.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

(12) الجنس في تونس وفي الإسلام


الجنس في الاسلام

يكتبها فرحات عثمان

تحدثنا في اليومية السابقة عن الجنسٍ الذي يُعد شاذا عند البشر بينما هو منتشر في الطبيعة حيث ليس أي تفريق في الجنس بين الذكر والأنثى. ونخصص يومية اليوم للجنس عندنا ببلادنا وبالمجتمع المغاربي وفي الإسلام لنحاول فهم عقدة الجنس التي تفسد اليوم حياتنا أي إفساد.

عقدة الجنس في مجتمعنا

الجنس عندنا من الممنوع الذي يثير الفضول فتكثر قيمته، ونحن نعلم ولا شك ما للممنوعات من أهمية عند المحرومين؛ ذلك مما يكشف سر ما يسميه البعض بالطفرة الإعلامية حول الموضوع. وما كان الجنس سواء عند العرب أو في الإسلام من الأمور المشينة؛ فلا حياء في الدين كما لا حياء في أمور الدنيا الضرورية عند الناس، والجنس منها؛ بل هو الحياة كلها؛ فالحياة في العربية هي الحيوان.

الأكيد أنه لو كانت قوانينا تحترم حقا طباع الناس وعاداتها فلم تحرّم ما ليس في تحريمه أي خير، أي الحق الثابت لعلاقات جنسية حرة بين البالغين، لما كان ما نراه اليوم عندنا من مشاكل أخلاقية هي أساسا نتيجة انعدام الحياة الجنسية المتوازنة عند الناس. هذا ما خلق في مجتمعاتنا عقدة الجنس.

إلا أن عقدة الحياة الاجتماعية عندنا، بما فيها من رفضٍ للآخر، تبقى في الحقيقة مجرد خيال متجذر فكريا في أدمغة بعض الناس الذين يعملون على ترسيخه بالقوة والرهبة على واقع يرفضه ولا يقبله وإن تظاهر بذلك خوفا من بطش هؤلاء. وطبعا، يتغذي هذا الخيال الزائف بمجموعة القوانين الجائرة التي هدفها فرض رأي تلك الأقلية في فكرها الإرهابي.

كل ما هنالك هو تداخل في العادات العربية الإسلامية لعادات يهودية ومسيحية في نطاق ما عرفه الإسلام من إسرائيليات. وهي عادات غريبة عن التسامح الذي ميز ويميز الإسلام، وخاصة قبوله بالغيرية altérité وتمجيده المطلق للحرية البشرية في الحياة الخاصة، إذ يقدس الإسلام حرمتها.

هذا ما لم نعد نعرفه ولا تحترمه قوانيننا التي تفرض على المسلم قسرا وقهرا نمطا من العيش لايستسيغه لا العقل اليوم ولا تقبله الأخلاق الإسلامية إذا لم نشوهها بما رسب إليها مما ليس منها.

فلا ديمقراطية بلا غيرية. وما ظهور المماثلين أو المثليين على الساحة العمومية إلا من باب دخول البلاد في معمعة النضال من أجل اليمقراطية الحقة. تلك هي حتمية تطور المجتمعات التي تتغير وتتبدل أحوالها من حال إلى حال.

فلا مناص من مد وجزر في كل الموضوعات بما فيها ما هو من المحرمات، خاصة إذا لم تكن كذلك لا في الدين ولا في المتخيل الشعبي، فقط في مدونات قانونية هي مجرد وسائل للاستبداد في خدمة الحكام وفي يد أصحاب أقلام وإعلام تساعد على دوام حال لا مناص من تغيرها.

أما ونحن اليوم في فترة ما بعد الحداثة، فلا مجال لتجاهل ما يميّز الحياة الاجتماعية من بروز على السطح لكل ما تجذّر من العادات وتأصل من الأحاسيس والمشاعر، بما فيها تلك التي لم تعتدها مجتمعاتنا، لا لأنها لم تكن تعرفها، إنما لأنها كانت تقع في الخفاء، بعيدا عن الأعين.

لم يعد اليوم بإلإمكان التواصل على هذه الشاكلة، إذ الجنس مطرد في ظهوره، لا يكبح أي شيء جماحه، بما أنه يمثل غريزة الحياة ونزعة من تيارها العتي. وبما أن عقدة الحياة الإجتماعية عندنا هي مجرد الوهم الذي أشرت إليه آنفا، فلسوف تأتي عليها وتزيلها كما تزيل أنوار الشمس كل ظل من ظلل الخيال.

نعم، أنا أرى أنه لا عقدة لحياة اجتماعية متفتحة على الغير ولا رفض للغيرية بتاتا في متخيلنا الشعبي. يكفي لذلك أن نرفع عنه ما رسخ فيه ظلما وبهتانا بحد سيف الحاكم أو من يمثله وينوبه من القوى الظلامية التي تسهر على تقييد حرية الشعب من خلال التصرف في مشاربه وأهوائه الخصوصية باسم الدين، والإسلام من ذلك براء.

