.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

في التطبيل والتزمير أو عندما تتكرر حكاية المتنبي وكافور الإخشيدي بسيناريو جديد


وأنا أرى قوافل المداحين، وهي تعزف أهازيج النفاق الوضيع للماسكين بمقاليد السلطة، تذكرت ما يروى عن المتوكل من أنه خرج في رحلة صيد مرفوقا بكبير مستشاريه ومحل ثقته، فمرت أمامه حمامة متهادية، رماها بسهم فلم يصبها ! صاح مرافقه : “أحسنت”! غضب المتوكل غضبا شديدا وٱعتبر ما قاله مستشاره إستهزاءا. فما كان من المستشار الجاهز لكل الطوارئ إلا أن أردف : “أحسنت للحمامة “.

بقلم : مصطفى عطية *

هكذا هم المنافقون المداحون في كل الأزمنة والأمكنة، لا يكفون عن دق طبول الكذب والتمويه والمغالطة، والنفخ في مزامير تمجيد وتعظيم وتأليه الجالسين على كراسي النفوذ.

من دفع ببورقيبة إلى القبول بلقب “رئيس مدى الحياة”؟ ومن أوهم بن علي بأنه فوق القانون والقيم؟ ومن استغل الهشاشة الفكرية والنفسية للمنصف المرزوقي وأسقطه في متاهات العظمة الوهمية؟ ومن دفع بالباجي قائد السبسي إلى الإنحراف عن المسار الذي وعد به الناخبين؟ هم المداحون والمنافقون ، وهكذا هم في كل الأزمة والأمكنة!!

أصحاب الدفوف والمزامير يعزفون ويرددون المدائح والأذكار

من يضمن لنا أن الجالسين حاليا على سدة الحكم لن يسقطوا في الفخ الذي سقط فيه أسلافهم ؟ فها هم أصحاب الدفوف والمزامير يعزفون ويرددون المدائح والأذكار ذاتها مع تغيير في الأسماء !! هاهم وقد أحاطوا بهم وطوقوهم بكل آيات التهليل والتكبير، دون ردع مهما كان مأتاه !

عن أي ديمقراطية يتحدثون وقد ألفنا الإنحناء للقادم الجديد وكيل اللعنات للراحل الذي طالما مجدناه؟

لقد حذرنا من مدح المنافقين الذي سرعان ما يتحول إلى هجاء عند تغير الوضعيات والأحوال، ولكن تحذيراتنا ذهبت أدراج الرياح !

وها نحن نحذر، مجددا، ونذكر لعل الذكرى تنفع الراكبين الحاليين على سروج السلطة والنفوذ.

ماذا بعد انحناء بن علي لبورقيبة ؟

الجنرال ديغول : “إن كفاءة رئيس الدولة تكمن في كفاءة مستشاريه”

كان الإسكندر الأكبر يخرج إلى الجموع الغفيرة التي تنتظر إطلالته كلما حقق نصرا وضم بالقوة منطقة أخرى إلى إمبراطوريته الواسعة فتأخذه نشوة العظمة إلى حد الإعتقاد بأنه إلاه ولكن مستشاريه يهرعون إلى الإحاطة به وهم يرددون على مسامعه : “لا تنسى أنك بشر… لا تنسى أنك بشر …” فيستفيق من نشوة العظمة ويعود إلى رشده وهكذا حقق كل تلك الإنجازات العظيمة المحفورة بعمق في ذاكرة التاريخ الإنساني، وحتى عندما وجد عسرا في فك لغز الشرق إستنجد بحكمة أرسطوطاليس وكتب له مستشيرا وطالبا النصيحة في كيفية هزم شعوب تلك المنطقة فأجابه: “الرأي عندي أن تجمع أبناء الملوك فيها فتملك كل واحد منهم بلدا واحدا، فإن كل واحد منهم يقوم في وجه الآخر يمنعه عن بلوغ غرضه خوفا على ما بيده، فتتولد العداوة بينهم، فينشغل بعضهم ببعض… وتسهل السيطرة على مماليكهم”.

وهو ما فعله الإسكندر الأكبر ونجح فيه. وفي السياق ذاته كان الجنرال ديغول، ورغم الإعتداد بالنفس الذي عرف عنه، لا يتوانى في الإستنجاد بمستشاريه كلما وجد نفسه أمام ضرورة اتخاذ قرار في مسألة من المسائل ويروى عنه أنه قال : “إن كفاءة رئيس الدولة تكمن في كفاءة مستشاريه.”

متى يدرك مسؤولونا أن المدح والتطبيل والتزمير لن ينفعهم كما لم ينفع الذين من قبلهم ، وعليهم الإستفادة من نصائح الذين يسمعونهم الكلام الذي لا يريدون سماعه !!! ففي ذلك صلاحهم.

* صحفي وكاتب.

مقالات لنفس الكاتب بأنباء تونس :




في التطبيل والتزمير أو عندما تتكرر حكاية المتنبي وكافور الإخشيدي بسيناريو جديد

  1. عزالدين الكناني

    لا أعتقد أنه سنتخلص من ثقافة المديح بسهولة لأنها كامنة فينا منذ ما قبل الإسلام بدليل أن الأغراض الشعرية التي عرفت عند شعراء العرب منذ ذاك الزمن قائمة على الفخر والرثاء والتغنى بالفروسية و الشجاعة وكذلك المدح والهجاء، حتى أن هذين الضربين من الشعر أصبحا عند شعراء مشهورين مصدر تكسب وضمان للقوت، حتى الرسول محمد لما كلف بالرسالة سانده الشعراء ممن أسلموا ومدحوه و لم ير في ذلك مانعا وأذكر من هؤلاء حسان ابن ثابت ولو أن الغاية من مدحه رسول الله الوقوف في وجه سادة قريش ممن لم يعترفوا بالرسالة المحمدية، وتواصل ذلك الأمر إلى يومنا هذا، إذ أن القائد العربي يرى في مدحه حاجة تديم حكمه و الأمثال كثيرة ذكرت في مقالك سيدي أهم رموزها.
    ولربما تتغير الأحوال تدريجيا اذا انخرط شبابنا في التوجه الديموقراطي الصرف وتلعب المدرسة ببرامجها دورها في ترسيخ ثقافة العقلانية ونبذ عبادة الأشخاص بما في ذلك الرؤساء الحاليون الذين يحكموننا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى ملكية فكرية خاصة