.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

حديث الجمعة : بعد ظهور صراعات داخله، حزب النهضة إلي أين؟


قضية لطفي زيتون دلالة على وجود أزمة هوية خطيرة داخل حزب النهضة.

قرار رئيس حزب النهضة بخوض غمار الإنتخابات التشريعية له معاني عدّة، أهمها اشتداد الصراع داخل الحزب بين التوجهات الإستراتيجية المختلفة لأجل طبيعة الحزب ومستقبله.

بقلم فرحات عثمان *

هذا القرار ممن حرص إلى الآن على البقاء خارج حلبة الصراع السياسي لهو المؤشر على قناعة راشد الغنوشي بضرورة التموقع في قلب المعمعة السياسية لفرض هيمنة ضاعت منه على حزبه. فهو يسعى لاستعادتها بالهيمنة على جانب من السلطة السياسية بالبلاد بحضور فعلي لا افتراضي فقط، كما هي الحال إلى اليوم. المعركة الإنتخابية القادمة إذن مصيرية، لا فقط لطموحات الحزب لمواصلة التحكم في دواليب الدولة، بل أساسا لتحديد طبيعة النهضة لأجل ضمان مستقبل الحزب نظرا لهويته المشوشة حاليا عند العديد من أهله.

أزمة هوية النهضة :

الإهتزاز المتزايد لسلطة الغنوشي داخل حزبه لم يعد خافيا على أحد، حيث تعدّدت الإنتقادات لتوجهاته، ما جعله في نفس الوقت يسعى لفرض قراراته مع الرضوخ لأشد المناوئين لاستراتيجية المخاتلة التي انتهجها دون لأي.

هذه الإزدواجية في التصرف فرضها عليه تنامي ضعف سلطته بالحزب؛ فليست هي إلا التمادى إلى الأمام في ما اعتاده من سياسة أضدادية، حالها مثل الكلمات الأضداد في العربية، فيها المعاني المتضادة مترادفة. هذا ما خلق أزمة هوية عند أهل النهضة، حان لها أن تتحول عند البعض إلى معركة لتحديد الذات: هل النهضة الحزب المتزمت الذي تمثّله أغلبية أهل القرار فيه رغم الإدعاء الكاذب للديمقراطية، أم له القدرة على نبذ ماضيه الظلامي لتجربة تنويرية جديدة صادقة؟

إن استراتيجية المناورة التي اتبعها الحزب إلى اليوم بقيادة رئيسه، لئن لقيت بعض النجاح خارج الحزب، فقد أفرزت ما لم يتوقعه السيد راشد الغنوشي، أي أن تؤتي ثمرة محرّمة داخل الحزب نفسه. إنها رغبة العديد به في الإنعتاق من ربقة سياستة التي أكل عليها الدهر وشرب لأجل اعتقاد راسخ في إمكانية نجاح الجانب المضيء لتلك الإستراتيجية المخادعة بنبذ الكذب وانتهاج الصدق، تناسقا مع مرجعية الحزب الدينية، حيث لا خداع ولا نفاق، بل كلمة السواء. هذا ما لا يقبله بعد الغنوشي والغالبية المتزمتة؛ إذ السياسة عندهم ليست إلا الحرب التي تفرض الخداع لا محالة، بل وقتل الخصم، بما أن الفتنة أشد من القتل، كما يؤمن بذلك أهل التزمت.

معركة هوية النهضة :

تردّي الأوضاع داخل النهضة لأجل هذه الأزمة تؤشر على اندلاع معركة عن قريب بين الأغلبية المتزمتة المتحكمة في دواليب الحزب ومن يسعى لأن تتغير حقا؛ فقد بلغت الصراعات ذروتها خلال التحضير للإنتخابات. لذا، كان لزاما أن تغامر القيادة الحالية بالدخول في صراع سياسي آخر للتعمية والحفاظ على الزعامة بالحزب من خلال زعامة فعلية بالبلاد توقف إلى حين الاضطرابات الحالية، أو تنسيها بانتصارات على الصعيد الوطني.

هذا ما لا يخفى على عديد وجوه التغيير داخل الحزب، ومنهم أقرب المقربين لرئيس الحزب، لطفي زيتون، الذي أشاح عنه بوجهه حين ثبت له أنه أصبح بمثابة منسأة الراعي يُهش بها على القطيع. فهو لا يتردد في القول صراحة بأنه استُهدف داخل الحزب لانتهاكات خطيرة «وصلت إلى حد التكفير والثلب والمس من العرض والتشكيك في الذمم».

إنه يُعدّ، دون شك، لهذه المعركة الهوياتية عندما يندد بانعدام احترام القيادة للقاعدة الحزبية والأصول الديمقراطية التي تبقى مجرّد فرضية، وافتراضية في النهضة المتقوقعة داخل الإستهداف السياسي الممنهج والمنتظم على قاعدة الولاء. ورغم أنه يلتزم بعض التحفظ، فانتقاده لاذع حين يصرّح بتهجين الرأي المخالف، بل وتجريم النقد المؤسساتي داخل الحزب باسم مصلحته العليا؛ فأي اختلاف بين النهضة وأحزاب الدكتاتورية؟

إن أهم ما في تصريحات القيادي الكليم هو بلا شك قوله أن «ما يقارب أربعين بالمائة من النخب النهضوية الجهوية والمحلية للعاصمة» لا تساند القيادة الحالية. هذا بخصوص العاصمة، والحال لا تختلف كثيرا ببقية المدن، بما أن هناك دعم لا يُستهان به للخيار السياسي المستنير الذي يمثله السيد زيتون. هذا الخيار هو بمثابة الأمل للحركة «عبر حزب وطني محافظ حديث، يتخلّى عن توظيف المقدس لينكب على مشاكل البلاد المعقدة» حسب تعبيره.

هذا مدار المعركة القادمة حول الخط السياسي الذي يمثل الغد الأفضل للحزب الإسلامي وهو، حسب صاحبنا، «الوحيد، بين خطوط تنظيمية متصارعة (الذي) يكسب كل يوم أنصارا وازنين داخل النهضة وخارجها».

في هذا الإطار، إيذانا بالمعركة القادمة وطبيعتها، يحرص المتزعم رحاها داخل الحزب على وضع الإصبع على مكمن الداء، مبيّنا خطورة الوضع السياسي بالبلاد، الدستوري خاصة لغياب المحكمة الدستورية، منتقدا سياسة حزبه، داعيا إلى «رفع الفيتو عن أي شخصية تمتلك المؤهلات لعضويتها، لأن تكوين المؤسسة التي اعتبرها الدستور عماد النظام السياسي أهم وأولى من التوقف عند الجزئيات والأشخاص». فغياب المحمة الدستورية في رأيه «قد يضع بلادنا على شفير الهاوية وينهي عملية الإنتقال الديمقراطي جملة، وهو ما ستتحمل وزره وتبعاته حركة النهضة باعتبارها الأكبر حجما في البرلمان».

* ديبلوماسي سابق وكاتب.

مقالات لنفس الكاتب بأنباء تونس :




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى ملكية فكرية خاصة