.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

(27) اللخبطة القيمية عند المسلمين


مسجد تونسي

يكتبها فرحات عثمان

بمناسبة ذكرى نزول القرن الكريم، بيّنا في يومية الأمس معالم  الجاهلية الجديدة التي أصبح الإسلام عليها وكأنه لم يتنزّل؛ ونثنّي اليوم بإحدى تجلياتها، ألا وهي اللخبطة القيمية confusion axiologique التي يعيشها أهل الإسلام بالرغم من الدين القيّم الذي عندهم، يتنكّرون لتعاليمه وهم يعتقدون الأخذ بها.

لا شك أن مثل هذا التشويش الفكري غير غريب لمن تعاطى الفن فعرف ما يمكن للصورة أن يكون لها من إيحاء وإبداع، وما هي مدعاة لاستنباطه من خداع، هو هذه اللخبطة الأخلاقية التي نتكلّم فيها. هذا ينضاف لمَثَل المشرّبية الذي ألمحت إليه في يومية سابقة، وقلت أنه في نفس الوقت عقدة parabole/complexe du moucharabieh؛ وسأعود إليه هنا بشيء من التفصيل قائلا أن من شأنه التأكيد على ما عُرفت به الثقافة العربية الإسلامية من قيمة الكمون وفضيلة التخفي، ما يُعرف فقهيا بالتقية.

لئن شخّصتُ هذه الخاصية بمثل وعقدة المشربية، فذلك استلهاما للعمران العربي وبناياته لما له علاقة بنفسية وشخصية المسلم التي هي فنية في أعماقها؛ ولا شك أننا نعاين ذلك يوميا في شدة حرص العربي على المظاهر، حتى ولو كانت خادعة لإعطاء أفضل صورة عنه. كل هذه بلا شك يؤكد الحاجة الماسة والضرورة القصوى الداعية للأخد بالفنون وروحها لإحياء علوم ديننا وقد تحجرت. بذلك نتوصّل إلى الخلاص من جاهليتنا الجديدة ولخبطتها القيمية الفظيعة التي نعطي منها وعنها بعض الأمثلة مما نعاينه اليوم، كانقلاب الفتوى الفقهية من مجرد رأي إلا قانون، أو تمركز فكرة ولاية الفقيه الشيعية في الإسلام السني خالقة في أنفسنا أصناما معنوية في دين جاء بهدم كل الأصنام.

الصورة والخداع الأخلاقي في الإسلام

إن الصورة والهيئة، وكل ما كان من المظاهر، له من القيمة ما لا تُقدّر في عاداتنا وفي مخيالنا العربي الإسلامي، رغم أن الإسلام حذّر من زيف المظاهر أيّ تحذير. فقيمة الصورة في مخيالنا من الأهمّية بمكان؛ ألا يقول المثل الشعبي عندنا «لتأكل على ذوقك وكما يحلو لك، ولكن لا تلبس إلا كما يحلو للناس وعلى ذوق الناس» ؟

هذا يبيّن حرصنا على عدم إثارة نظر الغير بما لم يعتده؛ وإن كان ذلك من حسن المعاشرة وشدة اللباقة في التأقلم مع طباع المجتمع الغالبة، فإن من شأنه أن ينقلب إلى سوء المعاشرة وقلة اللياقة إذا أصبح من باب التملق و الكبرياء و الخيلاء إلى حد المغالطة في ما نحن عليه حقا من طباعٍ وماهية صورتنا على حقيقتها. فهناك العديد منا يسهر بصفة خاصة على تنميق صورته والحرص على زخرفتها في عين الغريب، لئلا يبدو منه له ما يشين؛ هذا ولا شك من باب الزيف والمخادعة إذا ابتغينا منه الظهور فقط بمظهر يناقض تماما ما نحن عليه في سائر الأيام وبين ظهراني من يعرفنا ويعاشرنا.

نعم، ليس من العيب بتاتا أن نسهر على إظهار أفضل ما فينا لمن لا يعرفنا حتى لا يسارع بالحكم علينا إذا ما ساءه منا أي شيء دون نية الإساءة منا؛ فلا كمال إلا لله ! غير أنه إذا أتينا ذلك عامدين متعمّدين، مخالفين ما نعتاده من التصرف أو القول أو مبتذل الهيئة، فذاك العيب كله، الشيء الذي يحمل العديد منا على الاستحياء من الناس دون الله.

لنأخذ مثالا على هذا من صميم جاهليتنا اليوم. فقد طالعتنا أخيرا الأخبار من مكة أن السلطات السعودية عمدت، بعد تفتيشات حثيثة، إلى اعتقال أحد رجال أمنها لاتهامها له بأخد صور لعملية إعدام تمت بالساحة العموميمة لامرأة متّهمة بالقتل العمد. ليس المجال هنا للحديث عن هذه المسكينة التي قُطع رأسها وهي تصرخ براءتها، ولا عن التشنيع بمثل هذه الطريقة البشعة في القتل، سواء بقطع الرأس أو بتنفيذ الإعدام بالساحات العمومية؛ غايتنا فقط التنديد بمحاولة السلطات السعودية إخفاء شناعة عملها عن مرأى الأجانب وذلك بإيقاف من تعمّد تصوير المشهد الفضيع وإذاعته. فهل تستحي هذه السلطات مما اقترفته إلى حد العمل على أن يتم خفية عن أنظار العالم ؟ ألم تعلم أن لا شيء اليوم يخفي عن أنظار الناس ؟ ثم، إن كان ذلك ممكنا، فهل يخفى على نظر الله ؟

هلا استحت السلطات السعودية من الله، وهي هكذا في استحياءٍ من الأجانب وازدرائهم لتصرفات بشعة؛ فتصرّفها من الخداع واللخبطة القيمية ؟ مثل هذه المخاتلة ممن يسهر على رعاية حقوق الله بحفظ بيته وأقدس مقدسات ديننا لا تشرّف الإسلام، إذ تسيء إليه أي إساءة؛ بل إنها أكبر وأعتى من أي عمل عدائي ممن يريد الشر لديننا. إذن، أي مشكال kaleidoscope للحقيقة يعطينا عنها في زمن الجاهلية، وأي مشكاة lustre للأخلاق من شأنه أن يضيء فيه ؟

مشكال الحقيقة ومشكاة الأخلاق الإسلاميين

الواجب المفروض اليوم في جاهليتنا الجديدة الحرص كل الحرص على قول كلمة الحق في معنى الحقيقة في هذا الزمن الذي كثر فيه الدجل وتعاطي الكذب، وذلك حتى ممن لا ناقة له في هذا الميدان ولا جمل، إذ تراه يترك الحبل على الغارب لنفسه، وهي دوما أمّارة بالسوء ما دمنا لا نكبح جماحها بما يُسمّى نظام الحراسة المستدامة Système de veille، وهو جهادنا الأكبر.

هذا الجهاد في الحراسة المستدامة مارسناه سابقا تمام الممارسة مع أهل الصوفية التي عرّفته بالرياضة النفسية؛ وقد كتب فيها ابن سينا صفحات ناصعة في نطاق فلسفته الإشراقية، فاستفاض خير استفاضة عن المعرفة الإشراقية وأهميتها في ترقّي النفس بضرورة الرياضة والمجاهدة التي تلعب فيها الرؤيا الصادقة والخيال دور الوحي والإلهام. ما أحوجنا إليها اليوم في زمن تدعدشت فيه الأدمغة على أفظع شكل !

هذا، وسبق أن بيّن لنا فيلسوفنا ابن سينا رمزية المشكال في المعرفة، وهو الأنبوب المحتوي على مراءٍ مركّزة  تجعل أشىاء صغيرة ملوّنة به تظهر متحرّكة بصفة تولّد رسوما مختلفة في أشكالها وزخرفها. هكذا هي الحقيقة اليوم؛ ليست أبدا ما يمكن حيازته وادعاء معرفته؛ إنما زخرف في مشكال يراه الناظر حسب هواه؛ فإذا هو رائق لمن رقّت أحساسيه، وهو بشع لمن بشعت عواطفه؛ مثال ذلك مشكاة الإسلام اليوم في زمن الجاهلية الجديدة واللخبطة القيمية.

إن الحقيقة لهي أفق نيّر أو متجهّم حسب طبيعة اليوم وحسب مشاعر السالك نحو هذا الأفق؛ وليس لأحد أن يدّعي الوصول إلى نهاية هذا الأفق إلا إذا تغطرس في فكرٍ جهولٍ ليس فيه من الحكمة إلا حب التظاهر والتكبّر والكذب. هؤلاء كُثر اليوم في هذا الزمن الذي أصبح الإفك فيه رياضة والبهتان مطية للوصول للحوائج وولوج أروقة الحكم. بل هو حقيقة بلدنا الراهنة التي لا مراء فيها، إذ أصبح الهواء بها الكذب والتكاذب؛ ونحن نرى هذا حتى عند من سلمت نيته، إلا أنه اضطر لإتيان فعل غيره من باب اتباع عمل الجار حتى لا يغيّر باب داره في تكالب صارخ على زخرف الدنيا الكذوب.

إن المشكال، إذا طبّقناه على ابن آدم وقد أصبح ابن آوى هذا العصر، أي الطمّاع، المستبّد بالضعفاء، هو التعاقب المتقلّب للمشاعر في شيطنتها لكل شيء لا يوافق مزاج صاحب النفوذ أو من يحيط به ممن سمّاهم الجاحظ ذبان البلاط. ولا شك أن لكل بلد ذبانا لحكامه في حاشيته، سواء كان هؤلاء الحكام، والذبان أيضا، من ذوي النفوذ المادي أو المعنوي.

هذا، ومن المعلوم، ما لا نقاش فيه، أن المعرفة الحالية، بعد فتوحات الفيزياء الكمّية، ترى انعدام الموضوعية إلا في صورة خفيضة في أفضل الحالات objectivité basse. وذلك يمكّننا من القول أن ما يعرّف البشر اليوم لم يعد الفكر ولا مقولة الكوجيتو cogito، أي عبارة ديكارت المشهورة : أنا أفكّر فأنا موجود ! إن تعريف ابن آدم ما بعد الحداثة هو أبعد بكثير من هذا التصور المعنوي، إذ هو لا يكاد يحيد عن حقيقة واحدة، وهي أن الإنسان، أي إنسان، على هذه البسيطة ليس إلا خلاصة المني sperme في هيئة هي نفسها لا تتغير، أيا كانت الصورة البشرية والهىئة في اختلافاتها، إذ الهيولي البشري أي المادة الأصلية substance واحدة في أساسها عند كل البشر.

لا يغيّر إذن البشر، كما علّمناه ديننا، إلا ما في أنفسهم من أنوار مضيئة أو مظلمة، وما في مهجهم من رغبة في زيادة النور والتنوير داخلهم أو الحفاظ على الظلام أو التظليم بأنفسهم؛ مع ضرورة العلم أن في الظلام أيضا من النور ما يمكّن لا محالة للبصيرة أن ترى إذا أنارتها رغبة العلم والمعرفة حتى وإن عمّت الظلمة وعمت الأنظار؛ لأن البصائر الطالبة للنور لا تعمى أبدا.

تلك مشكاة الحقيقة التي لا انطفاء لها، ومنها يستنير المقانب من الأتقياء من النساء والرجال؛ وهؤلاء هم الأولياء ! هم الأبدال الصوفية في زمن الجاهلية هذه عند انعدام كل أمل عند العامة والخاصة، يتكفّلون أي تكفّل بإعادة الأمل إلى النفوس وإضاءة مشكاة الحقيقة، ألا وهي دين الإسلام خاتم الأديان.

يقول تعالى وهو أصدق القائلين في سورة النور (الآية 35) : «الله نور السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يُوقد من شجرة مباركة، زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء، ويضرب الله الأمثال للناس، والله بكل شيء عليم ».

هذه هي مشكاة الحقيقة عندنا، وهي في أنفس هؤلاء الأبدال من الأولياء وإن غابت عن الأذهان في بلاد الإسلام في جاهليتها الجديدة ولخبطتها القيمية. إن الله نور وليس ظلمة؛ وهل تأتينا إلا الظلمة من داعش ومن البلاد الآخذة بالوهابية، أي بالإسرائيليات، لا بتعاليم الإسلام ؟

إن مشكاة الحقيقة فيها مصباح، وهذا المصباح في زجاجة العلم والفن، لأن ديننا علمي التعاليم، عالميها، وفني الروح، مرهف الحس. لذلك أحكامه أزلية، كأنها الكوكب الدرّي أو الشمس التي تستطع، فإذا كل الكواكب تختفي وراء نورها. والشجرة المباركة اليوم هي الفرقان، الزيتونة التي هي لا شرقية ولا غربية، بما أنها صالحة لكل البشر؛ فهي كونية، تأتي بالفتوحات العلمية وتمهّد لها، ثم تأخذ بما ثبت في الحضارات البشرية في إجماع جديد ما بعد حداثيٍ، أي إجماع الحضارات الإنسانية على ما صح من إناسةٍ مهّد لها السبيل الإسلام الأصيل. هذا هو الإسلام الصحيح، خاتم الرسالات السماوية !

