الرئيسية » شهادة في فساد العمل النقابي بوزارة الشؤون الخارجية التونسية

شهادة في فساد العمل النقابي بوزارة الشؤون الخارجية التونسية

ما ٍيقال هذه الأيام عن فساد النقابات بتونس ليس جديدا ولا خاصا بقطاع النقل، وقد رأينا ونرى الأفاعيل في وزارة التربية القومية. الحقيقة أن النقابات أصبحت وسيلة لابتزاز الدولة لا في الحقوق بل في تجاوز ها مع أو دون تواطؤ من السياسيين.

بقلم فرحات عثمان *

بعد الشهادة الحية للمحامي التونسي بمرسيليا المولدي الصابري بخصوص موظفي الشركة التونسية للملاحة المهربين للدخان تحت حماية النقابات، هذه شهادتي في ما يحدث داخل حيث سهرت النقابات، سواء الأساسية المنضوية تحت لواء الاتحاد العام التونسي للشغل أو المدعية الإستقلالية، على خدمة مصالحها دون الإلتفات لأمور الموظفين، حتى القضايا العادلة، لا شك فيها.

نقابات المصالح الشخصية:

بقد حرصت هذه النقابات، تباعا منذ الثورة، على المصالح الشخصية للمكلفين بها بالوزارة، فلا تجد مثلا كاتبا عاما لم يحصل على مهمة سامية بالخارج، وكأن العمل النقابي غرضه الأساس هذه الغاية. ولكن، ليس هذا الأفدح، بما أن الكل اليوم، بدءا بأهل السياسة، يسعى لمصالحه في هذه البلاد التي أصبحت تمشى على رأسها.

الأخطر حقا هو أن هذه النقابات حرصت على إعادة البعض ممن وقع طردهم من الوزرة  إلى الوظيف في نطاق العفو التشريعي العام، حتى من بين من تعلقت بهم قضايا حق عام، ليس فيها أي صبغة سياسة البتة، وذلك دون إعارة أي انتباة حقيقي وجدي لمن كان من حقه الحصول قبل غيره على هذا الحق لثبوته وعلم النقابات بموضوعه ومطالبتها بالدفاع عنه في الإبان.

لقد تعللت القيادات النقابية بالوزارة برفض الوزراء القيام بواجبهم في إبطال القانون الجائر نكالا بي لاستقلالي عن كل تحزب سياسي؛ إلا أنها لم تأت بأي مجهود جدي مع  الوزير الحالي، الذي تربطني به علاقة صداقة، إذ دخلنا الوزارة معا في نفس سنة 1979، إذ كان اسمي الثاني على قائمة الناجحين وهو ثالث القائمة. فهو ممن يقول بأحقيتي في استرجاع حقي، رغم عدم الجرأة على أخذ أمر الإلغاء لانعدام الدعم الكافي من طرف النقابات والخوف من الإدارة العامة للوطيفة العمومية التي ترفض حقي لأسباب سياسية، لا قانونية البتة.

رغم ذلك، ولبيان حرصه على إعلاء حقي، فقد عرض علي الوزير مشكورا الانضمام إلى ديوانه بمقتضى عقد إسداء خدمات كخطوة أولى لحلحلة القضية مع مواصلة مراسلة الوظيفة العمومية في موضوعي.  كان ذلك في أفريل 2016 ودام تواجدي بديوان الوزير إلى مارس 2017 دون أن يأت أي جديد. فلا هو أخذ الأمر العادل لإلغاء الأمر الجائر ولا هو توصل إلى حمل الوظيفة العمومية على الكف عن الإعتراض الأيديولوجي على استعادة حقي.

المهم في كل هذا أن نقابات وزراة الخارجية التي من واجبها الدفاع عن حق الديبلوماسيين والموظفين المهدور لم تقم بأي عمل يذكر رغم حرصها على إصلاح العديد من وضعيات من كان يدين لها أو لجهات معينة من المرضي عليهم سياسيا؛ فلقد وقعت زمن حكم الترويكا أمور كارثية بحرص من النقابات وأهل السياسة اللاأخاقية التي أقل ما يمكن القول فيها أنها إعادة اعتبار لبطجية، مع التجاهل التام للحقوق المشروعة للكفاءات التي البلاد في أمس الحاجة لها، ومنها شخصي المتواضع.

