.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

(20)إحياء فنون دين الإسلام


فن اسلامي

يكتبها فرحات عثمان

لا يفتأ المتمعن في مصير الإسلام اليوم وهو يصارع نزوات جاهلية ونزعات بهيمية من التحسر على ما كان من هذا الدين الأوحد في توفيقه بين العقيدة والمعاملات البشرية من نجاح في الأخذ بمجامع القلوب وإرساء دعائم حضارة عالمية أبهرت البشرية في فترة زمنية قصيرة دامت قرونا كان النور فيها شرقيا.

كيف أصبح النور ظلمة في الوقت نفسه الذي تحوّل قبس منه لينير غربا ما كان له أن يصيح حضارة بدون ما أخذ من الشرق وما اغترف من ينابيعه الروحانية وأنواره الساطعة؟  هذه قراءة في سر فقدان الإسلام لثورية ولّت وانقضت، مما أدّى إلى انحطاطه الحالي، وفي كيفية عودة الدر إلى معدنه.

ذلك أن ما مضى لا ينمحي تماما عن الوجود، بل يختفي إلى حين نشعر به فنعتقد في وجوده المستدام ونعمل جاهدين على بعثه مجددا إلى الوجود إذا توفرت العزيمة والتوكّل على الله. فلا شيء يمنع عودة الضياء للإسلام الذي يتجدد على رأس كل مائة سنة، وها نحن في مستهل قرن جديد !

هذا يقتضي إعادة إحياء علوم الدين الإسلامي بهذه البلاد؛ وبما أن المسلمين تفطنوا مع الصوفية إلى اتساع العلم إلى المعرفة، نحن نقول أن علوم الإسلام اليوم لها أن تكون أوسع، بالمرور إلى ما هو أعلى وأسمى،  وهي فنون الإسلام.

ذلك لأن الإسلام ليس مجرد شعائر، بل هو ثقافة أولا وقبل كل شيء؛ والثقافة فنون. والفن هو العلم وزيادة، فهو فوق العلم كما أن الإيمان أعلى من الإسلام.

من علوم إلى فنون الإسلام

الإسلام دين علمي، لا يفتأ يحث على استعمال العقل؛ وقد كان للأوائل الفضل والتبصّر في استنباط ما سُمّي بعلوم القرآن وعلوم الحديث؛ فكانت منارات مضيئة وعلامات بارزة في حضارة الإسلام.

أما اليوم، فنحن نعيش أزمة خانقة في كل الميادين، ومنها العلوم، وقد مر العقل من ديكارتية مجرّدة إلى حسية فنية؛ لذا لا بد من المرور أيضا في الإسلام من علوم القرآن والحديث إلى فنون الدين. لقد كانت حضارة الإسلام سبّاقة إلى تقديم الذوق، هذا العقل الحسي، على العقل المجرد كما فعل الغزالي والتصوف الذين نعلم تفريقهم بين العلم والمعرفة، فهذه الأخيرة أعلى مرتبة وأرقى.

تماما كالمعرفة، الفن أعلى من العلم، فهو يختزله ويضيف إليه ما لا تسمح له به طبيعته الوضعية. وهذا يتناغم مع علو الإيمان في الإسلام، الذي هو فن معرفة الله، على مجرد العقيدة الإسلامية، التي هي علم معرفة الله.

كما هو معلوم، للإيمان في الإسلام، بصفته خاتم الأديان، منزلة خاصة تعلو مرتبة الإسلام المجرد؛ فالمسلم من أسلم وربما لم يؤمن تمام الإيمان، بينما المؤمن من أسلم وآمن. وما من شك أن هذا يبيّن طبيعة الإسلام الثقافي أو التام، أي الإسلام الحنيفي الذي يعلو الإسلام الشعائري؛ لذا ليس هو بالضرورة الإسلام كما عهدناه حسب شعائره المعروفة، بل هو الحنيفية المسلمة، وهي دين التوحيد الإبراهيمي.

لا غرو، إن العقيدة الإسلامية مبنية أساسا على صدق الإيمان، لأن الإسلام دين يتوجه للعقل أولا وقبل كل شيء، أي لخير ما في الإنسان، إضافة لمشاعره وعواطفه. ولا شك أن العواطف الصادقة النبيلة هي تلك التي تتوافق مع العقل ولا تنقضه أو ترفضه، وإلا تناقضت مع ما يقتضيه الضمير، وهو أساسا مشاعر معقلنة أو عقلنة للمشاعر والأحاسيس لما فيها، عند صفائها، من اخترال للطبيعة البشرية وفطرتها كما تبدو عند البشر قاطبة وفي المخلوقات الكونية.

لذلك، ليس الإيمان الإسلام فحسب في شعائره كما أبانها الجانب الديني للإسلام، بل هو أولا وقبل كل شيء التوحيد للخالق العلىّ للكون؛ لهذا، الإيمان ليس في الشعائر، بل هو تمام النية الصادقة في توجه الإنسان بكل جوارحه نحو خالقه والتسليم له في كل أموره.

طبعا، لا يكون هذا ضرورة بما اعتاد البشر عليه من عادات وطقوس، لأن علاقة الله بعبده في الإسلام علاقة مباشرة؛ فهي لا تقتضي بالضرورة الرسوم، لما في الرسوم من إمكانية المغالطة والنفاق بالمظاهر، بقدر ما تقتضي الباطن والسريرة فيكون بصفائهما صفاء العقيدة وحسن الإيمان وتمام الدين، كما أتى به رسولنا الأكرم؛ وقد جاء متمما لمكارم الأخلاق.

مع العلم أن العقل اليوم في علم الإجتماع الفهيم عقل حساس أو حسي، وهو الذوق الصوفي؛ وهو الذي من شأنه أن يؤسس لإسلام زمننا، أي زمن ما بعد الحداثة، فيكون الإسلام الما بعد حداثي أي ما هو دائم التجدد في قدمه وما هو دائم التقادم في تجدده. ولعل في ذلك ما ينقذ الإسلام إذ أننا كما يقول شار : « نعيش في عالم يحتضر ويجهل أنه يحتضر، ويمعن في الكذب على نفسه لأنه يصر على تزيين غروب شمسه بألوان شروق العصر الذهبي».

لا شيء غير الذوق الصوفي أو العقل الحسي من شأنه إعانتنا على حفظ ديننا من الغربة التي حذّر منها الرسول الكريم؛ فلنأخذ من الآن بفنون الدين، إذ لا بد من بعض الوقت حتى يأتي الزمن على ما أفسده التحجر العقلي وأفرزته عادات الاستبداد بالرأي والتنكيل بالخلاف في المشرب والمعتقد.

ضرورة تطوّر حزب النهضة

إن ما يحدث هذه الأيام على الساحة العربية الإسلامية يؤشر على اشتداد وتيرة الانزلاق الخطير الذي تعرفه منطقتنا نحو التزمت والتفسخ باسم الدين الحنيف، مما يضع الحزب الإسلامي بتونس أمام مسؤولياته في اختيار سياسته التي تأرجحت حتى يومنا هذا بين التفتح على الديمقراطية الحقة والتمسك بمرجعية إسلامية ظلامية. فحزب النهضة اعتمد إلى الآن سياسة من يقدم رجلا إلى الأمام ويؤخر الأخرى إلى الوراء، ولم يعد له المجال للتمادي في هذا النمط من السياسة الذي من شأنه أن يذهب بالأخضر واليابس ببلادنا.

لقد حان الوقت بتحدياته الجمة على أن يقف حزب الشيخ الغنوشي على رجليه معا أو، على الأقل، أن يختار على أي منهما يعتمد : على الرجل الديمقراطية أو تلك الرجل التي يحافظ عليها بين جموع السلفية الظلامية والوسطية المتزمتة.

فليختر حزب النهضة صفّه وليقطع علنا بالحزم الكافي والفعل الشافي كل صلة مشبوهة مع الماضي ومع من يشين مباديء الدين الإسلامي ويشوه صورة تونس الجديدة، علاوة على إفساد سياسة حكامها وإحباط إثمارها لأجل صالح البلاد ومواطنيها ! إن التزمت الجاهلي اليوم لهو من إفرازات ذلك الماضي البغيض الذي لم تتخلص منه بلادنا إلا حديثا. وهو لا يزال يفسد الإسلام ويشوّه سياسة البلاد إلى حد إفشال التجربة الديمقراطية بتونس.

أما وقد بلغ السيل الزبى، فعلى حزب النهضة اليوم أن يبيّن موقفه ويحدّد خياراته، فيعلنها بكل جرأة وصراحة ويؤكد عليها بسياسة لا لبس فيها ودون مراوغة أن لا إسلام بتونس بدون سلام روحي وأن السلام الحق هو الإسلام التنويري، ويكون ذلك بقوانين فاعلة في المواضيع الحساسة لا فقط الكلام الفضفاض.

