الرئيسية » رحل “الشيخ” الطرودي ..ولا يزال الحلم قائما

رحل “الشيخ” الطرودي ..ولا يزال الحلم قائما

%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%a7%d8%b4%d9%85%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b1%d9%88%d8%af%d9%8a

بقلم محمد معالي*

أسمحوا لي في مستهل هذه الكلمة الوجيزة أن أتوجّه، باسم جمعية آفاق-العامل التونسي للذاكرة والمستقبل وباسم رفاق فقيدنا الشيخ محمد الهاشمي الطرودي، بتحية خاصة إلى دار محمد علي للنشر التي كرّمته خلال حياته وبعد رحيله.

كما أن دار محمد علي الحامي أضفت، بما بذلته من جهد مشكور طعما خاصّا على لقائنا اليوم بمناسبة صدور هذين الكتابين من نصوص فقيدنا، كما نتوجه بالشكر لدار الكتب الوطنية لتكرّمها باستضافة هذه التظاهرة، ولكم جميعا لما أوليتموه من اهتمام مُستحَقّ للإسهام الفكري والسياسي والإعلامي لفقيدنا.

إنّه لمن دواعي سرورنا أن يتجسّد هذا التكريم في صدور جزء مُهمّ من كتابات الفقيد التي تُظهر بجلاء مدى سعة اطلاعه وعمق تحليله ووجاهة استنتاجاته وأن تتواصل استفادة قرّائه اليوم وغدا بثمرة جهوده عبر ما نُشر إلى حدّ هذه الساعة وما سيُنشر مستقبلا.

لم يكن لقائي بالهاشمي الطرودي، أول ما عرفته في مطلع السبعينات، بعد فترة قصيرة من مغادرته السجن سنة 1970، في إطار منظّم بل ضمن مجموعة من الأصدقاء كان معظمهم من القادمين من الجنوب، في بعض الفضاءات الثقافية وبعض مقاهي العاصمة وخاصّة مقهى الباساج التي كانت، في غياب أيّ اسم على واجهتها، تُطلق عليها تسمية “‘قهوة التاكسيات” وكان الشيخ يُسمّيها، ونُسمّيها معه، “القهوة الصفراء” بسبب لون طلاء جدرانها…

كنّا نطلق عليه تسمية الشيخ وهو في عنفوان شبابه… ولم تكن تسمية الشيخ اعتباطية، مثلما تُطلق اليوم على بعض من لا يستحق، من أولئك المُتعلّمين التقليديين المتزمّتين محدودي الأفق، بل لأنه كان شيخا زيتونيا فعلا مُتشبّعا بثقافتنا العربية الأصيلة وهو ما قاده إلى اكتشاف الروح الثورية الكامنة فيها، على غرار الشابي والحدّاد وغيرهما ممن انطلقوا من الثورة على تقليدية مناهج التعليم الزيتوني في فترة الدراسة لينتهوا إلى تبنّي الأفكار الحداثية والثورية، ويسعوا إلى تغيير المجتمع وكان رفيقه في مساره هذا صديقه الحميم الفقيد محمد بن جنّات،

كان الشيخ يمرّ آنذاك بمصاعب اقتصاية تزيد من حدّتها الإقامة الجبرية والمراقبة البوليسية ولكنّه كان لا يشكو مما يُواجه ولا يبدو عليه أنه يشغل باله بذلك كثيرا.. كان يتحدّث بهدوء في أشد المواضيع إثارة للحماس واللغط والصياح لدى غيره.. كان الشيخ مطلعا واسع الإحاطة مما يجعله يتحدّث حديث العارف في شتى المواضيع من شؤون الأدب والثقافة إلى أحداث التاريخ إلى مواضيع السياسة وقضايا المجتمع وكان المحيطون به يَتشرّبون أحاديثه التي تنساب بعفويّة لا تكلّف فيها كما يتلقّون درس المعلّم ولكنّه لم يكن يُشعرهم بأنه في موقع المعلّم أو المتحدّث من عَلٍ لِما كان يتّصف به من لطف وطرافة وخفة روح وسرعة بديهة وقدرة على مزج الجدّ بالهزل دون ابتذال ولا إسفاف..

ومن يعرف الشيخ الطرودي يشعر أنه يمتلك وراء هدوء طبعه روحا قلقة ورغبة في مسابقة الزمن مَردّها ربّما شعوره بأن الزمن المُتاح له لا يكفي لإبلاغ كلّ ما يطمح إلى تبليغه، فيلجأ إلى التكثيف في ما يكتب مُلحّا على الإبقاء لدى قرّائه على تلك الجذوة الثورية التي حملها هو وأبناء جيله، وهذا ما تلمسه في قوله في كتاب “أضواء على اليسار التونسي حركة آفاق نموذجا” الذي صدر عن دار محمد علي للنشر سنة 2014:

“أمل هذا الجيل و هو في خريف العمر أن لا تتلاشى من ربوع تونس تلك الروح وتلك العزيمة وذلك الإصرار على التضحية من أجل الحرّية والحقّ والعدل. لأن في ذلك وبذلك فقط يُمكن أن يتواصل حلم الإنسان بِغَد أفضل ولأن غياب ذلك لا يعني شيئا سوى الانسياق في طريق من راهنوا على اغتيال المعنى”.

وهذا الحرص نفسه على استمرار هذا الحلم الثوري الجميل لدى الشباب هو ما يتضح من خلال كلماته التأبينية في “كتاب الأحياء” الذي تضمّن رثاءه لرفاقه أحمد بن عثمان ونور الدين بن خضر ومحمد الشرفي ومحمد بن جنات… حيث قال في تأبين أحمد بن عثمان:

«كان الحلم ولا يزال جميلا، كانت المغامرة رائعة، كانت التجربة قاسية، أقول فقط أن الجزاء لم يكن على قدر الجهد والنتائج لم تكن بحجم التضحيات، لكن الأكيد أن ذلك الجيل، وأحمد بن عثمان أحد روّاده، كان له شرف الرّيادة في النضال من أجل الحرّية والتقدم، جيل أصرّ في ثبات ومثابرة لافتة أن يقول: لا للاستبداد، لا للقمع، لا للحيف الاقتصادي والاجتماعي».

لقد مضى الشيخ الطرودي ومضى عدد من رفاقنا ولكن الحلم الجميل الذي جعلهم يتحمّلون سنوات العذاب والحرمان الطويلة لا يزال قائما وإن اتخذ ملامح أخرى أحيانا… وهذا الحلم هو الذي سوف يُبقي ذكرى الشيخ ورفاقه حَيّة في قلوبنا وقلوب الكثيرين.

…………………………………………………………………………..

*محمد معالي، مناضل يساري من الجيل الأول ومن رفاق الهاشمي الطرودي ، صحفي بجريدة الشعب.

………………………………………………………………………………..

ألقيت هذه الكلمة يوم 30 نوفمبر 2016 في فضاء دار الكتب الوطنية في الذكرى الأولى لرحيل الصحافي والمناضل الهاشمي الطرودي.

شارك رأيك

Your email address will not be published.

error: لا يمكن نسخ هذا المحتوى.