حقي المهدور لأسباب سياسية:

إن الكل يعلم بوزارة الخارجية وخارج الوزارة أن النظام السابق تجرأ على القيام بما كان معهودا زمنه من التلاعب بالإجراءت تمويها باحترامه الزائف للقانون، فاختلق مثلا في شأني أسطورة التخلي عن الوظيف لاتخاذ أمر داخلي في شطبي من القائمة الديبلوماسية؛ وكان هذا بسبب نشاطي داخل الإدارة لأجل دولة القانون وحقوق الإنسان، في كنف الاحترام التام لواجب التحفظ.

ذلك أني تم تكليفي بملف حقوق الإنسان بتونس في نطاق مهامي بفرنسا كمستشار للشؤون الاجتماعية بالسفارة التونسية بباريس من فيفري 1992 إلى جوان 1995. وطبعا قمت بمهمتي حسب القانون والأخلاق وبكل نزاهة فكان أن حملت السفير على الاعتراف ولأول مرة في عهد الديكتاتور بن علي بمسؤولية الدولة في موت مناضل بالسجن تحت التعذيب سنة 1995. ولا بد هنا من التنويه بموقف للسفير في ذلك الوقت، المرحوم عبد الحميد الشيخ، الذي كان أفضل مثال للعسكري الوطني. فقد وقف إلى جانبي وساندني في هجمة النظام السابق الشرسة علي، فكان أن عزل الديكتاتور بعد قليل. ولقد بينت تفاصيل الأحداث في تحية لروح فقيد الوطن.

ورغم ثبوت التجاوز ومطالبتي باسترداد حقي منذ قيام الثورة، بل وبعد ثبوت أن الاحتيال كان ثنائيا، أي ليس فقط في اختلاق أسطورة التخلي عن الوظيف بل وأيضا افتعال الشطب من الوظيفة العمومية الذي لم يتم إذ يفترض إجراءات معينة منها الإحالة على مجلس تأديب، ما لم يتم طبعا، تلكأت النقابات في حمل كل الوزراء الذين تعاقبوا على الوزراة لتحمل مسؤولياتهم في إبطال الأمر الداخلي الجائر الذي أمضاه كاتب عام الوزارة. وأعتقد أني لست بحاجة هنا للتذكير بما امتاز به عملي الديبلوماسي في خدمة الوطن، إذ كان محل التنويه من طرف كل من خدم هذه البلاد بإخلاص؛ فحتى الوزير الحالي لا يشك في ذلك رغم تقاعسه عن القيام بما يمليه عليه لا القانون فقط، إذ من حقه  وواجبه إبطال من أفسده أمر وزراي سابق، بل والضمير أيضا خاصة بعد تجرؤه على إلحاقي بديوانه؛ ولا شك أن ذلك أكبر الدليل على قناعته بحقي في رفع المظلمة التي لحقتني وإعادتي للوظيف.

إن الوزير الحالي لا يشك في هذا الحق، إلا أنه يرى أن مرور الزمن وبلوغي سن التقاعد يمنعانه من التصرف بكل حرية؛ إلا أن ما يمنعه خاصة من الجرأة هو يتمثل في خور العمل النقابي الصحيح بالوزارة، إذ أن النقابات بها لا تقدم له الدعم المفيد في القضية، رغم أن قانون المصالحة الإدارية يمكنها من الإعتماد على نص قانوني من الممكن بمقتضاه،  بتأويل حسب روحه ومقاصده، تصفية كل إشكاليات ومظالم العهد القديم بالوزارة لتمتيعهم بما حصل عليه أهل العفو التشريعي؛ فهل يحصل المجرمون على ما لا يحصل عليه من لا جرم لهم سوى خدمة الوطن؟ فبهذا القانون يمكن إصلاح وضعية مثل وضعيتي والاستجابة لطلب الإبقاء في الوظيفة العمومية إلى سن الخامسة والستين كتعويض. ذلك أني لم أطلب ولا أطالب بأي تعويض مادي، همي الأوحد، كما كانت دوما غايتي، خدمة هذه البلاد التي أصبحت فيها مصالح من لا حق له تعلو كل شيء، بما فيه القانون والأخلاق. ومعلوم أن المرء يفعل كل شيء ما لم يستح!

  • ديبلوماسي وكاتب.

 

شارك رأيك

Your email address will not be published.

error: لا يمكن نسخ هذا المحتوى.