صفة الجنس في العالم

زمننا الحاضر هو زمن الجماهير، وهي تحيا ساعة تجارب الإنسان الأرضي، أي هذا الحيوان البشري الذي يمتاز بالأهمية التي يعطيها اللحظة المُعاشة في حياته بمتجلياتها الحسية ومتعها أو آلامها، بيّنة كانت أو مستترة. مع مثل هذا الإنسان وقد أصبح أرضيا، لا مجال للتفريق فيه بين المادي في حسيته والروحي في تعاليه، فحتى المتعالي اليوم غدا محايثا واللامحسوس حسيا.

يمتاز مثل هذا الزمن بالقيمة الكبار فيه لنكهة العيش، أي طريقة الحياة كما يهواها صاحبها، سواء كانت فيها نكهة كما عهدناها أو نكهة غير معتادة لا يعرفها إلا من يتعاطاها؛ تلك هي الحياة الجيّدة عنده لما تمتاز به من شدة الاهتمام بالحاضر والانهماك فيه.

هذه من السمات المميِّزة لثقافة العيش اليوم، وهي آنية، من النوع الأبيقوري. فالأبيقيورية Épicurisme هي يومية اليوم، أصبحت أيديولوجية العيش البشري ونمط حياة الإنسان في كل المجتمعات، لا فرق بينها إلا في درجة تعاطيها والقدرة لتعاطيها. فالفروق ضئيلة وهي تختص بما يطفح على السطح لا ما يختلج تحت أديم المجتمعات وفي حناياها، وهي كلها فيها على نفس الشاكلة.

لذا، من الحزم أن يتفطن لهذا أهل الفكر عندنا وأصحاب الإعلام لأن دورهم لكبير في مواكبة هذا التطور قبل أن يُضطروا إليه اضطرارا. واجبهم اليوم أن يغيّروا من نظرتهم إلى واقع مجتمعاتهم والأخذ بما بيدو لهم طفرات على السطح ونزغات هي في الحقيقة مثل الحرارة المرتفعة عند ابن آدم التي تؤشر على أن كل الجسم المجتعي في تغير.

وعلى أهل الدين والسياسة وكل من له القليل من النفوذ، ماديا كان أو معنويا، المبادرة بالقيام بثورة كوبرنيكية تجعلهم في مستوى ما يجري حولهم قبل أن تزيلهم عجلة التاريخ عن الطريق إلى مزبلته. فواجبهم الاحتفاء بعلوّ شأن الملموس والمحسوس في مثل هذه الأشياء التي تبدو شاذة وبسيطة في حيوات الناس بينما هي هامة بالنسبة لهم كما هي عادية جدا في تصرفاتهم رغم كل الموانع والمخاطر في تعاطيها. فمنها يتشكل اليوم نسق الواقع البشري كما هو لا كما يريده البعض أن يكون في نظرة أخلاقوية ليس فيها ذرة من الواقعية.

وهذا ليس بالجديد ولا المحدث كما سبق أن قلت، بل تُمثّل عودته وبروزه على السطح المجتمعاتي الثورة الحتمية على كل ما تقادم وبلى، خاصة نظرتنا للجنس وللأخلاق. هذا ما علينا فهمه وإفهامه لمن لم يفهمه بعد ممن يتمثل واجبه في ذلك.

وتغيّر الذوق الحسي للأشياء هذا يجعل العقل المتعالي آنفا في تجرّده يصبح عقلية حسية أو معقولا حسيا أقرب للذوق الصوفي الذي هو، كما بيّنه الغزالي، تلك المعرفة التي تفضُل العلم في الوصول لحقائق الكون. ذلك أنه بعد انقضاء فترة وهم سيادة الإنسان على الطبيعة، وكانت من أشهر مقولات الحداثة المنقضية، عاد ابن آدم إلى أحضان الطبيعة الأم مكتشفا مجددا قيمة المحيط والوسط البيئي أو البىئة وضرورة التنمية المستدامة.

ولا شك أن ما في الإنسان من فطرة ومن غريزة وجب الأخذ بهما واحترامهما هو أيضا من قبيل هذا الاحترام الضروري للطبيعة؛ أليس الإنسان منها؟ أليست البشرية طبيعة قبل أن تكون ثقافة؟ هكذا وجب اليوم فهم الإنسان وطبيعته كما هو وتفهيم هذا لمن لم يفهمه بعد.

الجنس هو الليبيدو

لقد بين العلم، سواء السيكولوجي أو السوسيولوجي، أن الجنس اليوم بمفهومه الواسع، وكما نعرفه في ثقافتنا العربية الإسلامية، هو أساس الحياة الشخصية والاجتماعية. فلا اتزان للشخصية ولا سلمية في التعايش بمجتمع واحد بدون علاقة للفرد للجماعة مع الجنس تكون متميزة بالصفاء ورصانة التصرف.

أما إذا انعدم ذلك،  فنحن عرضة للهلوسة والعصاب      névrose وحتى الذهان Psychose وما إلى ذلك من الأمراض النفسية والجسدينفسية      Psychosomatique مما ينشأ عنه هذا الاختلال في التصرف في مجتمعاتنا والاضطراب الشامل في الشخصية، فإذا المرء عندنا عاجز كل العجز عن العيش في سلام مع الآخر والتكيف مع مقتضيات الحياة المجتمعية.

يُسمى هذا الجنس في علم النفس الحديث، خاصة بعد أعمال يونغ، بالليبيدو Libido. ولذلك نفس التجليات في علم الاجتماع الفهيم sociologie compréhensive. وتعني كلمة الليبيدو في هذين العلمين الطاقة الحيوية التي تتجلى فيها غريزة الحياة.

مثل هذه الغريزة يمكن لها طبعا أن تكون في جوهوها شبقية وشهوانية كما هي عند الحيوان، فإذا هي الغلمة عند البشر؛ غير أن هذا ليس إلا ما يطفو على السطح، بما أن هناك ما هو أهم، ألا وهو الرابط بين الطرف والآخر والانجذابية من الواحد إلى الثاني التي لا يقع بدونها أي شيء من شهوة الضراب وهيجانه. وفي ذلك أيضا ولا شك تواصل الحياة.

إن الليبيدو، بصفتها طاقة حيوية، مترعة بكل ما يعمّر هذا الجانب النفسي اللامشعور به من الشخصية البشرية؛ وهو عندنا لجد مثقل بالمركبات والعقد؛ وهذه ليست إلا أنسجة من الأفكار والانفعالات المكبوتة في الشعور لأن حاملها يجد الألم الكبير في الإقرار بها ما دامت القوانين تمنعها والمجتمع يزجرها.

لذا، هي تبقى داخل اللاشعور ولا تشق طريقها أبدا إلى الوعي؛ بذلك فهي كالقيد الذي يمنع من الحركة، أو كمن به قبض فإذا عقل البطن يطغى على عقله وتصرفاته.

ما يجب أن نعلم هنا هو أن علم الاجتماع الفهيم يؤكد على قيمة الفطرية والجبلّة في الإنسان حيث يساهم ذلك في تجذيره ورسوخه في ما ثبت في المجتمع من عادات وتقاليد موروثه؛ فهي من هذا التليد الذي لا غنى عنه لتأكيد عرى الترابط وتوطيد لحمة المجتمع.

وليس الحال اليوم بمختلف عما كانت عليه الأمور زمن القبائل، بل إن  علم الاجتماع اليوم يقول بعودة زمن القبائل أو القبلانية tribalisation فلا محيد عنه في ما بعد الحداثة.

ولا شك أن هذا حال مجتمعاتنا العربية الإسلامية حيث وطد الدين عرى المؤمنين في نطاق الأمة الإسلامية، إلا أنها لم تكن تلك المجموعة المتصفة بالأحادية نظرا لأنها متنوعة ومتغيره ومتعددة المشرب والمظاهر تماما كالإسلام الذي جاء نصا إلاهيا واحدا ولكن بحروف متعددة وقراءات مختلفة.

تلك هي الأحدية المتعددة      unitax multipex وذاك أيضا التفرد المختلف في ما يعرف بالفكر المركب      pensée complexe وهو أفضل فكر للأخذ بمقتضيات الزمن الراهن ونبذ الأحادية التي هي مما أورثه الدين المسيحي للفكر الغربي عامة وأيضا للفقه الإسلامي خاصة، لأن الغرب بدأ بعد يتخلص من هذا الميراث الثقيل الذي يتشبث به المسلمون وكأنه فكرهم الأصيل، بينما هو دخيل على الإسلام.

إن الفكر الإسلامي يعترف بالمختلف لأنه لا ينقض المؤتلف بل يتممه، وهذا في الواقع العربي بمتناقضاته التي هي مما يزيده غناء لا فقرا على شرط قبولنا ذلك فلم نعمل على فسخه ومحو كل اختلاف باسم أحادية ورثناها من الفكر المسيحي الذي بدوره أخذها عن الفكر اليهودي.

قيمة الليبيدو في الحياة اليومية

لم يعد من شك اليوم أن الإحساس بالذات والسريرة وكل ما في الذمة من ضمير يتعلق كله لا بعضه باللاوعي الشخصي الذي لا مناص من ربطه باللاشعور الجماعي، وهو مجموعة العوامل النفسية والفسيولوجية غير المحسوسة ولكنها فاعلة في إدراكنا، بل هي كل إدراكنا، خاصة بما فيه من اندفاع فوري وعوامل مؤثرة في سلوك المرء. فليس كل ما يفعل المرء يدركه، إذ هو دوما صنيعة أحاسيسه اللامحسوس بها واللامشعور بقيمتها رغم أهميتها.

ولربما تتعلق هذه الأهمية بأمور تبدو لنا تافهة لا قيمة لها بينما هي القيمة كلها ولها الأهمية كل الأهمية في تصرفاتنا، الشعورية وخاصة الآلية. من ذلك كل ما يتعلق بالجنس بصفته من المسكوت عنه، إذ في ردهات سكون الفكر عن التمعن فيه تتنوع العقبات مانعة التصرف الحر وتتعدد المركبات قامعة كل ما هو من السليقية فينا. فإذا هي تهيمن عليه وتنمّطه حسب ما أفرزته عقد كثرت في مخزون لاوعينا إلى حد أنها تنقلب إلى وساوس وهواجس ثم إلى أمراض إذا لم نسارع بالتيقظ إلى ما تقتضيه من حتميات.

إن الأمر في هذا الجانب من وضعنا البشري وطبيعتنا الآدمية هو تماما مثل ضرورة الأكل والشرب أو التبول والتبرز، لا محالة منهم إلا إذا أردنا الهلاك. ولعل لقائل أن يقول أن هذا الهلاك هو من المستحب عند البعض الذين يهبون أنفسهم إلى الله كما يرونه، فيقمعون ما في النفس من خاصيات زهدا في الدنيا وتقربا إلى الله.

ولا شيء نظريا يمنع من ذلك، إلا أنه يخالف روح الدين الإسلامي الذي يلجأ إليه البعض للتدليل على صحة مثل هذا الفعل، لأنه لا رهبانية في الإسلام، وللبدن حظه على المؤمن؛ ثم هو يخالف المصلحة العامة التي يغلّبها العقل والدين دوما على المصلحة الخاصة، إذ مثل هذا التصرف يؤدّي إلى ما هو أدهى من رفض الآخر فالتسلط عليه وقتله.

ولا غرو أن سبب حالات الهلوسة وجرائم القتل الجماعية أو ما يسمى بالقاتل المتكرر الجرائم tueur en série يعود أصلا إلى مثل هذه الأسباب التي تتطور بصفة لاشعورية إلى حد الهيمنة على المتخيل الشعبي. وما شك أن الأخبار اليومية ثرية بالحوادث المريعة التي نستشف من هول كوابيسها عراقتها إذ هي مما لا يمكن تجاهله كبنية إناسية      structure anthropologique موغلة في القدم.

إن الجنس اليوم هو هذا الغائب الذي إذا طالت غيبته أوشكت أوبته، وعلم النفس يحذر من مخاطر عودة المكبوت retour du refoulé     ، فلا أعتى منها وأدهى. ونحن لو قمنا بدراسة سيكولوجية للعديد من إرهابيي هذه الزمان، لوجدناهم كلهم ممن كُبتت الغريزة الجنسية فيهم فتحولت من غريزة حياة      éros إلى غريزة موت thanatos؛ فتلك الجدلية القائمة منذ القدم بينهما. وليست غريزة الحياة إلا غريزة الحب، وهذا من الجنس بمعناه الواسع. فلنحي فينا غريزة الحب لا الموت لأن هذا أفضل رفع للتحدي الداعشي للبشرية ولديننا الحنيف، دين الحياة، أي، بالمعني السيكوسوسيولوجي، دين الحب.

الجنس من أسباب الحضارة

يلجأ علماء الاجتماع أحيانا إلى ما يسمّى بالمنطق الذروي logique paroxystique للنفاذ إلى مكنون المعاني  وما فيها من الثبوت والدوام؛ وهذا يخص هنا تجليات الحضارة البشرية يجعلها تقريبا من القوانين السوسيولوجية.

حسب هذا المنطق يمكن القول أن الجنس، بالمعني الموسع الذي بيناه أعلاه، هو لا محالة من أسباب الحضارة ودعائمها، بغيابه تأتي شيئا فشيئا وبزواله تزول وتضمحل بنفس الطريقة.

لنشرح ذلك بالقول أن غياب الجنس يجعل الذات البشرية قاحلة مما يحمل على الكد والجهد للخروج من ذلك الوضع بكل الوسائل والطرق. ولعل ما أشار إليه ابن خلدون من أهمية العصبية ليس إلا هذا التصعيد والتسامي بمتطلبات الجنس إلى صفة مقبولة ترضى بها النفس وتواكب روح العصر، كأن يستغل الإنسان انعدام الجنس لتحويل ما في نفسه من طاقة وميول جنسية مكبوتة إلى نشاط معين      يستفيد منه في ميادين يتجلى فيها الليبيدو بصفة لا جنس فيها في الظاهر رغم أنها النتاج الخالص لهذا الجنس في الباطن.

فما يقع في داعش مثلا لهو من الهلوسة الجنسية نتيجة الكبت الذي يعانيه أهلها الذي أصبح مفسقة من البخوسيات bacchanales إلا أنه قصف دموي وعربدة دامية مجرمة. إن ما حُرم منه هؤلاء وما ينقصهم هو ما يسميه جيلبار ديران، وهو المنظر الأكبر لمفهوم المتخيل imaginaire، الاستقراء للأنماط البدائية      induction archétypale .

هذا ما يحملنا إلى تلك النظرة الشمولية للحياة الجماعية فيدعم الرابطة المجتمعاتية ويسهّل التواصل والتناغم بين أفراد كل المجتمع الذي هو بذلك كأعضاء جسم واحد، كلها متماسكة ومترابطة؛ وهذا ما يسميه علم الاجتماع الاشراكية أو المَشركة socialisation بمعنى التكييف الفردي مع الحياة الجماعية.

ولا شك أن ثقافتنا تعرف مثل هذا الاستقراء للأنماط البدائية ودأبت عليه سابقا بنظرية الأخذ عن السلف الصالح، إذ ليس النمط البدائي إلا هذا النموذج      المثالي، أي السلف الأصلي. على أننا مع التراكمات التي أفرزتها الحضارة العربية الإسلامية مررنا من نظرة صحية وصحيحة للأشياء أي النظرة الأثيقية، وهي النظرة الأخلاقية الأدبية ذات النزعة العلمية éthique إلى نظرة وعظية أخلاقوية morale.

وما من شك أن النظرة الأولى هي التعبير الأصح للرابطة المجتعية التي تتأسس عليها وتقوم بها الحياة الجماعية، أما انعدامها فيخلق مختل التوازن ففقدان العقل والمدارك من المأفونين. لأن التجذر لا مناص منه؛ وهو تجذر في الذات البشرية أولا ثم في تجلياتها داخل المجتمع.

إن الأمور بأيدينا و الوسائل متوفرة لدينا، ولا يفلح إلا من يتوكل على الله فيزكي نفسه خير تزكية بأن يعطي لكل ما فيها حق قدره : الروحانيات من جهة بالعبادة دون شطط، والبدنيات من جهة أخرى بعدم كبح جماح الطبيعة في تجلياتها فينا ما دامت من طبيعتنا ومما يساهم في انبساطها وانشراحها. أليس الله الذي يقول : «ألم نشرح لك صدرك؟».

فحتى نعيد بناء الحضارة التي كانت لنا، لنرفع عن نفسيتنا هذا الوزر الذي أنقضها من المركبات والمنغصات التي ما قال بها ديننا وما لها في الأخلاق الحقيقة من سلطان بما أنها تنقضها نقضا. ولا أدل على ذلك من حالة مجتمعنا المخزية على المستوى الأخلاقي لانعدام مثل هذه الحرية الصحية.

من المتحتّم إذن أن نستنبط نوعا آخر من الترابط المجتمعي يعتمد على الحرية الشخصية والثقة في بعضنا البعض بقبول تجلياتنا في المجتمع كما هي لا كما تفرضه غلطا اليوم قوانينيا المجحفة التي تدعي الأخلاقية وهي لاأخلاقية بالمرة لأن لا احترام فيها لمقتضيات النفس البشرية ولا لتعاليم الإسلام الحقة.

فالإسلام دين ودنيا، وهو علاقة فردية بين الله وخالقه لا دخل لثالث فيها، بينما الدنيا علاقة جماعية فيها حرمة العام ولكن فيها أيضا قداسة الحياة الخصوصية.

الجنس في مجتمعنا

لقد أفرزت قوانينا الجزرية تصرفات شعبية تبيّن علانية وضمنيا أن تلك القوانين لا هم لها إلا نقض ما تدعي الحفاط عليه من قيم إذ دورها أساسا الحفاظ على مصالح الساسة.

ومن الطبيعي أن التصرفات اليومية لأبناء الشعب تحتاط شديد الاحتياط من تلك القوانين رغم مشاكستها لها، فذلك من باب حكمتها في ضرورة الحفاظ على الذات من الشبهات حتى لا تسقط علنا في ما لا تقبله الأخلاق الرسمية وتضمن حرية الأخذ بها سرا أو على الأقل دون جلبة مما يلفت أنظار العسس.

لهذا استنبط الشارع التونسي جنسا حسيا فيه الإغلام والشبيقة Érotisme     أي الإثارة الجنسية أو العشق والغرام، من الحسية والشبقية sensualité التي عادة ما تُترجم، تحت تأثير الإسرائيليات، بالفسق والفجور.

ذلك لأن الفسق لغويا عند العرب ليس إلا الخروج، كما يقال للرطبة إذا خرجت عن قشرها؛ ولم يصبح التعبير  بالمعنى الشرعي المعروف إلا لاحقا. وكذلك الحال بالنسبة للفجور، إذ أصل الفجر عند العرب هو الشق، أي الانبعاث كما ينبعث نور الفجر.

وليس هذا ما نجد في المجتمع، أي الحسية التي هي أكثر إمتاعا من التصرف الإباحي، بله العملية الجنسية البحتة. والشيء من مأتاه لا يُستغرب، إذ لا ينعدم مثل هذا الإبداع في دين لا حياء فيه ومن أهل ثقافة أنتجت ألف ليلة وليلة وغيرها من الكتب، حتى الفقهية، التي تعد اليوم من الإباحة الصرفة.

هذا يُؤكد ما عُرفت به الثقافة العربية من قيمة الكمون وفضيلة التخفي أو ما يُعرف فقهيا بالتقية. وقد شخّصت هذه الخاصية بمثل وعقدة المشربية parabole/complexe du moucharabieh، مستلهما من العمران العربي وبناياته ما له علاقة بنفسية العربي. وسنعود للمثل في يومية قادمة.

لنقل هنا أن مدار هذا النموذج المركب هو أن العربي لا يكشف بدايةً عن نفسه، وذلك أساسا لأجل حرية التمتع بالرؤية قبل إمتاع الآخر برؤية مماثلة بالبروز إليه على أفضل هيأة. أما انقلابه إلى عقدة فيكون بجعل الشبقي يصبح، دون أن ينوي ذلك ضرورة، المتهرب من الآخر، المتخفي عنه بجميع الوسائل، حتى المخاتلة منها. وهي ما سماه بعضهم طبيعة الاستنفار عند التونسي.

هذا هو الأساس اللاشعوري الذي يؤدي إلى العنف المعنوي والمادي كما نراه مع الحجاب والبرقع والنقاب اليوم؛ وكلها ليست أبدا من العادات العربية، بل مما أفرزته المركبات والعقد بتأثير من أخلاقيات لاعربية ولا إسلامية بتاتا.

فلم يعد اليوم أي شك أن قوانيننا المتسربلة بدون حياء بقناع الأخلاق والقيم  ليس لها أي قاعدة أخلاقية، إذ هي لاأخلاقية في ادعائها تمثيل قيم المجتمع والدين. ذلك لأن المجتمع له قراءة أخرى للملة، مغايرة تماما لقراءة ساسته، إذ أخلاقية الشارع أقرب إلى روح الدين ومقاصده من النصوص القانونية.

إن القوانين في مجال الحياة الخصوصية ليس همّها إلا مراقبة المجتمع وإخضاعه للحكام الذين يحتكرون حرية فهم الدين وأخلاقيته كما يحلو لهم في دين لا كنيسة فيه ولا مرجعية كهنوتية.

أما تصرفات العامة فهي أساسا أخلاقية، رغم ما يحلو للخاصة من نعتها بالدنس، لأنها أولا لا تدين للظاهرة الأخلاقية غير الصحيحة واقعيا التي يتقمصها أهل الأمر والنهي بسطوة القانون وشوكة الحاكم. فهي، في حيويتها هذه المدنسة زعما أقرب طهرا من الفهم الصحيح للأخلاق الدينية المرجعية المؤسسة للأخلاق على مبدأ العفوية مع سلامة النية وبراءة العلاقة بالآخر بلا زيف ولا مخادعة.

وثانيا، هي جد أخلاقية بهذه السليقة، إذ تتماهى مع نمط حياتها ومقتضيات عيشها رغم ضنكها، دون نكران ذاتها وما تلزمها طبيعتها البشرية من تأقلم لدوام العيش. فهل من حق الساسة فقط الاستمتاع بدنياهم دون غيرهم؟ أليس الكل بشر، من لحم ودم وأحاسيس وغرائز؟

لا شك أن في توصل الناشئة التونسية للحياة بشيء من الحرية رغم الكبت والحرمان والظلم المسلط عليها الدليل القاطع على قدرتها غدا على قلب الأمور المنكوسة اليوم على رؤوسها لإعادتها على أقدامها. ولا غرابة في هذا بما أننا في عهد الجماهير؛ فلا يعدم الجمهور من حيلة، خاصة وقد أظلنا العالم باخوس أو ديونيزوس، إله القصف والمجون، إذ هو الرمز لما بعد الحداثة، زمننا الراهن، في علم الإجتماع الفهيم.

في هذا العهد الماجن، غربيا كان أو عربيا، لا أخلاق للأخلاقيات كما عرفناها وعهدناها، أي تلك التي لا تقوم إلا بحد سلطة الحاكم؛ ذلك لأن الجسم الاجتماعي يعي أكثر من أي وقت مضى قوته، مما يجعله أحث من قبل في الأخذ بها، وأمتن من أي وقت مضى في الدفاع عن حقيقته البشرية التي يعرفها جيد المعرفة لمعاناته اليومية لها.

لذا، فهو لم يعد يعير أي أهمية لمقولة من يدعي معرفتها خيرا منه من أرباب الدين والسياسة، مذكرا بمقولة الشاعر أن من يعلم الشيء تغيب عنه أشياء إذ المعرفة أوسع وليس العالم إلا الجاهل الذي يتعلم أبد الدهر؛ وهل أفضل من مدرسة الحياة والشارع؟

إن الجنس بتونس، كما هو في الأرضين العربية الأمازيغية، بل والإفريقية عامة، لا يتّفق مع التصنيفات الغربية التي تقسّمه إلى جنس مثلي وغير مثلي وبينهما الجنس الثنائي. فمثل هذا التعريف الغربي غير العربي لم يكن متواجدا البتة بالغرب نفسه قبل ظهور المسيحية واليهودية، بما أننا عرفناه عند الإغريق. فمثلا، بخصوص اشتهاء المماثل homsexualité،  لم تظهر الكلمة باللغة الفرنسية إلا في سنة 1891، والتصنيف ذاته في الغرب مستحدث لا يعود في القدم إلى ما قبل نهاية القرن التاسع عشر كما بينته أعمال فوكو.  واشتهاء المماثل، قبل وبعد الإسلام، لم يكن يدخل بأي حال من الحالات في خانة الجنوسة أو الجنسية المثلية.

هذا يعني عدم اهتمام البشر سابقا بالنزعة التي ميزت حضارة الغرب في التصنيف والتجزئة؛ فلم يكونوا يعيرون أهمية قصوى إلى تصنيف ميولاتهم الجنسية، إذ كانوا يتصرفون على السليقة، حسب طبيعتهم، رغم ما جاءت به اليهودية والمسيحية من وسم للمثلية والتنديد بها كرذيلة خلافا للإسلام الصحيح، كما سبق أن بينا. فالإسلام لم يناقض لا الطبيعة البشرية – إذ هو دين الفطرة – ولا الطبيعة العربية في أخذها بكل أنواع الجنس دون مركبات.

لذا، ما من بد اليوم في قطع العلاقة الوثيقة التي اختلقها البعض من المتزمتين باسم الدين بين الأخلاق والجنس، بينما ليس لها في ديننا أي سند وجيه. فالإسلام من الأديان الأشد تفتحا على حرية الفرد، بما فيها حرية الممارسة الجنسية.

إن تقدم مجتمعاتنا ولا شك مرتهن اليوم بإيقاف هذه الحرب العشواء التي نشنّها على أنفسنا بمنعنا شبابنا من من تعاطي أبسط ما يميز الحياة، ألا وهو الجنس بكل حرية وطلاقة؛ فلا ديننا يمنع ذلك كما تمنعه اليهودية والمسيحية، ولا الأخلاق تحد منه ما دام احترام الآخر مضمون.

إن احترام الأخلاق اليوم لهو في احترام حرية البشر في تعاطي الجنس، إذ به قوام الحياة وفي تعاطيه دون رهبة أو خوف الحياة العادية، بله الصحية.

الجنس في الإسلام

لنذكّر أولا أن الجنس في  اللغة هو الضرب من كل شيء، وهو من الناس ومن الطير ومن حدود النحو والعروض والأشياء جملة، كما يقول اللسان. هكذا، لا أثر للمعنى الذي أصبحنا اليوم نعطيه للكلمة بأن نربطه ضرورة بما يرمز للعضو التناسلي أي القضيب للذكر والفرج للأنثى.

والجنس يشير لغويا أيضا إلى مجموع الصفاة الخَلقية لبني آدم، منها ما هو للذكر ومنها ما هو للأنثى، فلا عيب بتاتا في الحديث عن الجنس كما هو الحال في يومنا هذا. فأنت ما إن تستعمل الكلمة حتى ينظر إليك شزرا وكأنك قلت ما منه شأنه خدش الحياء، بل قل كأنك شتمت محدثك أو على الأقل لم توقره بما يلزم.

هذا المفهوم للجنس هو الذي نجده في ديننا الذي لا حياء فيه للحديث عنه ما دام ميزة للبشر؛ فالإسلام يفصل كل ما يخص ابن آدم في حياته حتى تفضل وتتزكى خاصة وأن الجنس خاصية للبشر في نوعيه وهوعماد الحياة في تناغم هذين النوعين ووصالهما.

نعم، للأخلاق القيمة الهامة في ديننا، لكن علينا التفرقة بين ما هو من الفعل الأخلاقي، وما هو من الحكم الأخلاقي. فإذا كان الفعل لا يتغير بتغير البشر ونمط حياتهم، فإن الحكم عليه غير ثابت، لا يفتأ يتقلب مع تقلب الطباع واختلاف الناس، كما أن له دوافع عدة ربما لا علاقة لها البتة بالأخلاق.

لنأخذ على ذلك المثل الأقصى، أي اللواط، بما أنه لا يزال  يُعد اليوم عندنا من أنكر الفواحش؛ فالحال لم تكن كذلك قبل تغلغل الإسرائيليات في دين الإسلام، فكنا نرى كبار الفقهاء في العصر العباسي مثلا يباهون بمغامراتهم اللواطية.

ولنأخذ أيضا مثل العري الذي لم يكن مما يُستعار به عند العرب، حتى أن الحج كان يتم وأغلب الحجاج عراة، ودام ذلك حج الإسلام      الأول بعد      فتح مكة. ثم إن العادات الشعبية لم تكن تستحي من العري      كما يروي ذلك مطولا ابن بطوطة في رحلات7 أو كما رُوي عن ابن الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي قيل عنه أنه كان يُضطر إلى اخلاء الحمام من الناس كلما عزم على الاستحمام لأن بعض من يرتاده يدخله بغير إزار فيكره عبد الملك بن عمر رؤية عوراتهم كما يكره إجبارهم على وضع الأزُر.

إن كتب الأدب بل الفقه تزخر بأمثلة عدة من الجنس الإسلامي المتحرر وذلك في كل العصور الإسلامية، خاصة عند ازدهار الحضارة الإسلامية، قبل أن تدخل الإمبريالية الغربية دار الإسلام بتزمتها اليهودي المسيحي. فأخلاقياتها هي الباقية إلى اليوم في قوانيننا.

لا غرو، إن الجنس في الإسلام من حريات المؤمن المضمونة شرعا، إذ الدين القيم يقدس الذات البشرية وحرية الفرد أيما تقديس، وهو في علميته يعترف بالجنس كمكوّن أساسي لنفسية الإنسان، فيحترم تعاطيه إلى حد أنه لم يمنعه مع الحج حتى فعل ذلك الخليفة عمر الذي منع متعة الحج التي قبل الرسول بها وأقرها خليفته الأول.

وقد رأينا أنه لا رذيلة في تعاطي المثلية قبل دخول الإسرائيليات للإسلام؛ وقد عُرف هذا الصنف الكبير من الأدب العربي بالمذكِرات وهو التغني بالذكر. ولعل اشتهار أبا نواس كأفضل من تغنى بالميولات الممثالة في العالم، إضافة لوجود العديد من الفقهاء الأجلاء الذين لم يترددوا في التغني بالمذكر في أشعارهم، يبين اختلاف النظرة العربية للجنس، هذه النظرة التي غيّرتها العادات اليهودية والمسيحية.

لقد حان الوقت إذن لأن نستيقظ من سباتنا ونخلّص ديننا من كل الإسرائيليات التي داخلته، ومنها خاصة ما تعلق بالجنس، إذ لا تقدم للمسلمين ما دامت علاقتهم بالجنس على الحالة التي هي عليه اليوم، أي حالة هوس ومرض.

لا بد لنا من تحرير الجنس في بلادنا، بما أن الإسلام لا يحرم الجنس ولا يمنعه، ففي ذلك الخير العميم على نفسيتنا وخاصة نفسية شبابنا المقهور اليوم جنسيا، فإذا به ينقلب متوحشا كما نرى ذلك في داعش مثلا.

الجنس كمحور سادس في الدين

في كتابه المحاور الخمسة للقرآن الكريم، يقول محمد الغزالي أن الله الواحد، والكون الدال على خالقه، والقصص القرآني، والبعث والجزاء، والتربية والتشريع هي المحاور الخمسة التي أفاض القرآن في ذكرها، إذ يرى أن كل ما عدا ذلك يندرج تحت أمهات المسائل هذه.

ونحن نعتقد أن الأستاذ لم يعر أهمية كبيرة محورا آخر يُعد اليوم من أهم ما في الإنسان، بله الحياة، لأنه قوامها، ألا وهو الجنس.

وليس هو  طبعا كما نفهمه اليوم، أي مجرد ما يطاله الفكر القاصر مما بين السرة والفخذين، بل هو كل هذا الزخم الذي يحرك الإنسان في لاوعيه ويمكنه من الدوام في دنيا لا ينعدم منها الجنس بأشكاله المختلفة وإلا انعدمت الدنياو أي الليبيدو.

فإذ كان حال الناس اليوم الأخذ بمباهج الحياة ومتعها، فما الذي يفرق المؤمن الحقيقي عنهم إذا لم يكن زهّادا بما في أيدي الناس رغّابا بما عند الله، معرضا عن الدنيا وزينتها، مقبلا على الله ومرضاته؟ وكيف يكون له هذا إذا لم يحكّم سلطانه على نفسه، فلا يدع لها سبيلا      لترتع فيما لا ينفع؟

لا شك أنه لا أهم في ذلك من عدم الاكتراث بعته الناس وغيّهم ومداومة إعطاء المثل؛ وهذا لا يكون إلا بإحكام سلطانه على وقته فلا يهدره في فضول الكلام والتصرف فلا يزيد عن الحاجة فيهما بأن ينزه يده ولسانه عن كل ما يعيبه عند غيره.

هذا لا يكون حقا حسب الدين وروحه إلا ممن يخشى الله حقا فيغشى وغى الدنيا كما يغشى وغى الحرب على النفس وقد عف عن المغنم ولم يجاهد إلا نفسه، لا غيرها، إذ فيها التزكية لا المراءاة. ذلك لأن مجاهدة النفس هي الجهاد الحق، أما مجاهدة الغير فهي لا تعدو أن تكون إلا من الخداع ما دامت لم تتم بقبول الآخر كما هو وإعطاء المثل الحسن لابتغاء أن يغيّر  بنفسه ما بنفسه، فيكون الجهاد الأكبر منه أيضا.

وأي جهاد أفضل من جهاد عفوي يصبح سليقة في الإنسان إبتغاء مرضاة ربه دون اغتصاب لمبادي الدين؟ فغير ذلك ممن يدّعي الإيمان لا يعدل قلامة ظفر، لأن مثل عمله ذلك لمما يراد منه الحمد والتقريظ وليس هذا ما يرجوه المؤمن الحقيقي من الله.

الصادع بكلمة الحق ليس المنكر للمنكر والعامل على إزالته بيده ولسانه، إنما بقلبه وبتصرفاته المثلى. فاليد واللسان مما يبدو ويظهر فيخيف ويقهر؛ لذا فهو مما لا يمحو شيئا كما يمحوه المثل إذ الاقتداء به يبقى حرا ودائما بينما نتيجة الأول زائلة ما إن تزول الرهبة من القهر والتسلط أو تحين الفرصة لاتصرف دون مراقبة. وليس هذا الدين!

وأمور الجنس مما يضعه الله في عبده لامتحانه الامتحان الشديد حتى يتعلم كيف يحترم ذاته والآخرين فيما بما فيه من فطرة، يعطي لبدنه حقه عليه ولا يعطيه أكثر من ذلك حتى لا يتجاوز حق الله عليه. والله هو الأعلم.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *