.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

حديث الجمعة: المراجعة الجذرية المتحتمة لمنظومة الحج


بقلم فرحات عثمان

عندما يقر وزير الشؤون الدينية بضرورة المراجعة الجذرية لمنظومة الحج، فهو لا ينوي إلا الاعتناء بإخلالات ثانوية، حتى وإن كانت هامة، بينما هي هيّنة بالنسبة لما يجب التصدي له فعلا من مسخ للفهم الواجب لروح فريضة الحج وتجلياتها التجارية الحالية.

لقد أصبحت فريضة الحج وسيلة لا يُستهان بها للتجارة بالدين واستباحة هذا الركن الخامس من الإسلام في خدمة السياسة والسعي لأجل مصالح نظامٍ لا تمت عقيدته الوهابية للإسلام بما أنها هرطقة لا غير كما أكده مؤتمر غروزني في تعريف أهل السنة والجماعة.*

لذا، لا يكفي اليوم الإشارة، كما يفعل السيد أحمد عظوم، لبعض االتهاون في أداء مناسك الحج، بل لا بد من مراجعة فهمنا الخاطىء لهذا المنسك. فعندما يتحدث الوزير عن ضرورة المراجعة الجذرية لمنظومة الحجّ، لا يجب أن يكون ذلك فقط للحد من الاخلالات الحاصلة في كل موسم، ومنها الموسم الحالي، كتلك الحالات بين الحجيج ممن لا يجوز لها الحجّ، أو ظرورف الإقامة كتخصيص مساحة لا تفي بالحاجة في المخيّمات.

هذه من الانتهاكات البسيطة التي، لئن وجب فعلا الانتباه لها، فشريطة ألا يكون بغض النظر عن الأهم، وهو التشويه الحالي الحاصل للركن الخامس للدين كما نبينه هنا، لعل التقييم الذي أعلنه الوزير يعيره بعض الانتباه نصرة للدين الحنيف.

الحج ليس فرضا إلا عند الاستطاعة:
إن ما يتوجب التذكير به أولا هو أن الحج، كما ذكره الله في الآية 97 من سورة آل عمران، لمن استطاع له سبيلا. والاستطاعة هي من الطوع، أي القدرة طبعا، لكن ليس بالمعنى المادي فقط ولا أولا، بل هي خاصة معنوية، أي بمعنى التطوع. من ذلك نقول صلاة التطوع أي النافلة، التي ليست طبعا إجبارية كالصلاة الواجبة.

هذا، ومن الضروري التذكير لأهل الإسلام أن الصلاة ليست فقط صلاة الجوارح، بل أيضا وأساسا صلاة القلب؛ فهي الأهم. ذلك لأن الإسلام لا يقبل صلاة من قلبه ينوي الشر كهذا المصلي (والحادثة صحيحة) الذي سرق هاتف أحد المصلين وأخفاه تحت عمامته، إلا أن الله كشف فعلته الدنيئة بأن أخذ الهاتف يرن فوق رأسه، فدل صاحبه على السارق.

الاستطاعة في الحج ليست مادية:
لذا، ليست الاستطاعة فقط في توفر المال في دين هو أساسا دين الفقراء، إذ هم الأغنياء بتقو اهم؛ ونحن نعلم أن الغني لا يدخل الجنة إلا بعد نفاذه من سم الخياط! إن من يعتمد على ما له من وسخ الدنيا للحج، لا مرة فقط بل تباعا، لا يحج حقيقة، بل يضخ الأموال في خدمة نظام يتمعش من الدين كما كانت تفعل قريش قبل الإسلام وبعده.
الحج لا يكون في مكة إلا إذا لم يكن للحاج أي شيء يفعله حوله وفي محيطه من خير ابتغاء وجه الله، أي إعانة فقير أو صدقة لأجل بناء مصحات ومدارس أو القيام بأمور للقيام بالحياة اليومية المزرية للناس حوله، سواء من أهله أو جيرانه. أليس هذا ما يجب على وزارة الشؤون الدينية التذكير به عوض الاكتغاء باجترار ما قاله الفقهاء من السلف لعصرهم ولأهله؟

الحج لا يكفي للتنصل من الذنوب:
لقد أصبح اليوم الحج وسيلة، لا للقوى، بل للخلاص من الذنوب؛ وبما أنها لا تنتهي في هذه الحياة الدينا لما في الطبيعة البشرية من نقص جوهوي، نرى الحاج يعيد الحج مثنى وثلاث، بل مرارا لا عد لها ولا حصر، للدخول للجنة كما يُذكر في حديث نُسب للرسول. فلتتكفل الوزارة برفع مثل هذا اللبس بتذكير الناس أن جمهور العلماء من أهل السلف يقول بأن الحج، إذا كفّر ذنبا، فذلك فقط للصغائر من الذنوب، بما أن الصلاة، وهي أعظم من الحج ،لا تكفّر إلا الصغائر كما بيّن ذاك نص حديث ثابت صحيح.
إن ما يتوجب على وزارة الشؤون الدينية قوله هو كفارة الحج لا تكفي في دين بيّن صفة الكفارة وكيفية التنصل بها من الذنوب، وذلك بالنية الحسنة مع العمل الجاد النزيه لأجل الخير الصحيح، لا بفعل لا خير فيه للناس. إنه لا ذنب يُغتفر بلا خير يُفعل لأجل المؤمنين؛ فأي خير وتقوى في تبديد الأموال لمنفعة خاصة عوض صرفها للصالح العام؟

الحج لا يكون في خدمة السياسة:
ثم أي خير في عمل هو اليوم، علاوة على كونه تجارة بالدين، خدمة سنية يؤديها الحاج لنظام تحكمه أيديولوجية متزمتة لا علاقة لها بالإسلام؟ فالنظام السعودي يتمعش من عائدات الحج في مصالحه الذاتية، ومنها ضخ جانب هام في خدمة اقتصاد رأس المال الغربي، إن لم يكن في مساندة الإرهاب الساعي لتقويض صرح الإسلام. أما آن الوقت لأهل الدين التزهاء الشرفاء للتذكير بمثل هذه الخزي لأنارة من يقع التغرير به سنويا في خدمة السياسة وهو يعتقد القيام بواجبه الديني؟
هذا مما يتوجّب على وزارة الشؤون الدينية قوله خلال التقييم لموسم الحج التي تنوي القيام به قبل موفى سبتمبر الجاري، إذ فيه حقا خدمة الإسلام. وليكن الله في عون النيات السليمة وقد كثر السوء في الدين.

* مؤتمر غروزني :
https://arabic.cnn.com/middleeast/2016/08/30/grozny-conference-islam

 




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *