الساسة هؤلاء في النهاية أن لا أخلاق في السياسة، وأن من يستغل الأزمات لإثارة المزيد من القلاقل في البلاد، هو إنسان مجرّد من الإنسانية ومن النظم الأخلاقية.

نعم لقد وحّد كورونا العالم، وجعل الشعوب تزأر في وجهه للانقضاض عليه بكل السبل، وتوحّدت إجراءات الدول في العالم أجمع لمكافحته من غلق جميع المؤسسات والمتاجر والحدائق والمساجد والمتاحف والكنائس والملاهي والمقاهي والمطاعم، وأصبحوا ينادون بصوت واحد ومرتفع “إلزم بيتك لتقي نفسك”، وهي دعوة الكبار والصغار في العالم، لا فرق بين دولة عظمى ودولة صغرى، ولا فرق بين دولة متقدمة ودولة نامية، الكل تعرض للوباء، والكل تعرّض للفيروس، لم يفرّق الفيروس بين دولة مسلمة وأخرى مسيحية أو يهودية أو بوذية، جعل الكل ينادون نفس النداء، إغسل يديك جيدا واعزل نفسك 14 يوما واحذر المصافحة والملامسة والمقابلة والمراودة والتقبيل والتحضين وغيرها من العادات اليومية التي كانت تقوم بها الشعوب، حتى وصل بالمسؤولين الإيطاليين أن يصرخوا في وجوه مواطنيهم الذين لم يلتزموا بما أمروا، أن الزموا بيوتكم، ودائما أختم مقالتي بقول الله تعالى: “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”.

* صحفي و محلل.



موضوعات متشابهه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى ملكية فكرية خاصة