حقيقة الفتوى في دين الإسلام

إن قول ما سبق يتأكّد بأمثلة حيّة مما يخلق إشكاليات الإسلام اليوم وهو في غنًى عنها، إذ تُكثر اللغط وتُعدّد الكذب، لا على الرسول الأكرم، فقط بل وعلى القرآن نفسه. من هذا اللغط ما يتعمّد كذبا أخذ هيئة الفتوى؛ فقد أصبحت بلادنا منذ الثورة مرتعا لكل من هب ودب للتصيّد فيها ونهب أفضل ما أنتجه العقل التونسي، ألا وهو حرية فكره وسماحة معتقده وتفتّحه على الآخر، كل آخر، أيا كان وأيا كانت صفته وهيئته وتصرفه.

هؤلاء ككل صياد مخالف، يصيد محرّما، لا يهمّه إلا صيده، فهو يتعاطى حرفة الجهالة الجهلاد دون مراعاة سنة الطبيعة مثلا التي تقتضي من الصياد احترام فترات معينة لتعاطي مهنته، فلا يمنع تجدد نسل ما يصطاد. سلاح هؤلاء الفتوي الإسلامية، وهو من نوع الأسلحة البيضاء التي يُخصص استعمالها لأغراض معيّنة في حياتنا اليومية، إلا أن البعض ممن يتهور يريد الإساءة بها ببني بجدته. من هؤلاء من يأتينا بفكر بار من الشرق الغارق في غفوته الحضارية، يستعمله للعنف والتعنيف  على هذه الأرض المسالمة باسم الدين، وما جاء ولا قال به ديننا الحنيف.

الفتوى الإسلامية مجرّد رأي يأتيه المسلم الذي علم حقا شؤون دينه وتفقّه فيه ليُبدي وجهة نظرٍ وفكرٍ يفيد بهما عامة أخوته المسلمين. فما الفتوى في الإسلام بالأمر ولا القانون ولا الحكم الإلاهي؛ لأنه لا حكم إلا في القرآن، ولا تفسير وتأويل للقرآن من الواجب التقيّد بهما إلا في سنة الرسول الثابتة، كما هي في ما اتفق عليه الشيخان، التي يجب فهمها والتمعن من صحتها، خاصة معناها، إذ قد يخفى على البعض ممن سها عن بلاغة ديننا الثقافية وحكمته الإلاهية.

هذه حقيقة الفتوى الإسلامية التي أصبحت السلاح الذي يستعمله من قام يتكلم باسم الدين وهو لا يقول إلا برأيه وجهل أن الرأي الحقيقي الحر يحتمل الرأي المخالف، وأنه لا مجال لكلامٍ  يتقمّص صورة الحقيقة الأزلية فيتنزل بمنزلة الكلام الإلاهي. إن الحقيقة الواحدة الوحيدة هي في المصحف الشريف، وهي ليست في حرفه فحسب، بل أساسا في مقاصده التي نتبيّنها في روح النص بالاجتهاد.

إن فقهاء زمان الجاهلية هذه، و قد انتصبوا هكذا لغسل دماغ المسلمين، ليتصرفون كأحبار يهود وباباوات النصارى؛ ناسين أو متناسين أن ديننا الحنيف جاء بثورة عارمة وشاملة، هي عقلية بالأساس، جاعلا العلاقة بين العبد وربه مباشرة بلا واسطة. فلا حاجة للمسلم البتة لفقيه، وبالأخص من نوع هؤلاء. إذا أراد المسلم التفقه في دينه، فله ذلك مع ضرورة معرفة لغته وقواعد دينه بلا أدني شك، وليس هذا بالمستحيل اليوم، مع حسن النية أساسا في ابتغاء خير الناس وهو غاية الدين.

إن هؤلاء الفقهاء الصيادون الذين يعتدّون بعلمهم ويتبجحون بفقههم لَينتصبون على رؤوس الملأ كتلك الأصنام التي جاء الإسلام بهدمها. هم يتكلّمون كما كان يفعل الكهان ووسطاء الوحي في عهود غبرت، كأن الحقيقة لا تخرج إلا من أفواههم، وغاب عنهم أنها ليست إلا في كتاب الله وسنته. والذي وغاب خاصة عن عقولهم، ولا عجب في ذلك وهي كأحلام العصافير، أن الحقيقة الإلاهية هي حكمة سنية ليس في قدرة العقل البشري فهم مكنونها الفهم النهائي، إذ عليه أن يحكّم عقله فيجتهد دوما، لا للوصول إليها، إذ هذا من فرض المحال، بل للقرب منها بالأخذ بكل ما يأتيه به العلم وتوفّر له كل وسائل المعرفة؛ فالإسلام دين عقل وعلم ومعرفة.

وهم في أقوالهم لا يمررون، دون أن يشعروا، إلا نظرتهم الشخصية للحياة ونمطها، إذ هم دعاة لنظام إجتماعي معين ومنظومة سياسية توظف الدين لأغراضها ومصالح الساهرين على حظوظها، لا تحترم روح القسطاس فيه ولا صبغته الإنسانية وضرورة خدمته لحقوق كل المستضعفين في الأرض. بينما الإسلام ثقافة قبل أن يكون دينا، بل هو أساسا كذلك، لأن الدين من الثقافة؛ وهو ثقافة عالمية قبل أن يكون مجرد شعائر؛ إذ الشعائر أيضا من الثقافة، فتأتي الثقافة بالشعائر ولا تأتي الشعائر بالثقافة.

إن ديننا بتعاليمه المتسامية تسامي العقاب على قلال الجبال والنار على رؤوس الأعلام يقتضي اليوم التعالي لبلوغ السماوات، ونحن نعرف أن همة بني آدم، إذا صدقت النية عنده وحسنت، من شأنها أن تجعله يدرك ما وراء العرش فيناله بقدرة الله العلي العظيم !