نقول هذا دون أن يخفى علينا ما في الساحة التونسية من تعقيدات وحسابات يراها البعض من باب تعاطي الفطنة والحس السياسي وهي لا تعدو أن تكون من خزعبلات سياسة أكل الدهر عليها ولا يزال يشرب، لفظها التونسي من شمال البلاد إلى أقصى جنوبها.

لذا، بغض النظر عما تتميز به ساحتنا السياسية من مزالق، نقول أن عقدة ما يسمّى بالمشكل التزمت السياسي عند أهل النهضة هي أولا وقبل كل شيء عقدة انعدام الأسس الواضحة والسليمة لسياسة بناءة هي ممكنة دوما إذا انعدمت النوايا الخبيثة. وليس الحال كذلك للآن للأسف.

اليوم، لم يعد المجال للتساؤل عن مواقف أهل السلف والتزمت الأدعياء من طبيعة الإسلام بتونس، بل ما يجب العمل على توضيحه هو مدى تعلق النهضة بالإسلام الحق، وهو الإسلام التنويري، واستعدادها للعمل جادة على إقراره ببلدنا؛ ولعلها تجد في ذلك العون والمساندة ممن تراهم أعداء لها اليوم أكثر مما تنتظره من سلفية الجاهلية، أهل التزمت، بما فيهم أدعياء الوسطية.

إن على النهضة أن تخط الحدود الواضحة مع هؤلاء؛ أما ما تسميه هي بالخطوط الحمراء في ما يخص مسائل الدين المحرجة كالمساس بالمقدسات ومواضيع الحريات والمساواة بين الأجناس، فعليها تطوير مفهومها لها للإمتياز عن المفهوم السلفي الخاطيء، وذلك بأن لا تعدو أن تكون عندها هذه الإشارات إلا ومضات لا للمنع وإنما للتيقظ والانتباه. فلا موانع لحرية من الحريات العامة والشخصية ولا حدود، وبالخصوص تلك المتعلقة بالذات، وإنما أخلاقيات لاحترام حرية الجميع، فيكون ذلك مثلا باعتماد بعض القواعد للابتعاد عن الإثارة دون أن يمس هذا من أصل الحرية المعنية. ويكون أيضا بالقوانين التي يجب التصويت عليها في أقرب الأوقات.

مع العلم أن علم الإجتماع اليوم يدعو إلى الأخذ بعين الاعتبار بما يسمّى بالجزء الملعون في الإنسان Part maudite، أو المظلم Part d’ombre أو الشيطاني Part du diable، وهي كلها ترمز إلى ما هو غير روحاني في الإنسان الذي يجانب أعلى ما في البشر، أي روحانيته، بل هو لا يكتمل إلا بها. ولا شك أن ذلك هو الإنسان الكامل الذي كان ينشده ولا يزال الصوفي الحق.

إن الرسالة المحمدية لهي الضامن لأن لا تعبد الأصنام بعدها، إلا أن عمل الشيطان لا ينقطع إلى قيام الساعة، وهو لا ينجح في إعادة عبادة الأصنام على هذه البسيطة، بل أقسى ما يصل إليه هو أن يوحي بإقامة أصنام معنوية في أذهاننا ينجح في حمل البعض من بني آدم على رفعها وذلك من قبل الخفة والعجلة التي تميزان الإنسان.

والمؤسف حقا أن تأخذ هذه الأصنام أحيانا، بل غالبا، هيئة المباديء والقيم التي هي كالسراب الخلب، تبدو كأنها من أفضل الفضائل وأوكد الحسنات وهي إلى الرذائل أقرب، بل ضررها على روح الإسلام السمحة لكبير، إذ هدفها طمس نوره من طرف من يدّعى السير على هديه.

في إسلام الأعراب

إن تونس منذ الإنقلاب الشعبي على الديكتاتورية تكتشف نفسها يوما بعد يوم وتحاول أن تستعيد ذاتيتها وقد امتُحنت طويلا بأن حاول البعض سلبها منها أو حملها على إضاعتها.

ومنذ صعود حزب التيار الإسلامي إلى سدة الحكم، ثم تغلغله في مفاصل الدولة لفرض هيمنته،  بدا للبعض أنه يمثل عودة الوعي للتونسي واسترجاعه لذاته؛ وغاب عنهم أن الأحزاب الإسلامية في تونس، أو تلك التي تتدعي المرجعية الإسلامية، ليست إلا تيارات تدّعي الانتماء إلى الإسلام بينما ليست هي إسلامية في شيء، إذ لا تمثل إلا قراءة معينة للإسلام ظهرت وطغت في فترة من التاريخ دون أن تمثل الإسلام كله أو تعطي أفضل صورة عنه.

فهي ليست في الدين إلا نزعة بدت في فترة من فترات المحن التي مرت بها البلاد العربية ملخصا لذاتيته، بينما لم تكن كذلك إلا للظروف التاريخية التي جعلت منها تحمى حمى الإسلام وتذب عنه وهو يتعرض لهجمات حاولت محوه من فوق البسيطة. لذا، فرضت نفسها كأفضل مدافع عن الدين رغم هشاشة أخذها بالدين في لب لبابه وقراءتها له قراءة سطحية تمسخ روحه وتفسد تعالي تعاليمه في علميتها وكونيتها.

إن نظرة العديد من العرب اليوم لدين الإسلام، وهي نظرة الحزب الإسلامي بتونس، نظرة أعرابية، إذ ليست هي عربية بالمرة؛ ولا يخفى علينا، وحتى على غير اللبيب منا، الفرق الكبير بين ما يميّز العربي من فكر متوقد فذهن متفتح وعلم بضرورة التفتح على العالم وعلى الآخر المختلف، وما يختص به الأعرابي من عجرفة وفهم ضيق للأشياء وصلف وتكبر، بل وإساءة صرفة للدين. لنذكّر ما يقول الله في محكم كتابه العزيز عن إسلام الأعراب في الآية 97 من سورة التوبة : (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم).

رغم أن العربي الفصيح هو البدوي، فالإسلام لم يكن بدويا بالمرة؛ وقد أكد ما بينه وبين عقلية البدوي من اختلاف. فهو وإن أخذ عنه لغة القرآن، لم يعتمد على عقليته ونظرته للأشياء بالمرة؛ بل هو نبذها تمام النبذ كما رأينا. ولا شك أن الشأن هو نفسه اليوم مع من ينادي بتطبيق الإسلام في نصه وظاهره دون العودة إلى مقاصده وروحه، فهو في تصرفه هذا كالأعرابي الجلف لا العربي اللبق.

إن فهمه للدين، وإن كان ظاهريا صحيحا، مفحما، فهو فقط كذلك الأعمش البصر، قاصر الفكر، عديم البصيرة، لأنه من الغلط بمكان، مفحشا في إدارة ظهره للحق، إذ لا يفهم الفهم الصحيح تعاليم دينه فلا يقدر بلاغته وروعته وقد رفض الأخذ بمقاصده ملتزما روحه كما جاءت بها حكمة الله السنيّة؛ وأنّى للعقول البشرية أن تطالها !

من المفيد التذكير هنا أن المجالس الأدبية، وقد تعددت في العهد العباسي الأول الزاهر إبان أوج حضارة الإسلام، كانت كثيرا ما تحتكم إلى الأعراب في قضايا تشغل علماء اللغة. ولعله من الطريف الإشارة، إذ التاريخ يعيد نفسه، إلى أن بعض الأحكام التي كانت تصدر، وإن فرضت نفسها في تلك المجالس، لم تكن صحيحة بالمرة لما كان يطرأ عليها، لأسباب سياسية، من غش واحتيال.

وقضية الزنبور مشهورة، وقد ذهب ضحيتها سيبويه رغم علو كعبه في العلم وجلال قدره، إذ حكم ضده أعرابي بغير الصحيح لرشوة نالها من خصيم عالمنا الجليل لأجل الحظوة السياسية والغرور الزائف. وإن كان الغش في الأدب معروف ومشهور، إذ لعل الكثير من الشعر الجاهلي من المنحول وقع نظمه في العهد العباسي، كما بين ذلك طه حسين، فلم يسلم الدين منه، ومن الكذب خاصة.

لست أبتدع بدعة إذا قلت أن هناك العديد من الأحاديث الغير صحيحة، المنحولة، مما أدى بعلماء الحديث إلى استنباط الوسائل للتفريق بين نوعية الحديث وفرزها. ولعله من الضروري التذكير أن نزعة الغش والكذب هذه كانت تُستحسن عند البعض لأجل غايتها في الوعظ، فتجعلهم يتقوّلون على الرسول باسم فعل الخير وعمل البر، ويتسامحون في ذلك مع الوسائل وإن كانت خسيسة وضيعة. والشأن هو نفسه اليوم في أفضل الحالات، إذ هذا ما لا نزال نراه عند بعض رجالات الدين؛ ودعك ممن أخذ في السياسة فخبط فيها خبط عشواء.

هكذا إذا كان تاريخنا العربي الإسلامي مشحونا بمغالطات عدة وجب علينا التنبه إليها إذا أردنا حقا النزاهة والموضوعية، والإسلام نزاهة أو لا يكون. فقد سجل لنا التاريخ، منذ البداية، كيف كان التلاعب بلغتنا وبديننا رياضة يومية، حتى وإن أدى الحال في ذلك إلى شراء الذمم، كما رأينا في موضوع الفصل بين الخصوم في مواضيع اللغة أو في استنباط أحاديث لم يروها الرسول بتاتا.

ودار لقمان على حالها في هذا الشأن. ولكن ما يزيد الطين بلة في عصرنا الحاضر، هو أن العربي الذي يجهل دينه لجهله للغته يأخذها من أصحاب اللغة، وهم الأعراب، أي سلفية الأكاذيب، فيأخذ معها فهمهم للدين وقد بيّن الله صراحة في محكم كتابه العزيز أنه لا يجب أخذ تعاليم الدين عنهم !

إن الإسلام المتزمت ببلادنا، ولو ادعى الوسطية، لهو من نفس طينة سلفية الأكاذيب وهم أعراب الدين، لا يفقهون فيه شيئا؛ فهم، كما قال التوحيدي، ممن يقلب الدرة بعرة. لقد جاء الإسلام رحمة للعالمين ونقمة على الجاهلين، فإذا سلفية الأكاذيب تقلب الآية فتجعله نقمة على العالمين، رحمة للجاهلين؛ أفهكذا يكون الإسلام؟

في إسلام الإسرائيليات

ليس هناك مسلم حق يعرف دينه وتاريخ أمته ينكر مدى ما لعبته الإسرائيليات في فهم ديننا وتصريف أحكامه ومقاصده حسب ما اعتادته ودأبت عليه في الديانتين اليهودية والمسيحية، وقد جاء الإسلام مصححا لهما، عائدا بهما لما سمّاه الحنيفية المسلمة، وهي دين إبراهيم، جد كل الموحّدين.

لقد تغلغلت الإسرائيليات بصفة كبرى في دين الإسلام حين فرض نفسه بسماحة تعاليمه وبساطتها. فكان محور هذا الدين الجديد التسليم من العبد لربه العلي القدير الذي يضمن له مقابل ذلك حريته كاملة تمجيدا لعقله الذي طلب منه دوام إعماله في حياته بهذه الأرض الدنيا.

وبما أن العلاقة في الإسلام بين الله ومخلوقه جاءت بدون وساطة، فقد عملت الإسرائيليات، أو الفكر الموسوم بطابعها، على إدخال الكنيسة أو البيعة من الشباك، وقد أخرجهما الإسلام من الباب، وذلك على هيأة الفقيه، بينما كل مسلم حسن النية فقيه في الإسلام الأصلي إذا عرف لغة ملّته وأحسن قراءة دينه وفهم سنة رسوله.

نحن عندما نتكلم عن الإسرائيليات، لا نريد ضرورة الحديث عن كل من لم يكن مسلما بداية، من يهود أو نصاري، ثم أسلم وبقي كمونا على دينه؛ ليس هذا مقصدنا وإن كان ذلك لا يبعد أحيانا عن الواقع كما بيّنه التاريخ. إن الذي نريد الإشارة إليه هو أن الفكر العربي الذي كان منتشرا عند ظهور الإسلام كان إما فكرا ملحدا (بالمعنى الأول للكلمة، أي ذلك الذي يميل عن دين الجماعة سواء إلى ديانة أخرى مرفوضة، أو خاصة إلى لا ديانة)، وكان هذا قليلا، أو فكرا يهوديا مسيحيا، وذلك هو الأغلب.

جاء الإسلام في هذه البيئة، لا ناشرا فقط لعادات وتقاليد حديثة لم تُعرف، إذ كان ذلك خاصة على مستوى فلسفة الحياة وقيمة الإنسان فيها، بل أساسا لتصحيح ما فسد من العادات اليهودية والمسيحية التي عرفها المجتمع وعاش بها وعليها. فالإسلام عودة إلى الدين القيم، دين إبراهيم؛ لذلك، فهو يقر باليهودية والمسيحية بعد تنديده بما لحقهما من تحريف وتبديل. هكذا، نجد الكثير في دين الإسلام مما عرفه اليهود وأقر به النصارى؛ إلا أن له في القرآن والسنة الصحيحة تلك المسحة الخاصة والطابع المميّز؛ ذلك هو الإسلام الحنيفي.

وقد عرفنا هذا في العديد من المسائل التي كان الإسلام ثوريا فيها، مجدّدا ومطوّرا العقلية المتزمتة كما وردت في العادات اليهودية والتقاليد المسيحية. وبديهي أن مثل هذه الثورية ميّزت الحنيفية المسلمة عما عُرف عند اليهود وأتباع المسيح مما فاجأ العديد من المتشبثين بالقديم وما عهدوا في دينهم، أو قل في حياتهم اليومية وفي تصرفاتهم، سواء منها الشعورية واللاشعورية.

لا شك أن هذه الميزة الإسلامية كانت خاصة في إقراره حرية العبد في الاعتقاد، وسمو ذاته عن العبودية لغيره، إذ حرر الله المسلم من كل عبودية. وقد تمثلت هذه الميزة أيضا في التعاليم المتسامحة للقرآن في التعامل مع قضايا ذلك المجتمع وتناقضاته، خاصة في المواضيع الحساسة كالحدود، إذ تميّز بطابع تغلب عليه الرحمة في نزعة للتدرج من القساوة والفظاظة – وقد كانتا العلامة المكينة لتلك الحقبة الزمنية – إلى الرحمة والغفران.

قلتُ أن الإسلام ثورة أساسا، إلا أنها لم تكن فقط ثورة دينية واجتماعية، بل كانت أولا وقبل كل شيء ثورة فكرية وعقلية. وطبعا، ونحن نعيش هذا في بلادنا اليوم، لكل ثورة ما يأتي من النظام القديم المنهار ليضادّها؛ والنظام العقدي المنهار في جزيرة العرب عند ظهور الإسلام وانتشاره هو عقيدة الكتاب المقدس لأتباع موسي وعيسى. لذلك رأينا هذا النظام المنحل يحاول مقاومة نظام الإسلام الجديد بالعودة به إلى تقاليد غريبة عنه ولكنها متغلغلة في قلوب أصحابها وعقولهم الشيء الذي جعلها طبيعة ثانية عندهم.

لست أقول هنا أن هؤلاء عملوا قصدا على تغيير الإسلام وتبديله من الداخل. نعم، هناك من كان على هذه الشاكلة، فسعى ضد الإسلام وأراد الشر له؛ لكن الأغلبية تصرفت حسب طبعها وما دأبت عليه. فقد نشأت وترعرعت على عقلية معينة مشبعة بالإسرائيليات التي أصبحت القاسم المشترك في العادات الإجتماعية. لذا، لما جاء الإسلام بتعاليمه، تداخلت معها وكستها بما كانت تمتاز به، فحادت ببعض مميزات ديننا عن روحها الأصلية الأصيلة.

طبعا، نحن نذكّر بما لاحظه مؤرخنا ابن خلدون من أن حملة العلم في الإسلام كانوا من غير العرب، أي من الموالي؛ وقد امتازوا بمعرفة اللغة العربية والدين الإسلامي بشكل جعلهم يخدمونه خير خدمة؛ ولعل حضارة الإسلام لم تكن بدونهم. فأنا لا أقلل من شأن الموالي ولا من الأيادي البيضاء التي لهم على الإسلام وعلى العربية؛ إلا أني أنبّه إلى ما لا يرفضه اليوم علم النفس، وهو أن هؤلاء، حتى في نزاهتهم وخدمتهم الصادقة للإسلام، كانوا ينطقون ويفكّرون من منطلق مسيحي يهودي، أي حسب ما عرفوه من إسرائيليات، كما عهده مجتمعهم.

وقد سجل لنا التاريخ إلى أي حد وصل ذلك النزاع الذي بقي طويلا خفيا مخفيا، أو قل كامنا داخل اللاوعي، عندما نشبت الشعوبية وبرز كلّ يدافع عن قيمه وأخلاقيته. وإن لم تُذكر الإسرائيليات في هذه الحرب الفكرية، رغم أنها كانت منها وفيها، فلأنها تغلغلت تغلغلا كبيرا جعلها تفقد صبغتها الدينية لتصبح من العوارض الإجتماعية.

لقد ظهرت الشعوبية منذ العهد الأموي، ولو أنها لم تفرض نفسها إلا في العصر العباسي لما كان من دور للأعاجم في قيام دولة بني العباس؛ وما سجله التاريخ هو أنها نزعة لتفضيل العجم على العرب. ولا شك أنها كانت ردّة فعل على ما عُرف به العهد الأموي من سيطرة مطلقة للعرب واحتقار للموالي، فكانت منهم الثورة هذه التي بدأت كدعوة مطالبة بالتسوية قبل أن تصبح حركة تحقير للعرب. هكذا، أفصحت عن مشاعرها القومية، بما فيها من جذور دينية مناهضة لروح الإسلام الحقة، عائدة بتعاليمه في فهمها وتأويل مقاصدها إلى العادات اليهودية والمسيحية، أي السامية بالمعنى الواسع، التي كانت معروفة قبل الإسلام.

ولا يهمنا هنا الجانب السياسي للشعوبية بقدر ما يعنينا ما مثّلته من تمييع للمفهاهيم العربية الخالصة للدين وصبغها بصبغة العادات والتقاليد التي جاء الإسلام ثائرا عليها؛ فقد كانت بحق ثورة مضادة على الإسلام وروحه الحقة. ولنبيّن مجددا هنا أن هذا لم يكن يتم ضرورة عداء للإسلام، إذ نجد الكثير ممن عمل صادقا على خدمته وإعلاء رايته؛ إلا أنه كان يفعل ذلك من زاويته التي هي ثقافته الأصلية وفكره المتأصل فيه، وهو من الغرابة والاختلاف بمكان عن الفكر العربي القح والعقل العربي الأصيل.

لقد تفطن الصوفية إلى هذا، فعملوا على التأكيد أن الإسلام ليس في الرسم والحرف فحسب، بل هو أيضا وضرورة في الروح التي في باطن النص. لذلك تمكّنت صوفية الحقائق من المحافظة على روح الدين الإسلامي في سماحته وبعده عن التطرف ورفض الآخر، كل آخر، مخالف كان أو متطرّف، سواء كان ذلك في الطرافة والجدة أو في الابتعاد عن المعهود والبدعة. ولم كانت السلفية أبعد عن هذه الروح الإسلامية الخالصة.

في سلفية الأكاذيب

لعل ما يبني للسلفية صرحا مشيدا في النفوس هو انعدام مثل ذلك الصرح في الحاضر. لذا، فليس من النوك القول أنه إذا تراءت إمكانية تشييده، تضاءلت حظوظ الهرع إلى أحضان السلفية، وإلا انعدمت الهمة والفتوة، وهما الأس فيها ولب اللباب منها.

فقد ظهر السلفيون في فترة انهيار حضارة الإسلام، فكان وازعهم، وهو العودة إلى أمجاد الماضي، من باب التعلق بما هو أغلى بعد النفس وحتى قبلها، ألا هو الدين بصفته الذات نفسها. فلا مبالغة إن قلنا أن ظهور السلفية كان صرخة فزع من التلاشي والضياع وردة فعل من يرفض الموت، متعلقا بالحياة. فهي إذن في بدايتها تعلق بالحاضر، وهو البقاء، أكثر منها بالماضي، لأنها رغبة في الحياة ورفض للزوال.

أما وقد أصبحت بعد ذلك، واليوم خاصة، هذا النزوع المنكر إلى الماضي السحيق، فذلك لا يعدو أن يكون أيضا من باب الدفاع عن النفس ورفض الآخر، هذا الآخر الذي يراه السلفي ينسف ماضيه بما فيه من ثراء مما يدفعه إلى تمجيد الماضي، كل الماضي، حتى وإن أدى ذلك إلى تعمد التصرف الأحمق من باب التحدي والإثارة. كل هذا من أجل التعلق بمثل وأخلاق عالية، عُدّت أعلى ما يوجد.

إن التمسك بمفهوم السلفية كما نعرفه إلى اليوم، أي وحدة المفهوم الديني ومرجعية سلطة السلف العليا، لهو تمسك بتقليد غريب عن الدين الإسلامي حيث تعود أصوله إلى اليهودية والمسيحية وكانتا سباقتين إلى فرض مفهوم خاطيء لدين موسى وعيسى لإقامة نفوذ رجال الدين من أحبار وربيين وقساوسة وباباوات.

لقد عمل منظرو السلفية المسلمون على استنساخ مثل هذا التوجه، فوحّدوا مفهوم الدين حول سلطة مرجعية لا وجود لها في دين قوامه العلاقة المباشرة بين الله وعبده، وجعلوا لهذه السلطة حق التكفير بينما يبقى الله عند المسلم الأصيل السلطة العليا التي لها وحدها حق العقاب والثواب، وحتى الغفران لأدهى وأكبر الذنوب، إذ الله أساسا غفور رحيم!

هكذا، وبدون أن تشعر، تنكرت السلفية لدينها وأدخلت فيه ما ليس منه وتطاولت على الله حيث جهلت أعظم مميزاته، وذلك كله من باب التلبيس والتقليد لما حاكته من الدينين اليهودي والمسيحي وقد أساء أهلهما إليهما حبا للرئاسة والنفوذ.

أما الإسلام الحق، دين العقل والحرية، فهو دين التسامح والصفاء، الدين الكوني الذي يجمع التقاليد الدينية كلها، يهودية كانت أو مسيحية أو إسلامية، في عهد الله الأخير لعباده، القرآن الكريم ! لذا آن الأوان للسلفية أن تعاود النظر في مسلماتها فتنتبه إلى أن أُطرها النظرية الحالية تعمل فعلا على تحقيق ما رآه الرسول ولا محالة، ولكن ليس في إعلاء كلمة الإسلام بل في التعجيل بإعادته غريبا كما بدأ؛ فبئس ما تريد سلفية اليوم !

أما إذا أرادت حقا العمل على نصرة الإسلام والدفاع عنه، فلا يكون ذلك إلا بالنهل من منبعه الأصح بالعمل بالعقل كما حث عليه القرآن، وذلك يقتضي حرية التفسير والتأويل وطلاقة العبادات ومحبة المسلم لأخيه المسلم وغير المسلم، مؤمنا كان أو غير مؤمن، ونصرة الأخ ظالما كان أو مظلوما؛ ويكون هذا لا بالإعتداء عليه ومكافحته بل بهدايته إلى الأصلح وذلك بالنقاش وتلاقح الآراء والأفكار وبالتزام التصرف الأمثل للوصول للصالح العام.

على ألا تكون المصلحة العامة مستمدة من مرجعية معينة إسلامية المنطوق بالمعنى الموروث، بل نابعة بحق من واقع الشعب كما يعيشه اليوم؛ حتى وإن خالف ذلك ما تعودنا عليه من تلك المرجعية لأجل التراكمات الإرثية وثرائها مما أفرد الريادة لبعضها على البعض الآخر وإن كان أقل نفاسة وصدق تعبير عن روح الدين الحقة.

لعل أدهى ما صدر عن السلفية أنهم، إن ضلوا عن المفهوم الصحيح للشريعة وشوهوه، أظلوا بأن كفّروا مخالفيهم؛ وذلك عين الكفر في الإسلام كما أسلفنا. أقول هذا لأن « النفس، كما كتب ابن رشد في آخر فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، مما تخلل هذه الشريعة من الأهواء الفاسدة والاعتقادات المحرفة في غاية الحزن والتألم » خاصة والإسلام « إلى طريق وسط ارتفع عن حضيض المقلدين وانحط عن تشغيب المتكلمين ونية الخواص على وجوب النظر التام في أصل الشريعة ».

لا غرو أن مفهومنا في ذلك ورد الإسلام إلى لب لبابه يعود إلى مبدئي الكونية والعلمية، فهما من أصح الأقاويل الشرعية صحة ولا يوجد أتم إقناعا وتصديقا للجميع منهما لا كمثل تأويل السلفية وغيرها، فتأويلهم، بعبارة ابن رشد، «لا يقبل النصرة (بطبعها) ولا يتضمن التنبيه على (التأويل) الحق ولا هو الحق».

لسائل أن يسأل : أيعني ذلك، وبالاعتبار بما سبق قوله، إحياء للصوفية في الإسلام؟ عندها أقول : إذا كان مفهوم الصوفية ذلك الذي تأسست عليه عند رواده اللأوئل الذين كانوا من أجل علماء الدين، أمثال الجنيد و تابعيه القشيري وعبد القادر الجزائري، مناضل العصر الحديث، فالإجابة ولا شك بنعم. أما أن نفهم من الصوفية ما آلت إليه عند العديد من المدّعين عليها من شعوذة ومروق عن الدين الحق، فلا.

ولعله من المفيد هنا التذكير بما كان يقوله أحد أعلام الإسلام المحافظ الذي لا يمكن الشك في سلفية مرجعيته الإسلامية، وهو في ذلك لا يتجاوز ما كان سبقه إليه الإمام أحمد بن حنبل الذي زامن وعاشر بعض أقطاب الصوفية وعرف مبلغ علمهم وحسن إسلامهم. فقد بين الشيخ ابن تيمية في مجموع الفتاوى (ج 11 ص 18) أن صوفية الحقائق هم قوم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أصحاب اليمين؛ وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطيء.

ولنذكر هنا أن أعلام الصوفية الذين ذكرت كانوا أئمة في مذاهب معروفة، فالجنيد بن محمد البغدادي درس الفقه على مذهب الإمام أبي ثور، وعبد القادر الجيلاني على مذهب الإمام ابن حنبل، والغزالي على مذهب الإمام الشافعي. ولا تفوتنا الإشارة أيضا إلى أن من المحدثين الأجلاء، أمثال الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه ربانية لا رهبانية أو الشيخ محمد الغزالي في الجانب العاطفي من الإسلام، من دعى إلى تقديم هؤلاء الصوفية كمسلمين حقيقيين لأن تصوفهم موافق للكتاب والسنة تمام الموافقة ومطبق لمبادى الإسلام حق تطبيق. فهم أولى بالإنتساب إلى الإسلام الحنيف ممن يشوهه.

في صوفية الحقائق

لا جرم، إذا تفرسنا في الواقع الإسلامي وتمعنا في المتخيل العربي، نجد أهل التصوف ممن رفع عاليا مثل تلك الأخلاقية بلا منازع، حيث جعلوا منها رايتهم بالإضافة إلى تعلقهم المتين بالقرآن والسنة؛ فكان لهم في ذلك السبق وكانت السلفية من اللاحقين. ونحن، كما سبق أن قلنا، في حديثنا عن الصوفية، لا نعرض إلى المشعوذين وأرباب التحيل، بل نتحدث عن أعلام الصوفية من فقهاء أجلاء.

إن كل مقاربة بين الصوفية والسلفية تؤدي بالتأكيد إلى القول أن التعلق بالإسلام أكبر وأصدق بالنسبة للصوفية التي هي أولا وقبل كل شيء مجاهدة للنفس كبرى لبلوغ الصفاء، فهي حكر على صفوة المؤمنين بالله وعلى رأسهم المسلم بالمعنى الذي جاء به الأثر : المسلم من سلم الناس من يده ولسانه.

إلا أن الفارق بين الصوفي والسلفي في تعلق كل واحد منهما بالدين هو كتعلق الإنسان بالحياة، يرى الأول أنها تنتهي مع الموت ولا تكون إلا مع حياة البدن فتجهل الروح ومستلزماتها، بينما يرى الثاني الروح التي لا تموت مع البدن والتي بها قوام حياة الجسم المادي، بل هي أساس كل شيء.

إن الإسلام، ونراه للإيمان بمثابة الوضوء للصلاة، هو أولا وقبل كل شيء في تعاطي الخير ومحبة الغير على هناته قبل أن يكون شعائر وعبادات؛ أليس الإسلام دين ومعاملات؟ أليست المعاملات فيه أهم من العبادات؟

ذلك أن العبادة مدارها علاقة العبد بالله، لا نظر فيها إلا لله، أما المعاملات فهي تخص البشر بعضهم ببعض، ولذلك أهميتها قصوى، بل هي أكثر أهمية من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والحج بالرغم من أن ذلك يعتبر من القواعد الإسلامية الأساسية؛ وجمهور المسلمين على هذا الرأي وإن لم ينعدم الخلاف بين الشاذ منهم عن سنة الرسول.

لاغرو أن الهمة للنشاط والابداع تتطلب وجود الحافز النفساني أولا ثم البدني والمادي ثانيا ثم الإطار الأمثل حتى تأخذ حظها فترتفع من مجرد الرغبة والأمل إلى خير العمل والنشاط الدؤوب. ولاشك أن اليوم، في بلادنا، توفرت كل هذه العوامل دفعة واحدة بالنقلة النوعية التي سمحت بها ثورة الشعب – أو ما أسميته الإنقلاب الشعبي -على نظام الإستبداد وكبح الحريات.

لذا، ليس من باب التبجح بهذه الثورة أو من باب البلاهة التأكيد على أن الفرصة سانحة اليوم في تونس للارتقاء بالممارسة الاسلامية إلى تعامل أسمى يأخذ بظاهر الدين وباطنه، سواء بكليهما أو على حدة، وذلك بكل حرية ومسؤولية، فينجح في ذلك بالارتفاع بالإسلام إلى المرتبة التي تليق به كدين وكحضارة، إذ لا ينحصر أخد المسلم منه بحرفه بل يرتوي من نصه ومن روحه حيث يكون ديدنه في ذلك مقاصد الشريعة التي تتلخص، كما قلنا سابقا، في كونية الإسلام وعلميته.

بهذه الطريقة، وبها وحدها، نضمن للإسلام في عصر ما بعد الحداثة الذي نحن فيه محوريته في التاريخ البشري بمثابة العهد الأخير من الله إلى عباده بعد العهد القديم والعهد الحديث (اليهودية والمسيحية) ونعترف بحداثيته السابقة لأوانها، وذلك ما أسميته بالتراجع الحداثي Rétromodernité في مصطلح جديد يفرضه مصطلح ما بعد الحداثة. ولا شك أن مثل هذا المنظور لما تعتبره السلفية كركيزة أساسية لمفهومها الديني يجدد إطارها المعرفي وكامل فلسفتها دون المساس بلب لبابها، ألا وهو الاعتراف بعلوية الدين الإسلامي والسنة المحمدية.

الطريف في توجهنا هذا هو أننا لا نفعل ذلك على طريقة السلفية الحالية التي أخطأت في مفهوم التوحيد الإسلامي إذ أفاضته على كل شيء حتى على الآراء والممارسات الدينية، بينما التوحيد في الإسلام لا يتعلق إلا بتوحيد الإلاه. أما سائر مظاهر الدين، فالمبدأ الذي يسّيرها في الإسلام هو حرية الرأي وطلاقة التأويل؛ ولعل نزول القرآن على سبعة أحرف لأكبر دليل على هذه الحرية التي لا غنى عنها في الإسلام.

نعم، لقد سادت في التاريخ الإسلامي نزعة التأويل الأوحد للقرآن والقراءة المثلى، وأبطلت تلك الحرية التي تعلق بها المسلمون الأوائل بما فيهم صفوة الصحابة من تعدد القراءات والمصاحف، وكان ذلك أساسا من منطلق سياسي لا ديني. ولا نشك أن هذا الذي تم خاصة في عهد الخليفة الراشد الثالث كان ضروريا لما وصلت إليه حالة الإسلام آنذاك من الخلاف والإختلاف مما أذن بالفتنة الكبرى التي لم يرتق صدعها مثل ذلك العمل، بل لعله بدوره كان في إذكائها أدهى وأنكى. أما اليوم والإسلام بخلاف الأديان الكتابية الأخرى في قلوب الناس، فلا شك أن العودة إلى روحه الأصلية والاعتراف بتعدد منابع الايمان به وتنوع تجلياتها لا يزيده إلا منعة وقوة.

 

الصوفية هي السلفية الحقيقية

إسلام التزمت اليوم،  وهو الذي أسمّيه إسلام الإسرائيليات من سلفية وغيرها ممن يدعي الوسطية، هو إسلام من قوارير، هذا الزجاج الذي يتشقق ويتهشم لأدنى هزة؛ أما إسلام صوفية الحقائق فهو الإسلام النير الحق الذي لا ينقص من قوته أي شيء كما لا يحط من عليائه أي خور.

وكما سبق أن قلنا، فقد عُرف ابن حنبل بتقديره للسلفيين الحقيقيين، ولعله اليوم يكون من هؤلاء الصوفية، لأن من ينتسب إليه بمثابة المشعوذين الصوفيين الذين قاومهم أشد مقاومة لأجل إسلام حقيقي هو الإسلام السمح. وهو بدون شك الحنيفية المؤمنة بكونية الرسالة المحمدية كرسالة محبة وسلم وسلام لكل خلق الله بلا تفريق بين مؤمن وكافر إلا بالمثل الطيب والالتزام بالحسنى والإيمان برحمة الله اللامتناهية لكل الذنوب

إن العلاقة بالدين القيّم لإسلام الإسرائيليات، كما نراه اليوم بتونس وغيرها من البلاد الإسلامية، كعلاقة الأبجد بالعلوم، فإن هي كانت منها شكلا، فهي حقا بمحتواها لا تمت لها بصلة، إذ لا تكفي معرفة الحروف الأبجدية للتبحر في العلوم؛ فما أدراك بعلوم القرآن !

إن الصوفية تاريخيا، كمنظومة موازية للسلفية في قوة البيان وحجية البراهين لتاريخيتها وتأصلها في المنبع الإسلامي الذي كون أفقها الرحب، معاكسة تماما للأفق الضيق السلفي؛ فهما مرآة واحدة لنفس الحقيقة، تنعكس من وجه السلفية مـضخّمة إلى حد المغالاة والتشويه، أما من الوجه الآخر، وجه التصوف، فتبدو على حقيقتها : إنسانية إلى حد الإفراط، متسامحة بلا قيد ولا شرط، عالمة إلى أبعد ما يقصر عنه العقل البشري، كونية بدون مركبات.

لنأخذ مثالا بسيطا على ذلك، ننتقيه من الواقع اليومي المعاش ويخص الآذان. لقد تفشت عادة إقامة الصلاة باستعمال مكبرات الصوت. فالسلفي والمسلم المدّعي الوسطية لا يرون حرجا في ذلك، بل ويقرون مثل هذا الاستعمال للتقنيات الحديثة رغم ما فيها من مضرة، حيث لا يخفى أن مكبرات الصوت، خاصة عندما تكثر المساجد في مكان ما، من شأنها إزعاج راحة مريض أو صغير بحاجة للراحة في أولى ساعات الفجر مثلا أو قرب مصحة.

أما السلفي الحق، أي صوفي الحقائق، فمن شأنه في مثل هذه المسألة أن يراعي روح الدين الإسلامي ومقاصده حيث احترام راحة الغير من مباديء الإسلام الأساسية، وفي نفس الوقت يحترم الأصول والسلف الصالح فيقرر إلغاء إستعمال مكبرات الصوت في الأوقات التي ثبت فيها أن ضررها أكبر من نفعها للاكتفاء بالصوت المجرد كما دأب عليه السالف الصالح.

إن العبرة في الآذان ليست النداء للصلاة، فمن يحرص عليها يبادر بنفسه إلى التوجه إلى الجامع أو إلى مصلاه قبل سماع النداء، بل هي في إقامة الفرض، والإقامة لا تحتاج إلى جلبة زائدة التي يمكن عدها من باب المراءات. ولعلنا لا نحتاج هنا إلى التذكير أن الصلاة هي أولا وقبل كل شيء مناجاة لله، وبالتالي فهي تحتاج إلى السكينة والوقار؛ فليست الصلاة كما غدت اليوم مجرد حركات تقام في أي مكان وفي جلبة كأنها عرس أو أدهى وفي ظرف هو أقرب إلى حلبة السيرك منه إلى مصلى تحترم فيه قداسة الذات الإلاهية.

ويمكن قول الشيء نفسه بالنسبة للقرآن الذي يتوجب التنصت إليه عند التلاوة؛ فأنى هذا عند بثه بمكبرات الصوت ليضيع صوت القاريء بين جلبة الشارع وضجيج الغوغاء؟

مثل هذه النظرة الجريئة لإقامة الصلاة اليوم وتلاوة القرآن، والتي تترك على سبيل المثال مكبرات الصوت جانبا باسم الفهم السليم للإسلام، أو أيضا تستحي من إقامة الصلاة بأي مكان حتى بالشوارع وسط المارة غير عابئة بشي مما أكد على أهميته الإسلام، لهي سلفية حقة في احترامها لسنة السلف الصالح ومصالح المؤمنين وغير المؤمنين ممن يعيش تحت ظلال الإسلام؛ وهي ممكنة تمام الإمكان إذا كنا حقا سلفيين بالمعنى الصوفي للكلمة.

فكما لا رهبانية في الإسلام، لا رهبة فيه أيضا، إذ في الرهبة إكراه، والإسلام حرية، وفي الرهبانية حرص مكين على مظاهر التعبد، بينما الإسلام روحانية قبل كل شيء. وليس في الإسلام تتبع الغير وظواهر الأشياء بالبصر، فالمسلم إن ساءته مظاهر يغض النظر عنها ويعتني بالبواطن؛ أما من رغب عن الباطن إلى ما ظهر فقد فاتته تزكية باطنه بما يفاتح به من ظاهره؛ فالخداع دوما في ما ظهر لا ما بطن، لأن السريرة الصادقة لا مراءات فيها ولا ومظاهر.

الإسلام كلمة السواء

أي إسلام ندعو إليه في عالمنا اليوم، عالم ما بعد الحداثة فنرمي إلى تفتيق علومه بفنونه؟ إننا ننطلق من مبدأ أن الإسلام سلام، كما أن دار الحرب تبقى دار سلام طالما لم يأذن العدو المسلمين بحرب، فتكون حرب المسلم دفاعية بعد أن انقضى عهد الفتوحات وهو زمن الجهاد الأصغر؛ إذ فتح تمام الرسالة المحمدية عهد الجهاد الأكبر، وهو مجاهدة النفس أساسا.

هذا الجهاد هو الذي يمكّن أولا وقبل كل شيء من تمالك النفس وردعها عن الانسياق إلى المحظورات حتى وإن كانت لسبب يبدو لأول وهلة مما يحلل منطقيا وشرعيا المحظورات؛ ولكن لا تحليل لها البتة في الإسلام.

إن الإسلام هو كلمة السواء، أي كلمة العدل وهي توحيد الله فلا يُعبد غيره، ويتبرأ المؤمن، أيا كان دينه، من كل معبود سواه، لا يشرك به شيئا، ولا يدين بعض المؤمنون لبعض بالطاعة فيعظمه بالسجود له كما يسجد لربّه. بهذا المفهوم الحقيقي للإسلام، المفهوم الذي يفرضه العقل وتتطلبه سماحة الإسلام، وهو الدين القيّم، دين الحنيفية، نرى الإسلام على حقيقته لدين الله كعهد ختامي يكمل ويتمم العهد القديم والجديد، وفي هذا تكمن كونيّته؛ و نكتشفه مجددا كدين حرية وتسامح، وفي هذا تتجلى نزعته العلمية.

يكون هذا بالاعتراف بالدينين اليهودي والمسيحي كما هما اليوم عند أتباعهما، لا كما يراهما المسلم من زاويته الضيقة وإن بدت له صحيحة. فأما ما يخص التحريف، فهذا لا يعني إلا المسلم أو المؤمن الذي يود العودة إلى الحنيفية المسلمة، وهي تمام الإسلام؛ أما من كان مؤمنا ممن تعلق بدينه المسيحي أو اليهودي، فلا مجال لنفي حقه في ذلك من باب احترام حرية المعتقد، مع التذكير بأن النص القرآني يبقى من المنظور الإسلامي النص الإلاهي الصحيح لوحده، وذلك لمن أراد التبحر في علوم الدين.

بالرجوع إلى هذين المبدأين، يكون الإسلام أزليا كدين ودنيا. أما كدين، فهو دين كل مؤمن، مسلما كان أو مسيحيا أو يهوديا، بما أنه يؤمن بالله ويوحده، أيا كانت شعائره، إذ هي لا تهم إلا التصرف الفردي للمؤمن الذي يبقى حرا، لأن المؤمن لا عبودية له إلا لخالقه ولا حساب له أو عليه إلا من الله وحده لا شريك له.

وأما كدنيا، فذلك بحرية التصرف في كل ما يعدو نطاق العبادات ويخص حياة البشر وتعاملهم، وذلك باعتماد قاعدة المصلحة التي تقرها الأغلبية المنتخبة حسب النواميس الديمقراطية تطبيقا للمبدأ الديني في العمل بالعقل وإحكامه في كل ما يتعلق بشؤون البشر، على أن يكون ذلك بالإحترام المتبادل، إذ المسلم من سلم الناس من يده ولسانه، و بالتأسي بالقرآن و بقواعده مثل الرجوع إلى المصلحة العامة والعمل بمقاصد الشريعة وحرية النقض والنسخ، وذلك بعدم العمل بالأحكام التي لا تتعلق بجوهر الدين بل بحياة البشر.

اعتمادا على ما سبق، وفي ما يخص تعاملنا مع بعض المشاكل اليومية التي أفرزتها إرهاصات الثورة، لنقل أن القاعدة تبقى دوما إحكام العقل في شؤون الدنيا، تماما كما يريده الله، حتى إذا بدا ذلك للبعض ممن ضاق حسهم عن بلاغة دينهم مخالفة لما جرت العادة به، إذ العقل يجبّ العادة ويعلو عليها. وبالطبع، لا يكون إحكام العقل هذا بليغا إلا في جو من حرية الرأي والتصرف في حدود الإحترام المتبادل وعدم ردع الرأي المخالف.

عندها، نطور مفهوم مثل هذا المبدأ الأساسي في الإسلام لأننا بالتمسك به في نطاق الحرية للجميع نضمن للمعتقدات السامية الرواج بدخول الناس إليها بحرية وعن قناعة وليس بالقوة، أيا كانت هذه المعتقدات : دينية أو علمانية. ففي مثل هذا الجو من حرية الرأي والمعتقد يكتشف كل ضمير ما يعتلج بحق في ضميره ويعمل كل واحد حسب أخلاقيته لا بطريقة عشوائية كإنسان آلي أفرزه خليط من ترهات بعض المنظرين للكراهية ودعاة الفتنة؛ والكل يعرف أن الفنتة أشد من القتل.

إن الفتنة اليوم ليست في التفرق وتعدد الرؤى، لأن ذلك من الديمقراطية وتعدد الآراء واختلاف المشارب، إذ خلقنا أمما وقبائل لنتعاروف ونتحابب ونتعاون، ليس أكرمنا إلا أتقانا. والتقوى ليست الخوف من الله، وكيف يكون ذلك والله حبيب المؤمن، غفور رحيم حتى بأكبر المذنبين، ما دام موحدا؟ بل ويمكن اليوم القول أن الله عفوّ أيضا بالعبد حتى وإن لم يكن موحدا، لأن الأمل يبقى في الإسلام أن يصبح ذلك المذنب موحدا نتيجة لنجاح المسلم في تقمص دوره الأساسي كأفضل ممثل لمكارم الأخلاق!

التقوى هي أساسا ترك الذنوب كلها، وأي ذنب أكبر من التوسط بين الله وعبده المذنب لعقابه فنحرمه من أمل التوبة، والله يضمنه إلى آخر رمق من الحياة ؟ أليس في مثل هذا التصرف منا تألها نتجاوز به حق الله في الغفران، وهو من أخص ميزاته، عوض رعاية حقوق الرحمان الرحيم ؟

فليتعظ مسلمو اليوم بما قال بعض الصوفية من أن التقوى الحقة هي مجانبة ما يُبعد عن الله، ولتكن تقواه العمل بطاعة الله على نور الله، ونور الله هو القرآن، والقران صالح لكل زمان ومكان بالمعنى الذي أشرنا إليه آنفا، أي بأعظم خاصيتيه : الكونية والعلمية، وإلا كانت تقواه ظاهرة لا باطنة. والأدهى أنها تكون بذلك تقوى المعاصي، بل وتقوى الشرك كما بيّناه !

فلتكن تقوى المسلمين الحقيقيين لا مسلمي الرسم، الصادقي النفس والفؤاد، الأحرار الضمير، تقوى التوسل لله بالأفعال، وخير الإيمان الحسنى في كل تصرفاتنا! عندها، يكونون بحق أتقياء، سادة الناس في الدنيا والآخرة. وعندها يكون شعار المسلم الحقيقي، مؤمنا مسلما كان أو مؤمنا يهوديا أو مسيحيا، تلك العلامة العربية المضيئة، ألا وهي الفتوة التي هي أساسا وقبل كل شيء كمال الخلق.

إن أصل الفتوة، كما يقول القشيري، وهي من أسس الصوفية، أن يكون العبد دائما في أمر غيره، وتكون فتوّته في الصفح عن عثرات الإخوان بمفهوم الأخوّة الواسع، أي الأخوّة في البشرية، وعندها يكون الله في حاجة العبد ما دام العبد في حاجة أخيه.

إذن، حتى نكون من زمرة الفتوة، علينا ألا نرى لأنفسنا فضلا على غيرنا، فلا يكون لنا خصم ولا نكون خصما لأحد، بل نحرص على أن نكون خصما لربنا على أنفسنا؛ والنفس دوما أمارة بالسوء ! وإنها لصنم لكل إنسان؛ ومن خالف هواه فهو فتى على الحقيقة.

لقد حان الأوان، في تونس الثورة، أن تكسّر الأصنام، خاصة عند إخوتنا من السلفية ومن ادعى الوسطية كذبا ونفاقا لإحياء الإسلام في أنفسنا كثورة مستدامة لا كاجترار لما عهدناه عند من سبقنا !

الإسلام ثورة مستدامة

يدّعى الحزب الإسلامي بتونس أنه غير سلفي، فيتحدث عن وسطية مزعومة له وللإسلام. وليست مثل هذه التصريحات التي تشدد على تسامح شكلي للإسلام إلا للتمويه والمغالطة. ولعل أكبر دليل على ذلك اتفاق الزعماء الحزبيين بتونس، رغم اختلاف مشاربهم الإيديولوجية، على مثل هذا التعريف الذي هو في مفهومه أفرغ من فؤاد أم موسى. يؤكد ذلك عدم جرأتهم على تقديم أي مشروع قانون يبطل قوانين البلاد المخزية.

إذن، إما ذلك التعريف المزعوم هو الصحيح ، وعندها ما الذي يفرّق حقا بين هذه التيارات المتنازعة ولماذا تواصل تناحرها على حساب الشعب ولا تغير منظومته القانونية ؟ وإما هو هذا التعريف الخاطيء، أي الذي لا معنى له إلا المغالطة، وعندها إلام المغالطة ؟

وليس هو إلا من هذا القبيل في أفواه من اختلف سياسيا إلى حد التقاتل؛ فنحن نعلم أن هؤلاء الساسة يؤمنون بضرورة المخادعة للعمل السياسي، وقد أخذوا بالسياسة في مفهومها التقليدي المتقادم. فقبحا لسياستهم هذه المتهافتة !

إن كل مسلم حق يعرف أن الإسلام ليس وسطيا البتة، وإلا فهو ليس بذلك الإنقلاب الكبار الذي جاء به على عقلية مجتمعه وعالمه أجمع. فلولا أن ديننا كان ثورة عقلية حقة لما انتشر وتوسع في أنحاء العام في فترة وجيزة، ولما نما ودام إلى يوم الناس هذا !

إن الوسطية لا معنى لها ولا قدرة على قلب المفاهيم الخاطئة رأسا على عقب؛ ولا شيء جاء به الإسلام غير الثورة، وهو الذي ميّزه عن سائر الأديان الأخرى، إذ كان بحق الدين والدنيا في نفس الآن. وهو كذلك إلى اليوم، شامخا في علوه رغم الداء الذي ينخر عقول البعض من أتباعه، ورغم الأعداء الذين يتربصون له الدوائر من الخارج، وخاصة من الداخل في طوابير خامسة لا تحصى ولا تعد.

الإسلام ثورة أو لا يكون، وهو ثورة مستدامة عند كل مسلم حق، صدق في إيمانه، فأخذ بحق بكلام الله في معانيه ومقاصده لا في حرفه كما يفعل من جهل دينه، جاعلا من النص قيدا يلتزم به حتى وإن خالف روحه، فإذا هو كالصنم يعبده دون الله الذي يتمثل نوره وتتجلى قداسته في روح تعاليمه قبل نصها، وفي مقاصد شريعته قبل حرفها.

الإسلام الحق هو هذه الثورة التي تجعل منه دين البشرية جمعاء في صلوحيته لكل زمان ومكان، وذلك بما يزخر به من تعاليم تحترم الذات البشرية وتقدس حرية الإنسان، ملتزمة بحقوقه، كل حقوقه، في كونيتها ودعوتها الجادة للاجتهاد والأخذ بما يصل إليه العقل البشري العالمي من فتوحات ذهنية.

الإسلام الصحيح هو ثورة مستدامة في هذا الاجتهاد الأكبر، الذي يطلبه من المؤمن، على نوازع نفسه حتى تتزكى كل يوم أكثر، فتُعمل العقل دوما وتشحذ الهمة لزاما، آخذة بكل ما يصل إليه العلم البشري دون تفرقة بين عربي أو أعجمي إلا بتقواه. والتقوى هي التزام تعاليم الله في مقاصد شريعته التي تمجّد الذات البشرية وتعلي من كعب العقل أي علو!

إن ديننا يحتّم علينا الأخذ بقوة بكتاب الله وسنة رسوله الأكرم وإحكام العقل في تأويلهما حسب مقتضيات العصر الحاضر، لا حسب ما جاء به السلف لعصره وظروفه؛ فبذلك نقدس الله حق قداسته ونكرم سلفنا الصالح حق قدره !

أين نحن إذا من الإسلام الحقيقي في التزامنا بفقه صلح يوما ولكنه في حاجة لمن يرتفع به أكثر عما استنبطه من أحكام على ضوء أنوار الفرقان المشرقه وتعاليم السنة السمحة ؟

إننا نتجاهل بعنجهية حكمة ديننا في السهر على مصلحة الإنسان بالعودة دوما إلى مقاصد الشريعة التي تتلاءم، بدون أدنى شك، مع التطور الإجتماعي وتفتق الذهن البشري لما لا يفقهه إلا من يعمل بالفرض الإسلامي على دوام إعمال العقل في الشؤون البشرية.

إن الإسلام اليوم عند من يدّعي نصرته لهو كتجارة نفقت عند أهلها الأوائل ثم نام ورثتهم عن ضرورة العمل على تنميتها فإذا بها تكسد وتبور! فليست التجارة النافقة في تمجيد طرق السلف ونجاحه في الوصول إلى الوسائل الرابحة لغزو سوق زمنه، إذ كم هي الطرق والوسائل التجارية التي تنجح اليوم وتفشل في الغد إذا لم تتطور فتتأقلم مع مقتضيات التجارة وأحكامها مع السهر المستدام على الجودة الأصيلة للبضاعة وتناسب الثمن معها بدون أي شطط !

الإسلام الوسطي هو التجارة المتوسطة في سوق ارتفعت فيه المزاحمة إلى أقصى قدر من منافسة ليست دائما شريفة، فهي لا تنجح إلا إذا اعتمدت، بالإضافة لجودتها وثمنها المعقول وإن علا، على وسائل عبقرية تمكنها من كسب السبق دوما في مثل هذا التزاحم الحيوي المستمر. فلا نجاح لتجارة إذا اعتمدت فقط على النوعية والثمن المناسب أمام المنافسة الشرسة المتواصلة لها من طرف البضاعة الرخيصة، العديمة الجودة؛ ناهيك عن تلك المزورة المصطنعة. فلكسب السبق دوما، لا بد لبضاعنتا أن تكون جديدة متجددة مع حفاظها على رونقها الأصيل وجودتها المعهودة ! ولا شك أن كل ذلك يكمن في التزامنا بالثورية في التأقلم مع مقتضيات السوق، لا السوق الداخلية فحسب، بل والعالمية أيضا في هذا الكون الذي أصبح كالحي، إن لم يكن بعد حارة!

الحال نفسها بالنسبة لديننا الذي أمدتنا أحكامه بالوسيلة الفضلى والفهم الأمثل حتى يبقى هذه الثوة المستدامة الذي جاء بها، وهي الثورة التي يمثلها كدين أزلي التعاليم، خاتم للأديان كلها. فلنكرر ونقول أن ذلك لا يكون إلا باعتماد مقاصد الشريعة في فهم ديننا على حقيقته. ولا غرو أن مقاصد الشريعة تلزمنا اليوم اعتماد كونية حقوق الإنسان في احترام مباديء هي في عالمنا من أسس كل ديمقراطية حقة، مثل التساوي التام بين الرجل والمرأة في كل الحقوق بما فيها الميراث، وعدم التفرقة بين عباد الله أيا كانت مشاربهم ومذاهبهم، بما فيهم اليهودي أو المثلي التوجه في حياته الخاصة، وعدم تقييد حرية الفكر والتعبير حتى وإن بدت مخالفة لما نقدّسه.

ذلك لأن المقدّس الحق لا يدنّسه أي شيء؛ بل نحن ندنّسه برد فعلنا المهلوس في التقليص من الحرية الفردية، إذ عندها نناقض حتما وننسف المبدأ المقدس الذي نعمل على الدفاع عنه، ألا وهو الحرية البشرية في الإسلام وضمان حرية الرأي والمعتقد !

في فنون الدين الإسلامي

الفن، في فهمه الواسع، يتضمن معنى المهارة والمقدرة، ففيه الكثير من الأناة والصبر في التمرس والمزاولة في محاولة الوصول إلى غاية بعينها، سواء كانت جمالية أو أخلاقية أو نفسية؛ وذلك حال العلم اليوم.

إن الفن الذي يهمنا هنا هو الشعبي، أي فن العامة أو الفن التقليدي، بحرفية البعض المورثة أبا عن جد والتعبير التلقائي عند البعض الآخر عن خلجات النفس وأحاسيسها. وهو في هذا مما يتبع الطبيعة البشرية ويلازمها. ولا شك أن الصوفية وهي الإسلام الشعبي هي، في نفس الوقت، علم الشعب، من ناحية قواعد الدين الشكلية، وفنه من جهة تصرفه فيها عمليا.

هذا، ولعلنا نفهم هذا أكثر يالقول أن أفضل مثال اليوم في تناغم الفن والعلم هي أعمال العالم السويسري يونغ في علم النفس التحليلي Psychologie analytique الذي يرى من بين ما يرى أن الأساطير والأوهام من شأنها أن تساعده في عمله التحليلي على خلق ترياق لأزمات الحياة، وقد أسس طريقته التحليلية انطلاقا من الخيمياء أو السيمياء، أي علم الكيمياء القديمة أو تحويل المعادن Alchimie

ما من شك أن أعمال يونغ ساعدت المساعدة الكبرى على تطور علم الطب بصفة فاصلة كفن للحياة الاجتماعية، فهو العلم  الذي هو فن بلا منازع. فهذا علم النفس الاجتماعي Psychosociologie  يعطي أهميته للاشعور  الجماعي، وهذا الطب الجسدينفسي Psychosomatique وهو المتعلق بالنفس والجسم معا يهتم بالأمراض التي أسبابها الأعراض النفسية المتفشية في مجتمعاتنا؛ وهذا الطب النفسجنسي المتعلق بالظواهر النفسية المرتبطة بالحياة الجنسية، Psychosexuel  وهو من شأنه التعرض لما يميز حياة العربي المسلم من مشاكل أساسها عاطفي وجنسي نظرا للتزمت الذي يطغى على حياتنا الاجتماعية من هذه الزاوية التي هي أساس كل حياة مطمئنة لأي مجموعة بشرية.

وهي خاصة في هذه الشحنة الحيوية التي يسميها فرويد ليبيدو Libido وهي، كما طور فهمها يونغ، أبعد ما تكون إلى ما تُترجم له الكلمة من غلمة أو شبق أو شهوانية، إذ هي بالأساس طاقة حيوية تمثّل غريزة الحياة البشرية، حتى وإن كانت شبقية في بدايتها أو لذة جنسية في جوهرها. وهي في كنه فن الحياة اليومية لشعبنا لمن يتعاطى العلم ما بعد الحديث، أي الذي يعتمد على العقل الحسي.

وهذا اليوم علم الإنسان الذي هو في نفس الوقت فن من الفنون الطبية إذا همه لا العلاج فقط، خاصة إذا عسر واستحال، بل وأيضا الفهم أو محاولة فهم الذات البشرية في تمام عوارض مرضها وارتباط الشفاء بكل الأحاسيس والشعور، بما في ذلك اللامشعور به.

فبما أن الإسلام علم، من شأنه اليوم أن يكون أيضا فنا، الشيء الذي يجعل من الدين فنا يقترب أكثر من الطبيعة البشرية، وهي الفن عامة وفن المعيش خاصة؛ وهذه هي الطبيعة البشرية التي جاء الدين ليظهر أفضل ما فيها. إلا أن ما نراه اليوم في عموم البلاد الإسلامية ممن يدعي الإسلام ليس فيه أي شيء من أفضل ما في البشر ولا من الإسلام طبعا، إذ هو يأخذ بملة مزعومة، وعادات  تتقول على الإسلام ما ليس فيه، وتفعل به ما ليس منه.

تلك هي سلفية ووسطية الأكاذيب، وهي كالمسيح الدجال، علامة عودة الإسلام الحق، الإسلام التنويري كما كان وجاء به الرسول الأكرم، وكما سيعود، الإسلام الثوري على كل ما تحنط في أنفسنا، إسلام ما بعد الحداثة Islam postmoderne أو الإ-سلام I-slam. إني أطلق هذا النعت على الإسلام الذي يبقي الثورة التي عهدناها منه على الأوضاع القائمة، بما أن الإسلام ثورة أو لا يكون.

وبما أننا في زمن ما بعد الحداثة، وقد عوض فترة الحداثة المنقضية، لذا قلت أن السلفية الحقة المابعد حداثية هي صوفية الحقائق. فالصوفية، صوفية الجنيد مثلا كما سار على دربه وسلك مسلكه إسلامنا المتسامح بربوع بلادنا الآمنة، هي التي فهمت الإسلام على حقيقته، فتمسكت بالقرآن والسنة وتقيدت بمقاصده متجاوزة الرسم إلى الروح، والروح أعلى ما في خلق الله.

فكلام الله العزيز العلي لا يمكن أن يكون نصا بلا روح وإلا كان صنما، وقد جاء الإسلام بهدم كل الأصنام، بما فيها تلك التي بأنفسنا، هذي الأصنام التي نعبدها ولا نشعر كما تفعل سلفية الأكاذيب اليوم، فتحي دين الجاهلية ولا تشعر !

لا شك أنه حان الوقت اليوم في بلدنا الحبيب لفصل المقال في هذا الموضوع بتذكير هذه الحقائق وزيادة لمن نسيها أو تناساها ممن يدعي نصرة الإسلام على الساحة السياسية، فيتقمص دور المهرج دون أن يعلم، وليس في الدين لا تهريج ولا عربدة ولا مجون.

لقد حان الوقت لهذا العود على البدء اللامتناهي لديننا الحنيف المتجدد دوما، لأن الإسلام في نشأة مستمرة، تراه وقد أحاطت به الظلمات من كل ناحية. تظنه هلك بعد أو أوشك ولا محالة، فإذا نوره الساطع يتألق من جديد، يبهر الأنظار ويطهّر أنفس الأخيار ويعمي أبصار من مرضت سريرته فصار بلا بصيرة في ظلمات الجهالة يعمه معربدا ماجنا. ولا قصف ولا مجون ولا جنون في ظلال الإسلام، لأن ديننا السمح يُذكي العقول ويُنمي الحس المرهف والحلم والمروءة.

لذا، أقول أن الوقت حان للارتفاع بعلوم الإسلام إلى مصاف الفن، فتكون فنون الإسلام المتممة لعلومه الكلمة الفصل لبيان وتبيين ما فات كل من ادعى خدمة الدين من ضرورة إعمال عقل طريف وظريف في إسلام حنيف، لأن المؤمن فيه مرهف الحس، كريم النفس، دقيق التصرف، جليل الحلم، عالي الهمة، صافي النية، نقي اليد والضمير.

ولكل من ادعى ويدعي الإسلام ولكل من تبجح بسلفية هو ليس منها في ربوع خضرائنا حيث يستأنف ديننا نشأته المستمرة، أقول كما قال الله في كتابه العزيز وجاءت به الآية 14 من سورة الحجرات: ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم).




أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *