.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

تونس : هل المطلوب تغيير العقليات المهترئة والأساليب البالية أم تغيير يوسف الشاهد ؟


إن المطالبة بإقالة رئيس الحكومة يوسف الشاهد وتحميله كامل مسؤولية فشل منظومة متكلسة متهرئة غير قادرة على التفاعل مع المتغيرات هي مطالبة تضر بالوطن و تزيد في تعميق الأزمة السياسية في البلاد دون مبرر منطقى صحيح.

بقلم أحمد الحباسي

غالبا  ما نسمع كثيرا من اللغط واللغو والحديث عن تغيير وزارى مطلوب كعنوان للمرحلة الراهنة  لإنقاذ الوضع الاقتصادي ولملمة الوضع السياسي والإجتماعي، الإتحاد العام التونسي للشغل لا يقبل بغير رأس الحكومة وهنا تلتقى هذه الرغبة المتوحشة مع رغبة حزب نداء تونس وهو الحزب المفروض أنه أول الداعمين لرئيس الحكومة.

لكن لنسأل البعض من هؤلاء  الواقفين على الربوة في انتظار سقوط الحكومة: هل أن رحيل  السيد يوسف الشاهد يكفى للإصلاح؟ فقد تغير الوزراء والحكومات منذ الثورة عدة مرات ولأسباب مختلفة ولا شيء  انصلح حاله، بقى التدهور على حاله ولم يتوقف. يعنى بالعربى الفصيح أن المشكلة ليست في الحكومة ولا في الطاقم الحكومي، فهذه الحكومة تم عرضها  جملة وتفصيلا على مجلس نواب الشعب ونالت الثقة بأكثرية غير مسبوقة، ولهذا فالعيب ليس في الحكومة أو في رئيسها بل في قلة حصافة وحسن تدبير هؤلاء النواب الذين صوتوا والذين نرى أغلبيتهم اليوم في منابر الإعلام يتهربون من مسؤولياتهم الأخلاقية والسياسية مطالبين  بإسقاط الحكومة هكذا دون حمرة خجل.

البلاد تحتاج إلى رئيس حكومة مطلق اليدين غير مكبل بنزوات حزبية ضيقة

إن تغيير رئيس الحكومة لا يحل المشكلة ما دامت المعايير المعتمدة في الإختيار لم تتغير بل ما دام  رئيس الوزراء يرشح من كتلة تظل هي مرجعه الأساسي وتظل مصالح كتلته السياسية والإقتصادية هي الأولوية وليس مصلحة البلاد. وعندما يريد هذا “الموظف” الحزبي نزع هذه الجبة الضيقة ويختار الجبة الحقيقية التي تمكنه من خدمة الشعب فإنه سيجد معارضة  شديدة وعنيفة من حزبه الأم تماما كما يحدث الان لرئيس الحكومة من ابن الرئيس  حافظ قائد السبسى وبعض زبانيته.

نعم، الحديث عن إقالة أو استقالة أو تنحية أو عزل رئيس الحكومة لا يحل المشكلة فالوزارة هي كل لا يتجزأ والوزراء الحاليون ليسوا كلهم بدون كفاءة لكن من المؤكد أن كفاءة رئيس الحكومة أو كفاءة طاقمه الوزاري وحدها لا تكفي لان البلاد تحتاج إلى رئيس حكومة يملك كل أدوات العمل المطلوبة بل رئيس حكومة مطلق اليدين غير مكبل بنزوات حزبية ضيقة أو بشهوات مكبوتة لبعض القياديين في حزب نداء تونس أو حركة النهضة.

نحتاج إلى رئيس حكومة مستقل تمام الإستقلال عن الحزب الذي رشحه بل من المهم أن يسعى الحزب إلى اطلاق يدي رئيس الحكومة حتى يشعر الجميع بكونه رئيس حكومة كل التونسيين ولا رئيس حكومة أنفار معينين مهما بلغ عددهم.

لنكن واقعيين و صريحين، رئيس الحكومة يوسف الشاهد لم ينجح ولن ينجح، لكن من العيب أن يصب الجميع غضبهم ولؤمهم وخبثهم السياسي عليه بتحميله كل المسؤولية في تردي الأوضاع وسقوط هيبة الدولة وارتفاع عجز الميزان التجارى وتنامي الشعور بالإحباط لدى الشعب.

لنتفق انه لن يكون هناك إصلاح دون مقاومة الفساد، ولذلك نقول أنه ما دام المسؤول والموظف قابلين للرشوة وبيع الضمير فإن الهيكل الإداري الفاسد سيبقى سببا من أسباب فشل سياسة الحكومة، خاصة بعد أن شمل الفساد كل المستويات وصار مكشوفا للعموم.

تغيير الشاهد ليس عصا موسى السحرية لينقل البلد من حال إلى حال

لنتفق أنه ما دام إتحاد الشغل يتعامل مع الحكومة بمنطق قطاع الطرق “المال أو الحياة” (la bourse ou la vie )، وما دام هناك مفاوضون مرتزقة فقدوا المشاعر والشعور المطلوب بمأساة ووجع هذا الوطن المنكوب، وما دام هناك فيهم من يفكر في الوجاهة على أنقاض وطن يحترق، وما دام فيهم من يركب السيارات الفاخرة ويتاجر بالشعارات الواهمة، كل ذلك دون مراعاة لأبسط مشاعر المواطن المغلوب على أمره، فإن حال البلاد لن يتقدم خطوة واحدة الى الأمام  وليس تغيير السيد يوسف الشاهد هو عصا موسى السحرية الذي سينقل البلد من حال إلى حال.

منذ أيام فقط استقال أكثر من ثمانين عضوا من حزب  محمد المنصف المرزوقي، هذا ليس مهما رغم أنه يشكل حالة تعبير واضحة عن مدى استبداد هذا الرجل ونزعته المتوحشة للحكم، لكن ما يهمنا في هذه الإستقالات تأكيد البعض من المستقيلين أن الرجل يخدم أجندة أجنبية في إشارة واضحة لعلاقته المشبوهة بقطر وتركيا والإخوان المسلمين.

هذا الإصطفاف خطير من ناحية أنه يصيب التوجهات السياسية والإقتصادية للدولة التونسية في مقتل ويخلق لدى هذه الدول شعورا بضرورة إسناد هذا الرجل على حساب إسناد العلاقات  بين البلدين بما تتطلبه من إستثمار على كل المستويات.

بطبيعة الحال كل اصطفاف حزبي أو عقائدي أو سياسي مع دولة أجنبية يضر بالمصلحة العليا للوطن ويعطل الإستثمارات ويجعل الحكومة ملزمة بالإقتراض والتداين الخارجي، وهذا ينعكس على الإقتصاد والنمو  والسلم الإجتماعية ويزيد من حالة العجز و يضيق مجال تدخل الدولة لرفع المقدرة الشرائية، و جملة هذه العوامل الموضوعية حقيقة يومية يواجهها رئيس الحكومة بالوسائل البسيطة المتاحة.

ان مهمة تحقيق الأمن الوطني ليست مهمة سهلة خصوصاً وأن البلدان التي تواجه محناً وكوارث طبيعية أو إنسانية أو تواجه مشاكل أمنية تجد صعوبة في تحديد الأهداف التي تكفل معالجة التحديات الانية التي تتعرض لها، وتحقق أهدافها المرجوة ضمن جدول زمني وبرنامج عمل واضح ودقيق.

محاربة الفساد يحتاج إلى قوانين رادعة و قضاء نزيه قدرة على تنفيذ الأحكام

بالنسبة للمعادلة التونسية متعددة الأطراف والأهداف، فلا يمكن وصف مهمة علاج التداعيات الخطيرة التي يمر بها الوطن بأي مصطلح قريب من البساطة أو السهولة لأن المهمة صعبة ومعقدة جداً  عجزت أغلب دول العالم عن التعامل معها خاصة و هي تحتاج إلى تقييم دقيق ومتابعة موضوعية للتحولات والتغيرات السياسية والثقافية والأمنية وغيرها من المتغيرات. ولعل السعي قدر الإمكان لمعرفة الأسباب الجذرية التي تعيق تطور المجتمع التونسي سيُعجل ويسهّل عملية وضع خطط فاعلة لمعالجة وتصحيح هذا الواقع.

هذه المعالجات لا تتم إلا بعد تشخيص منهجية ومفردات الأمن الوطني الذي يعتمد على تحديد طبيعة المشاكل التي تواجه البلاد ومن ثم تحديد المرجعيات لتلك المشاكل مع تحديد إطار عملها و تحديد الخيارات السياسية المتاحة واليات علاجها، لذلك نجيب كل من تساءل لماذا لم يتم القضاء على الإرهاب بأن إرهاق الحكومة بالإضرابات و المناكفات السياسية يؤخر هذه المعالجة الأمنية.

إن محاربة الفساد كمطلب وطني جامع يحتاج إلى قوانين رادعة وإلى قدرة على تنفيذها كما تحتاج قضاء عادلا و نزيها ومستقلا لا يخاف أي حزب أو جهة سياسية أو مجموعة إرهابية مسلحة.

إن هذا القضاء العادل يحتاج إلى صرف اعتماد مادي و لوجيستي ومرافقة أمنية دائمة لقضاء مكافحة الإرهاب والفساد كما ان هذه الحرب تحتاج إلى تجنيد المؤسستين التربوية والدينية لإعادة الإعتبار الى حرمة المال العام وإحياء الضمير الوطني وبث خطاب الوئام  وحب الراية الوطنية، ولعل دور الإعلام اليوم مهم وفاعل ومطلوب، ولكن هذا الإعلام لن يقوم بدوره طالما  تسلل إليه المال السياسى المشبوه. وعليه فإإن مهمة تطهيره ليست مهمة الحكومة بل هي مهمة النقابة ومهمة الصحفيين انفسهم.

إن كل القطاعات اليوم مطالبة بالتغيير من داخلها حتى يمكنها مطالبة الحكومة بأداء فاعل ومحسوس ولذلك فإن الشعارات الكريهة التي تدعو إلى إقالة رئيس الحكومة أو تغييرها دون البحث عن أسباب الفشل الحقيقي ومعالجتها ستبقى شعارات مدسوسة وكلمة حق أريد بها باطل.

إن المطالبة بإقالة رئيس الحكومة وتحميله كامل مسؤولية فشل منظومة متكلسة متهرئة غير قادرة على التفاعل مع المتغيرات هي مطالبة تضر بالوطن و تزيد في تعميق الأزمة السياسية في البلاد دون مبرر منطقى صحيح.

مقالات لنفس الكاتب بأنباء تونس :

سليم الرياحى وحافظ قايد السبسي : عندما يتلم التعيس على خائب الرجاء

الغنوشي وقايد السبسي، النهضة والنداء، وحكاية الإنفصال المعلن

حرب السكاكين الطويلة في نداء تونس : الأسباب و المظاهر والتداعيات المنتظرة




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى ملكية فكرية خاصة