تبنّي أهل السنة لولاية الفقيه الشيعية

إن فقهاء السنة، أي الإسلام الغالب، بانحرافهم بمعنى الفتوى عن مجرد الرأي، مكّنوا بأنفسهم من نفوذ ليس لهم في الإسلام، فإذا هم يصولون ويجولون في الإسلام وكأنهم خلفاء لله في الأرض. وقد رأينا البعض يقوم كالطاغوت لفرض رأيه في الدين على الناس وقد أرادهم الله أحرارا. رمضان، مثلا، في قداسته شهر التمييز في التقوى، وهي اتقاء الله، أي الأخذ بما يمتاز به الإسلام عن بقية الديانتن السماوية، خاصة ملة أهل الكتاب، أي الرحمة والغفران، وتقديس الحرية البشرية نظرا لتحميل ابن آدم شرف الرسالة.

إن حرية التصرّف ضرورة قصوى في دين الإسلام الصحيح، فهو دين العبد الحر من ربقة أي استعباد، سوى تسليمه لله؛ هو العبد المطيع لربه لأنه، نظريا، الثائر عليه فكريا إذا أراد؛ فإرادته في تسليم أمر لله حرة ولا حرية بدون نقضيها، أي ما قلنا من إمكانية رفض التسليم والثورة على الرب إذا اقتضى الأمر، وليس هذا إلا من باب فرضية الخلف.  فليست طاعة المؤمن عبودية عن صغار، بل هي حقيقةً حرية عن كل معبود غير الله الذي يضمن تمام حرية تصرّف العبد إذ لا يسعى إلا لمصلحته كاملة؛ فعبوديته إذن عن وعي واقتناع بصغر الإنسان مهما علا وارتفع قدر أمام قدر خالقه.

المسلم الحق هو العبد الحر، الرافض دوما كل ما تحجر في الحياة؛ فهو بروميثيوس، أي الإنسان الثائر ما بل بحر صوفة، الذي باستطاعته النفاذ لما وراء العرش ونياه بقدرة ربه وتسهيله له. فهو الحامل لشعلة الإرادة الإلاهية لنقل ضياء الرحمان إلى أهل بجدته،؛ وهو يفعل ذلك لا ضد ربه، طبعا، بل بإمره ومشيئته إذا الله الذي يأمر ويقدر ويفسّر الأمر حسب إرادته.

المسلم لا يصارع الله ماديا كما فعل النبي اليهودي، بل يصارعه فكريا في نقاش وجدال إذا لم يفهم حكمة الله فيه وفي أمر دنياه، وهذا هو الاجتهاد الذي حث عليه الله وإعمال العقل في كل أمر الدنيا؛ وهذه هي مصارحة العبد لربه ومناجاته له إذ يفتح للحق قلبه فيجد عنده الحب والدفء والحنان.

أليس هذا الصراع الفكري أفضل من صراع النبي يعقوب لربه، إذ مثل هذه الصراع الإسرائيلي لا يأتي نتيجة تجبر من طرف وظلم لطرف آخر، وليس هذا ممكنا في الإسلام لأن الله عدل ورحمة وتعاليم دينه لا تظلم أحدا في قول كلمة السواء. لذا، أقول أن شيوخ السنة بتعنّتهم في فرض رأيهم على الناس ليتبنّون نظرية ولاية الفقيه التي نعرفها عند الشيعة.

إنها حاكمية الفقيه الشيعي الذي يمثّل الإمام الغائب وينوبه في قيادة الأمة وإقامة حكم اللّه على الأرض. وولاية الفقيه هذه تمثّل القيادة بالنيابة عن الإمام المهدي المنتظر فهو ولي أمر المسلمين وإمامهم، ومن تجب على الجميع طاعته، بما في ذلك المجتهدون والعلماء. ولا بد من الإشارة، في الختام، إلى أن التزام ولاية الفقيه وقبولها واجب عند الشيعة، إذ رد الولاية يعتبر شركا بالله في بعض الأحيان.

الأصنام المعنوية التي بأنفسنا

إن كلامنا هنا، إضافة للذود عن الإسلام الحق، وهو واجب كل مسلم، ليتنزّل في خانة الدفاع عن حمى بلدنا ومستقبل الحريات بتونس؛ فنحن اليوم لا نحمي بما فيه الكفاية هذه الحريات من بنات الدهر، وهي كثيرة، في زحام المخاطر المحيطة بثورة التونسي التونسي، هذا الانقلاب الشعبي الما بعد حداثي.

لذا، كان  لزاما على كل مسلم وطني غيور على دينه وعلى بلده تذكير أصحاب النهى والقرار بالبلاد بالتزاماتهم بإرساء ديمقراطية حقة بها. واعتمادا على منهج من المناهج المعمول بها في علم الاجتماع، لا أتردد في أن أهيب بهم  بنهدم ما تبقّى في أنفسنا من أصنام الطغيان، وما هو إلا طاغوت اليوم، حتى نحي حقا الأمل الذي نحلم به لتونس، أمل غد أفضل تتناغم فيه الحريات، كل الحريات، مع أفضل ما في الأخلاقيات والآداب الإسلامية من تسامح ومحبة وحلم دون تغطرس ولا استبداد برأي ! أليس الله يقول : «إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء »(القصص 56)؟

طبعا، عندما نورد هذا، لا نعني البتة الاستسلام للأمر الواقع، وترك الأمور على ما هي عليه؛ والأحزاب، وهي صاحبة القرار السياسي، لها برنامجها ومن حقها العمل على تنفيذه بحذافيره، خاصة إذا صوّت له الشعب بأغلبيته. هل، صراحة، في برامج أحزاب اليوم، خاصة منها الحزب الإسلامي، ما ليس من شأنه التقليل من الحريات بتونس، فيدعو (أو ربما يدّعي فقط، كما يؤكد البعض) إلى دعمها وترسيخها بالمجتمع التونسي ؟ كيف ندعو لشيء ونعمل عكسه، إذ لا شك أن تقزيم الشعب بالتقليل من حرياته ليس هو إلا اغتصابه في أعز ما يملكه، أي حريته ؟

إن للنهضة، من منطوق توجهها الإسلامي – وهي محور الحكم اليوم، أحببنا أم كرها – مسؤولية رعاية الأخلاق الإسلامية والهداية إليها. ولكن من المفيد تذكيرها أن الهداية نوعان في الإسلام. فإلى جانب الأولى المشار إليها بالآية المذكورة، وهي هداية التوفيق للعمل وخلق الإيمان في القلب، التي هي من خاصيات الله وحده، لا يملكها غيره، هناك هداية الإرشاد والدلالة والبيان، وهذه هي التي بإمكان النهضة العمل بها ومن واجبها أيضا، بل ومن واجب كل مسلم مِـنّا جميعا !

فكيف يكون ذلك في مجتمعنا الذي نريده ديمقراطيا ؟ هل هو بالتسلط والتجبر مع انعدام كل حرية أم بالدعوة المسالمة والاجتهاد الفكري والتبيين العقلي والتربية المتسامحة ؟ ألا يفرض هذا أن نقوم بما أوجب الله علينا مع سؤاله دوما إصلاح نيتنا وتقويم أغلاطنا، في جو من الحرية التامة حتى تكون الموعظة بحقٍ حسنة والإيمان بالله عن قناعة لأنه يأتي عن خيار حر، لا عن قهر وانعدام مسؤولية ؟

هل نريد لتونس إسلام قصّر لا مآخذ عليهم، أم نريده إسلام وعيٍ ومسؤولية، إسلام الإنسان الراشد الذي حُمّل الأمانة لما فيه من عقل ورجاحة فكر يمكنانه من التوصل لوحده، دون وصاية أحد، للتفريق بين الحق والباطل، بين الصالح والطالح ؟ الإجابة لا يتمارى فيها أحد راجح الفكر صادق النية؛ وبديهي أن ذلك لا يتوفر إلا في جو من الحرية التامة بلا قيود.

على سبيل المثال، إن تربية الناشئة وحمايتها من دور الآباء والأمهات أساسا، ولهم في ذلك ما يكفي من الآليات لدفع الأخطار، كتلك التي يمكن أن تأتي عن طريق الأنترنت اليوم؛ مع الإشارة إلى أن هذه المخاطر ليست أكثر ولا أقل من أي خطر يتهدد الشبيبة يوميا من حوادث طريق أو شجار بين أبناء الحي أو تسلط صعلوك، وما إلى ذلك من مستجدات الحياة اليومية؛ فهل نحبس شبابنا بالبيوت ونمنعه من الخروج إلى الشارع حفاظا على سلامته ؟

نعم، إن من مهام الدولة السهر على رعاية الناشئة وضمان مستقبلها، ولكن لا يكون ذلك بتقييد حريتها، بل بتمكينها من مقومات ذاتيتها، بالعودة مثلا إلى تدريس القرآن الذي يكثر خاصة في رمضان. لكن من الضروري أي يكون ذلك كأفضل مدخل للعربية حتى نمكّن الطفل من آلياته الذهنية الأساسية وهي أساسا القدرة على إستعمال لغته؛ فلا تكون الدراسة من باب الدعوى الدينية المحضة، وإنما من الزاوية الثقافية للإسلام، فلا نقتصر على توجّهٍ ديني معين، بل نعود إلى أفضل التفاسير للقرآن وأشمل الدراسات لعلومه، وقد ترك لنا السلف ما يندى له الجبين لعدم معرفة قيمته العلمية وتقدير حريته الفكرية والانتفاع بثرائه اللغوي والحضاري.

من واجب الساسة، كل الساسة، وخاصة الإسلاميين، أن يكونوا دعاة ثورة روحية ترتكر على الحرية، لا دعاة عودة إلى الوراء تفرز الفتنة وهي أشد من القتل. ولا غرو أن االفتة الكبرى اليوم هي فتنة التفريق بين مؤمني الدين الواحد أكثر منها الفرقة بين أبناء الشعب الواحد؛ فالتفرقة الأولى إجتماعية حضارية، وهذه سياسية؛ وإذا كانت الفرقة السياسية محبّذة لما في تعدد الآراء من ثراء، فلا شك أن التفرقة بين أبناء دين واحد إلى متزمت ومتحرر، مع تسلط أحدهم على الآخر وقهره، لهو نسف لمستقبل الدين في هذه البلاد حيث نشأ حرا متسامحا لا فرقة بين معتنقيه ولا تفرقة. إنه لمن أوكد الواجبات اليوم الخروج من اللخبطة القيمية بألا يقع الخلط لا بين الدين والتوظيف السياسي، ولا بين الدين والتوظيف الأخلاقي.

إن من العجب العجاب أن نقرأ مثلا ما يقول الشيخ راشد الغنوشي في كتاب له، بعد التأكيد على أن حزب النهضة تطور حثيثا لاستيعاب مستجدات الحداثة، أن هذا التطور «انضبط بحدود.. ما يطيقه منهج تفسير النص الإسلامي الذي تواطأ عليه المسلمون وخلاصته بأن التطور ينبغي أن يتم في إطار المعلوم من الدين بالضرورة، فما هو ثابت نصا يقينا، ما هو يقيني في مورده واضح معناه من النصوص لا نملك إلا التسليم.. يمكن أن لا نطبق بعضه الآن لأن ظروف التطبيق غير متوفرة، ولكننا لا نستطيع أن نحوّله عن اتجاهه.»

عندما يتفوّه زعيم حزب النهضة بمثل هذا الكلام، يحق لنا السؤال : أين سلطة إعمال العقل إذن ؟ وأين كونية الإسلام إذا تمسكنا بنمط من الحياة كما كانت في عهد الرسول ؟ ألسنا بذلك نحاكي المسيحية في تأليه نبينا الذي يبقى إنسانا قبل كل شيء، فنأخذ بسنته حتى تلك التي كانت لا تخص إلا عهده ؟ ألسنا نحاكي اليهودية في إزالة الرحمة عن الله، وهي أخص خاصياته، بإن نجعله يحكم حكما ليس فيه الصلاح والفائدة إلا لفترة وزمان ؟ كيف ندّعي الإسلام إذا ديننا، كل ديننا، يدعونا إلى إعمال العقل وإلى العدل والإنصاف والتسامح، فيكتفي من المؤمن – رغم أنف الجميع – بالإقرار بتوحيد الله دون العمل بسائر الشعائر لكبير رحمته وسعة غفرانه ؟

لا بد لنا اليوم للخروج من لخبطتنا القيمة إعادة النظر شموليا في معتقداتنا وجزئيا في مفهومنا للوحي ولقدسيته. فليس المقدس ما هو غير قابل للنمو والتطور، وهي سنة الله في حياة البشر، والوحي كلام الله للبشر، لأنه إذا كان كذلك أصبح صنما يعبد، وقد جاء الإسلام فأزال الأصنام. ولكن، يا ترى، هل أزلنا حقا كل الأصنام ؟ ألم نحتفظ بداخل أنفسنا بأصنام خفية أو سرية ؟  إن إقامة الوحي كنص لا يحق لنا المساس ببعضه، حتى وإن كان ذلك تطبيقا لنص آخر صريح يؤكد على ضرورة الأخذ بمقاصد الشريعة، لهو من باب عبادة الأصنام، وإن كانت معنوية، ولا عجب أن تكون كذلك في عصر المعلوماتية والافتراضية !

على أهل الإسلام بتونس من أحزاب دينية أو لائكية، خاصة أهمها أي حزب النهضة وقد اعتلى سدة الحكم وتوفرت له الآليات اللازمة للعمل المفيد للصالح العام، البرهنة أن النهضة «ليست حركة دينية تنصّب سلطة فوقية على الناس، لا تجعل من نفسها مؤسسة فتوى» كما يؤكد الشيخ راشد الغنوشي بنفسه. إنه يقول أيضا أن حزبه تغير بما فيه الكفاية بالدخول «في علاقة جديدة مع الواقع ومع الناس ومع العالم ومع السلطة»؛ يجب إذن التدليل عليه بالفعل والعمل، خاصة بعد أن علمت النهضة، كما يقوله الغنوشي أيضا  أن «الحركة الإسلامية… دخلت بقوة كأن ليس في البلد إسلام سابق، وكأنها فاتح جديد يريد أن يعيد تشكيل الإسلام في تونس تشكيلا كاملا. ثم تبين بعد ذلك أن هنالك تراثا إسلاميا في تونس»؛ وكما تبيّن لها أن «للمجتمع كلمته ورد فعله وأنه ليس عجينة طيّعة، وأن الشعب التونسي الذي يبدو مائعا ليّنا، في الحقيقة له ثوابت».

وبعد، إن الإسلام رسالة حب وسلام، لا يعترف بعدو إلا إذا فرض العدو عداوته فأوجب على المسلم الدفاع عن نفسه. ورسالة الحب الإسلامية اليوم هي العودة إلى منابع الإسلام الحقة التي إذا أردنا تلخيصها في مبدإ واحد، فهو إحترام الغير، احترام الآخر، كل آخر في كامل خاصياته، سواء أكانت سياسية أو دينية أو عرقية أو جنسية، أو ما إلى ذلك، فقط. في هذا، يقول الشيخ راشد الغنوشي وهو يروي خاصية تونس ما قبل الثورة وعزمه على القطع معه : «الآخر هو الجحيم. الآخر معدوم… هذا الثالث المرفوع الذي يسمّى في المنطق .. الثالث المرفوع في تونس هو الآخر، هو من يرفع صوته بالمعارضة أو يتوهم منه ذلك، لذلك تاريخ النظام التونسي الحديث هو تاريخ القمع…».

فلتؤكد النهضة اليوم أنها جديرة بالحكم وبثقة الشعب إذ ليس ذلك في ماهية النهضة كحزب واتجاه بقدر ما هي في رغبته الحقة في القطع مع ماضي القمع لما بيّنه التاريخ من صدق نضالها ضد ذلك القمع. ليكن هذا بأن يُرفع حقا هذا الثالث الذي يتكلم عنه الغنوشي ! لتكن للآخر في هذه البلاد كل حقوقه، سواء كان هذا الآخر ذكرا أو أنثى، مسلما غير مقيم للشعائر أو غير مسلم، متدين بدين أو بلا دين، مساحقا أو مثليا، مداوما على المواقع الإباحية على شبكة الأنترنت أو مناضلا على مواقعها الدينية، ما دامت تصرفاته شخصية لا تخص إلا حياته الذاتية.

لقد كفّرنا التكفير بتونس دستوريا، فلنفّعله في حياتنا اليومية ! لأن التكفير كفر لما فيه من عنجهية في الإنسان تجعله، كما يقع في أديان أخرى، يبتغي الربوبية في بني بجدته فيأمر وينهى ويرضى ويغضب، وليس ذاك إلا لله وحده، يفعل ما يشاء ولا راد لحكمه.    ولا شك أن أول خطوة على النهضة القيام بها، وهي ولا شك ثورتها العقلية، تتمثل في الاقتناع بإن مفهوم القدسية كما هو معمول به اليوم غريب عن الإسلام، فهذا المفهوم الذي يرى في المقدس كل ما هو محرم لمسه أو تغييره لهو من رواسب اليهودية والمسيحية التي تغلغلت في ديننا حيث نجد في هاتين العقيدتين الفصل التام بين ما هو دين وما هو دنيا. أما في الإسلام، فلا فرق بين الإثنين إذ المسلم  يعمل لدينه كأنه في النزع الأخير ويعمل لآخرته كأنه أزلي الحياة.

حقيقة المقدس الإسلامي

نغم، اللخبطة القيمية ليست في جاهليتنا فقط بالانحراف بالفتوى عن مغزاها الأصلي، بل هي أيضا في ما تطالعنا به الأنباء، بين الفينة والأخرى، من صرعات وهلوسة تنوي المساس بمقدساتنا والحط من شموخها وعلو قدرها، وما هي إلا ذلك المس من الجنون الحقيقي أو المصطنع الذي هدفه العمل السافر على إخراج المسلم من هيبته ووقاره للإتيان بالمحضور حتى يتنسى لهؤلاء المجانين الترديد بأن الإسلام همجية.

إن أعداء الإسلام كُثر وقد هالهم قسر همتهم على الحد من انتشار هذا الدين السمح في القلوب بأن سعوا دوما إلى حمل المسلم على المنكر باسم المعروف، فوجدوا تلك الحيلة الشيطانية المتمثلة في إخراجه من سحنته وحلمه بتعمّد إهاجة مشاعره المتوقدة وإثارة تعلقه بدينه وبشخص رسوله الأكرم بتبليس من إبليس هو أقرب إلى مس المجنون منه إلى عمل العاقل الذي يستدعي منا الرد والمعالجة.

هل يكترث العاقل بتصرفات المخبولين والمعتوهين ؟ إنه إن فعل ذلك كان مثلهم، بل وأتعس، لامتيازه عليهم برجاحة الفكر واتزان العقل ! كيف نتصرف دون حكمة واتزان وقد حثنا ديننا على الحسنى؟ كيف نعتدّ مثلا بالدفاع عن شخص الرسول الكريم ونحن لا نتوانى عن الإتيان في نفس الوقت بأفظع من التصرفات الخرقاء التي نندد بها ؟

لقد جاء الإسلام بدعوى الحب والتسامح، فانتشر كالنار في الهشيم بعلو كعبه وسمو رسالته رغم تعدد المناورات لهدم صرحه والحط من تساميه المستديم؛ فما قدر من سعى إلى ذلك إلا على الحط من رجاحة عقله هو أمام رد فعل الأوائل من المسلمين الذي كانوا دوما المثال الذي يحتذى في الاتزان والحكمة والوقار والحلم وهيبة النفس.

إن السلف الصالح بعلياء أخلاقه وتحصين تصرفاته من كل المستهجنات مكننا من تراث ديني خصيب القيم وسنة أخلاقية عالية المباديء والقدر، هي في جيدنا بمثابة العقد الفريد الذي يحسدنا عليه كل من أضاع قيمه ومبادئه. ولكن ها نحن أولاء نفرّط في واسطة العقد، بل وفي العقد كله، ونجعل من يتيمة الدهر التي في أعناقنا وفي قلوبنا مجرد شعارات نرددها ونتحمس لها دون أن نتقيد بمثلها وأخلاقيتها السامية !

لنتمعن في ما يقوله مثلا إمام عرفنا قدره وورعه فاحترمه الجميع، أو ما يتغنى به عالم جليل ربما كان أقل تقوى من الأول دون أن يكون أقل منه شأنا في عظمة أخلاقه. يقول الإمام الشافعي :

يخاطبني السفيه بكل حمق | فاكره ان اكون له مجيبا

يزيد سفاهة فازيد حلما |  كعود زاده الاحراق طيبا

ويقول العالم اللغوي أبي عمرو بن العلاء :

شاتمني عبد بني مسمع | فصنت عنه النفس والعرضا

ولم أجبه لاحتقاري له |  ومن يعض الكلب إن عضا؟

أقصى ما تسمح به هذه الأخلاق إذن عند الشتيمة – أو ما نريد اعتقاده كذلك، لأنه لا شتيمة إذا تجاهلناها فاعتبرناها كلام مهلوس ولغط مجنون، وتلك لعمري عين الحكمة وتصرف الأعقل – هي الدعوة بالهداية لصاحبها؛ وهذا ولا شك هو من الجهاد الأكبر الحق، فلا نشتم من يشتمنا بل نتمنى له ما نتمنى لأنفسنا.

بهذا نكون حقا خير أمة أخرجت للناس؛ فإن لنا في إسلامنا ما إن تمسكنا به لا خوف علينا من الأعداء المتربصة بنا. إلا أن الخوف يبقى من جانب أنفسنا وقد سلّط الله عليها إبليس ليبلس علينا الحق، يجعلنا نسيء لديننا دون أن نشعر وندنّس قداسته ونحن نعتقد الدفاع عنها، وذلك بكل التصرفات الهوجاء والتصريحات المتشنجة والهيجان؛ فليس كل هذا إلا من باب تقليد التصرفات التي ندينها فنحاكيها ونقع في الفخ المنصوب لنا دون أن نشعر.

المفهوم الصحيح للمقدس هو ما يفرض الإحترام والمحبة لنبله وطهارته، وذلك لا يكون إلا لقيم ذات بعدٍ إنسانيٍ ليس لأي أحد أن يشك في نبلها، وهي قيم الإسلام. فكيف نتعلق بقيم هي اليوم معرة للإسلام لدعوى أن الإسلام جاء بها، بينما لم يأت بها الإسلام إلا لكونها في ذلك الوقت بحق ثورة كاسحة على العقلية الإجتماعية السائدة آنذاك ؟ إن تصرفنا على هذا المنوال لهو التصرف الأخرق بامتياز، تصرف الحمقى والنوكى الذين يعملون قي صالح ألد أعدائهم.

المقدس في لسان العرب هو المنزه عن العيوب والمطهّر من النقائص. أما أن نصرف التقديس كما يفعله اليوم كل من أخذ بحرفية النص فذلك من باب تقديس الأصنام، إذ يجعل من نص حرفي صنما له عوض المرور إلى روحه. إنه في تصرفه كذلك كمن لا يقبل بموت عزيز عليه ويحتفظ بجيفته، وقد عشنا ذلك حقا على أعلى المستوى السياسي الإسلامي  بينما ليس المقدس بتاتا ذاك الشيء المحنط، الذي لا روح به، وإلا كان الصنم المعنوي !

مَثَل وعُقدة المشرّبية الإسلامية

كان رمضان هذه السنة، وقد أشرف على النهاية، تماما كالسنوات الماضية؛ فهو كالمشرّبية (أو روشان أو شنشول)، هذا النموذج الباذخ لما في الفن العربي الإسلامي من تقانة ودلالات عدة تحاكي اتساع آفاق العربي واطرادها في روحانيات الإسلام قبل تحديدها وخصيها بقراءة سلفية عقيمة هوجاء. إن هذا العنصر المعماري في الفن المعماري العربي الإسلامي ، المتمثّل في بروز الغرف في الطابق الأول أو ما فوقه يمتد فوق الشارع أو داخل فناء المبنى، ليمثّل أخلاقية الإسلام خير تمثيل.

معنى المشربية لغويا هو الغرفة العالية أو المكان العالي، و قيل أصل الكلمة مشرفية أي المكان الذي تشرف منه النساء. وهي تكثر بالبصرة من بلاد العراق، على شط العرب، وقد عُرفت بلقب أم الشناشيل لكثرة المشربيات. إنها نافذة أو فراغ أو فتحة في الجدار مغطاة بإطار مكون من مجموعة من القطع الخشبية الصغيرة دائرية المقطع أو اسطوانية الشكل على هيئة سلاسل تفصل بينها مسافات محددة ومنتظمة بشكل هندسي زخرفي دقيق بالغ التعقيد، عالي الجمال والرونق.

لقد بدأ أول ظهور لهذا الفن في القرن السادس الهجري، أي الثالث عشر الميلادي، في العصر العباسي، في أوج الحضارة العربية الإسلامية، واستمر في العمارة الإسلامية حتى دخول الإستعمار. وقد     تأثر الغرب في العصور الوسطى بفن المشربيات أي تأثر، كما تأثّر  بالعديد من عناصر معمارية أخرى، هذه التي سمّاها النقوش العربية Arabesques.

المشرّبية من أفضل ما أنتجه العقل الفنان للحِرَفيين المسلمين. فصناعة المشربيات تمثّل لا فقط المنتوج الجميل المتقن، بل أيضا الرمز الأمثل للتحكم في مقتضيات الحياة وذلك للطبيعة الوظيفية للمشربية لما فيها من تنويع لسمات الإطار الخشبي الخارجي. وقد انتشرت في المناطق الصحراوية العربية رغم عدم تواجد الخشب بها، فكان الإبداع الحرفي في استيراد الخشب واستخدامه بذكاء وفطنة. استخدمت المشربيات قديمًا في عمل تكييف هوائي لمنزل؛ لذا، كان الخشب يصنع بدقة بالغة بحيث تحسب نسب الهواء الداخله إلى المنزل، وكان يوجد بها جزئين واحد لتركيب وهذا لفصل الشتاء و الأخر الأساسي ليحافظ على حرمة البيت.

لا شك أن مثل هذه العملية يحتاج لدقة عالية من الحرفيّ خلال الإنشاء، فيكون للمشربية إضافة لجمالها الدور الفعّال في توزيع الهواء  على الشبكة مما يدعم يبرّد الجو عند اشتداد الحر، إذ أن المشرّبية تكسر شعاع ضوء الشمس وتبرّد الهواء. المشرّبيات إذن من أجمل الأمثلة عن فن نجارة الخشب والنموذج الحي للفن الإسلامي المتّسم بالذوق و الإحساس العالي لدى الصانع؛ لهذا، هو مرآة لما في نفسه ونفس ما يقصده من ثراء إنساني.

فالمشرّبية اليوم مثال جد بليغ عن النفسية الإسلامية؛ نحن نغلط حين لا نراها إلا في هذا الخشب الذي يعلو الحوائط على جدران المباني حيث كانت  المسلمات تضع الزجاجات الفخارية للتبريد، وكانت في نفس الوقت من سمات شبابيك غرفهم، تطل منه المرأة فترى كل شيء دون أن يراها أحد. إنها أيضا المثال الأفضل لنفسية العربية  المسلم، يلخص خير تلخيص شيئا من اللخبطة القيمية التي نتحدث عنها؛ وهي عندها عقدة الأخذ الجاهلي بدين الإسلام.

المشربية، أولا، هي المثال الذي امتازت به الفنون الإسلامية عن باقي الفنون المعمارية الأخرى، مبرهنة عن ذكاء وفطنة وتأقلم بارع مع المحيط المعيش، ساعد إبتكارها على حل مشاكل من الحياة اليومية كالتهوية و الرطوبة. وثانيا، تبيّن الحس الفني في نفس العربي المسلم. فكما تعتبر المشربية إحدى عناصر العمارة التقليدية الصحراوية في البلاد العربية الحارّة، تمثّل اليوم ، حسب ما أقترحه سوسيولوجيا، المثل الذي يفتح لنا بعض ما عسر فهمه من شخصية العربي وقد تاه في رحاب دينه تاركا ظلاله الوارفة للقيظ ولسعات شمسٍ، ليس فيها من روح الإسلام الصحيح لا لفحة ولا نفحة.

المشربية بحق المثال الفني الإسلامي المتأرجح بين التقانة والرطانة، مثله في ذلك كمثل القرآن والسنة، إذ تفنن العرب والمسلمون على قلبهما من أعلى درجات التحضر إلى أسفلها، ومن أنوار مضيئة إلي ظلمات مخيفة. مثل المشربية هو في هذا التصرف الذي نجده عند العربي المسلم الذي أصبح في تعامله مع دينه، تماما كالمرأة في وقوفها وراء مشربيتها، يختفي وراءه حتى لا يبدو للعيان فينظر من خلاله للعالم، ثم هو يحاول التأقلم لما يجري تحت أنظاره ليبدو عندها للعيان، لا كما هو وما يقتضيه دينه، بل كما يُنتظر منه أن يكون وكما بدت له مقتضيات الكياسة.

هذا لا يخص الدين فقط، بل كل ظروف الحياة، إذ نفسية المسلم أصبحت نفسية مشربية، تقتضي التأقلم حسب الظروف وحسب ما يفرضه الآخر على العربي المسلم في ما يعتقده مصلحته الآنية. لا شك أن في هذا الكثير من الاحترام للآخر إلى حد ذوبان الشخصية أمامه؛ بذلك تقلب هذه المشربية من مجرد مثل parabole إلى العقدة التي تحدثت عنها complexe. خلاصة ذلك أنه لما لا يتوافق المسلم العربي مع محيطه كما تمناه وسعى له، ولم يتوفّق إلى النجاح في القبول به، ينقلب من العكس إلى العكس في تصرفاته؛ فقد عاينا هذا في التاريخ الإسلامي عندنا رفض اليهود دعوات المسلمين الصديقة لدين واحد، الملة الإبراهيمية.

ونظرا لنزعة العربي التواقة للحرية بلا حدود أو قيود، يبلغ به عندها حد التهور إلى  حمله على إلقاء نفسه إلى التهلكة، لكن مع فرضها، على الغير في نزعته الغيرية التي ذكرنا، بعد أن ينقلب معناها من العكس إلى العكس. وهذه هي عقلية الإرهابي مثلا الذي يريد حمل غيره إلى الجنة بالسلاسلو كما يقوله مثلنا الشعبي؛ وهي عقلية غريبة عن الإسلام بما أنها لا تعكس إلا ما في الكتاب المقدّس من شخصية شمشون اليهودي؛ فهي عقدة شمشون اليهودية complexe de Samson.

أما تجليات العقدة في المتخيل العربي الإسلاموي، فتكون في هذا الانقلاب المفاجيء من التسامح السمح  إلى التزمت المفرط، والمرور من النزعة للباقة في التصرف وبراعة في توخي الذوق والديبلوماسية إلى العنجهية والتهور. ولا فائدة طبعا في الحديث هنا عن عقلية الحريم وما رافقها انطلاقا من عقدة المشربية هذه التي جعلت من حق المرأة في الهيمنة على مجالها الخاص وعلى من يأتيها إليه تحجيرا عليها وهضما لحقوقها وحرياتها باسم الدين، بينما ليست هي إلا عنجهية ذكورية.




أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *