.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

حديث الجمعة: القانون الفعّال للتصدّي للإرهاب هو المجرِّم للجهاد الأصغر


بقلم فرحات عثمان

بعد فاجعة باردو، وفي نطاق التصدّي للإرهاب، شرع مجلس نواب الشعب في مناقشة مشروع جديد لحماية الأمنيين، وذلك بالتحديد من الحقوق والتقليص من الحريات، بينما أفضل الحماية للأمنيين تتمثّل في دعم حقوق المواطنين وحرّياتهم، إذ الإرهاب يتغذّى من تقليصهما، وتجريم الجهاد الأصغر.

إنه من الخطأ الفادح المصادقة على قانون جديد يعمّق من الهوّة الحالية بين الشعب، خاصة الشباب، والأمنيين الذين مسؤوليتهم الأساسية هي حفظ حقوق هـؤلاء وحرّياتهم. فالمشروع المعروض حاليا على مجلس النواب يضيّق بصفة فاحشة من الحريات، فلا يخدم حقا سلامة الأمنيين، إذ التحديد من حقوق وحريات الشباب تحملهم إلى مزالق الإجرام فتجعلهم لقمة سائغة للاستقطاب الإرهابي.

اللخبطة القيمية :

مقاومة التزمّت الأخلاقي والفهم الخاطىء للدين هما أساس التصدّي للإرهاب، لأنه في الأذهان؛ فلا مجال لمقاومة استقطاب الشباب من طرف محترفي الإرهاب إلا بتغيير القوانين الحالية ممّا شابها من اعتداءٍ صارخٍ على الحقوق والحريات حتى نساهم في تنقية الأدمغة مما يتغذى به الإرهاب من فساد.

فلنتذّكر مثلا أن إرهابى سوسة، سيف الدين الرزقي، كتب على صفحته الخاصة على الأنترنت: «إذا كان حب الجهاد جريمة، فليشهد العالم إني مجرم !». هذا هو الإرهاب المتأتّي من تلك اللخبطة القيمة التي تساعد عليها قوانينيا المخزية الموروثة من العهد البائد والتي يتعيّن إبطالها لأنها تشجّع على قراءة مشينة للدين، فإذا هو ليس دين الحب والسلام بل الحقد والحرب !

إن عملية باردو الأخيرة وما سبقها لهي تبعة منطقية للّخبطة القيمية التي لا زلنا نعيشها بتونس في فهمنا لديننا الذي نجعل منه دين النقمة بينما ليس هو إلا دين الرحمة. لهذا، ليس من الحكمة اليوم دعم مثل هذه القوانين المخزية بقانون جديد على شاكلتها لما في ذلك من تشجيع على الإجرام. إن الأكيد المتأكّد هو استغلال هذه الفاجعة لعودة الضمير واليقظة من سباتنا عن الأخلاق الصحيحة وذلك بدعوة مجلس نواب الشعب لا للتحديد من الحريات بل لإبطال ما في تشريعنا من نصوص إرهابية معنوية.

إننا نرى اليوم الأمنيين، رغم ما أتى به الدستور الجديد بتونس من حقوق وحريات، ورغم أن البلاد في حالة استنفار قصوى ضد الإرهاب، يطاردون من ليس ذنبه إلا تبادل القبل أو العواطف، أو من يلبس تبانا أو تنورة قصيران، أو من يشرب الخمرة أيام الجمعة ، بينما كلهم سلم لغيرهم، لا يمدّون على غيرهم؛ كما نراهم في رمضان يتعقّبون المفطرين علنا من الناس أو من يتعاطى الكحول! كل هذا يتم باسم القانون الذي من واجب الأمنيين تطبيقة وهو في غير صالحهم، إذ ينمّي الحقد تجاههم ولا ذنب لهم في ذلك.

الإرهاب الذهني

هذه الدعوة تكون أيضا لتجريم الجهاد الصغير. ذلك أن الإرهاب ليس فقط ما نراه من ضحايا أبرياء ودماء أهدرت باسم الإسلام، بل هو أساسا ما لا نراه؛ إذ تسبق كل عملية إرهابية عمليات غسل دماغ. فالإرهاب قبل كل شيء ذهني، أي الفكر الفاسد والمفهوم الخاطىء للدين؛ ولا مناص للتعرّض له ومقاومته في أسرع الآجال إذا أردنا حقا مقاومة الإرهاب الحقيقي والتوصّل للحد منه ثم القضاء عليه.

إن الإرهابي ليس فقط الذي يقتل غيره، إذ هو اليد الظاهرة لمن يختفي وراءها ممن لا يجرّم حمل السلام ولو سمّاه جهادا، وممن يدّعي خدمة الإسلام وهو يقوّض صرحه من الأساس. هؤلاء هم المجرمون، ومن الضروري مقاومتهم بكل سرعة ونجاعة. ولا يكون ذلك إلا بالجرأة على إعلان انتهاء صلوحية الجهاد الأصغر وإغلاق بابه، لأنه لا جهاد في الإسلام الصحيح إلا جهاد النفس، الجهاد الأكبر الذي يحمل المسلم على السهر على تزكية نفسه وغض النظر عن مساوىء غيره والقبول به كما هو في اختلافه، لأن الحنيفية المسلمة تمجّد الحرية البشرية والغيرية.

الإسلام اجتهاد مستمر، ومن المتأكد تجديد فهمنا للدين الذي تحجّر فغدا ظلاميا كما هي الحال اليوم. فالإسلام ثورة عقلية مستدامة وإلا ليس هو بدين القيّمة، خاتم الأديان. ونحن اليوم نرى كيف يستغل شيوخ الإرهاب نظرتنا الخاطئة لديننا وفهمنا المغلوط لسماحته لإرسال أحداث يفسدون في الأرض باسم الإصلاح ومقاومة المنكر بينما لا تطالهم هم يد القانون رغم مسؤوليتهم في ما يحدث.

إغلاق باب الجهاد الأصغر

إن الإرهابي يهب نفسه إلى ما يعتقده أفضل الجهاد في الإسلام بينما هو أقلّه قيمة بما إنه جهادا أصيغرا، ولّى زمانه وانقضى؛ فالجهاد المسلّح في الإسلام الحقيقي انتهى كما انقضت فترة الهجرة؛ ألم يتمّ منع الهجرة إلى المدينة بعد الفتح؟ لذا، من أوكد الواجبات على الساسة ورجال الدين أن يعلنوها صراحة في موقف جريء تقتضيه خدمة الأمن الحق، وهو أن الجهاد الوحيد في الإسلام، بعد أن قامت دولته وتمتّن في القلوب، هو الجهاد الأكبر.

فلا جهاد اليوم إلا مجاهدة النفس في كل نزواتها، خاصة تلك التي تعتدي على الآخر، أيا كان وأي تصرف أتى؛ فليس الجهاد الأصغر، أي مد اليد على الآخر المختلف، إلا من الإفساد في الأرض. هذا ما يجب فعله بأقصى سرعة لتجفيف منابع المد الداعشي الذي يجعل من شبيبة بريئة حُرمت من حقها في الحياة والتمتع بها، كأن تتنقل بحرية تامة في الأرض وأن تحب من يهواه قلبها، ضحية لشيوخ دمويين يحوّلونها إلى إرهابيين يتوهمون قتلهم لغيرهم من التقوى والورع بينا هو حرابة وإفسادا في الأرض.

إن المسلم من سلم الناس من يده ولسانه؛ ومن قتل نفسا، أيا كان فعلها، يقتل البشرية جمعاء. والقتل المعنوي أشد من القتل المادي لأنه يخلق القاتل ويعيد خلقه على الدوام! لنطالب إذن، عوض قانون الحمايةٍ النظريةٍ للأمنيين، بمشروع يحميهم حقا من الإرهاب والإرهابيين، وهو الذي يجرؤ على تجريم الجهاد المسلّح، أي الأصغر، الذي ليس هو إلا مطية للإرهاب؛ وليكن ذلك، بدايةً، بفتوى من السلط الدينية! فليس في الإسلام إلا الجهاد الأكبر بعد تمكّنه من ضمائر وقلوب التونسيين، أي مجاهدة النفس الأمّارة بالسوء لإعطاء المثل الأسنى في سلامة يد وفكر التونسي وحفظ الناس من أي بلاء ربما يعتيره لوسوسة الشيطان له. هذا ما علينا تقديمه دون تأخير كمشروع قانونٍ فعّال بحق لحماية الأمنيين!

 




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!