.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

(10)أفضل الإسلام السياسي الدعوة للإفطار لإنقاذ البلاد


المساجد

يكتبها فرحات عثمان 
هاهي العشر الأوائل من رمضان تمر وما صمناه حقيقة بل تظاهرنا بذلك وعتونا في نسف أخلاق الإسلام الصحيحة التي هي حسن النية والكف عن الإضرار بالغير وغض النظر عن الإساءة وما نعتقده قبيحا. كما تجاهلنا خطورة حال اقتصاد البلاد فتهاونا في الواجبات وتكسالنا في العمل.

فالأنباء تطالعنا من ناحية عن تفقدات أحد الولاة ببعض المدن وضبطه نائما لمن واجبه العمل واليقـظة، ومن ناحية أخرى عن عنتريات من نصّب نفسه الحامي للدين، يعتدي على حريات الناس ممن لم يركن للنوم ولكنه لم يصم كما هو من حقّه المشروع في دينه.
كل هذا يحدث رغم التزام الحزب الإسلامي بعد مؤتمره العاشر بمباديء الديمقراطية التي أهمها القبول بحرية الآخر؛ فأي حرية في رمضان غير حرية عدم الصوم العلني؟ وفي بلدنا، أي معنى للديمقراطية إذا لم نفعّل مبدأ الدولة المدنية، أي الفصل القطعي بين الدين، الذي مكانه الحياة الخاصة، والمدني، وميدانها الحياة العامة؟
ثم عندما يصبح الصوم سببا في تخريب اقتصاد البلاد بالتكاسل والانصراف عن العمل والانضباط، ألا يكون أوكد الواجب الديني من وجهة الإسلام السياسي القول بضرورة الإفطار والدعوة له إذا انعدمت القوة على النشاط كالمعتاد وذلك حماية لاقتصاد البلاد وإنقاذا له؟

لقد كان الرئيس بورقيبة سباقا إلى هذه المقولة، وكان محقا في ذلك، فرأينا رمضان في عهده يتم بكل حرية. فمن أراد الصوم له ذلك، ومن لم يصم له ذلك دون التخفي؛ مما مكّن من المحافظة على صحة البلاد. فهلا نعود إلى حكمة المجاهد الأكبر هذه، والذي كان بذلك مجتهدا حقيقة في الإسلام كما يقتضيه الدين وكما نذكّر به هنا، بعد التعرض للالتباس القيمي الذي نعاني منه اليوم في بلادنا كسائر بلاد المسلمين.

الالتباس القيمي عند المسلمين

إن تعاسة أحوالنا الأخلاقية كما تعرضنا لها سابقا تحتم استغلال ما تبقّى من شهر رمضان للتمعن والاستبصار وإصلاح ما فسد فينا. فهل تكون الأيام القادمة فرصة للاعتبار والتعرّف على البعض مما ساء في أنفسنا لتزكيته؟
لقد مرت بداية رمضان ودار لقمان على حالها، فلا مؤتمر النهضة غير شيئا فيها ولا ساستنا تكلموا في حرية الصوم وضرورة العمل لأجل اقتصاد البلاد. بل لا زلنا نسمع اللغو في التصدي لما سمّته وزارة الداخلية مظاهر التفسخ الأخلاقي، بينما هي مجرد حرية شخصية لا دخل للسلط فيها. أليس التفسخ الأخلاقي الحق هو الاعتداء على حريات الناس الشخصية التي ضمنها لهم دينهم ودستورهم بفرض حرمة الحياة الخصوصية؟
فلا معنى للقول أن الحياة الخصوصية تقف عند باب البيت إذ نجعل عندها هذا الدين سجنا، بينما لا حرية للعبد إلا إذا كانت علنية. وقد ضمنها الله بفرض غض النظر لمن لا تعجبه حرية غيره ما دامت لا تخص إلا شخصه ولا تعتدي على حرية الآخر.
إن الإسلام يعيش اليوم بلبلة فكرية وتشويش في القيم زادته فظاعة ظهور الإسلام الداعشي الذي لا فرق بينه وبين الوهابية إلا ظاهريا. ورغم ذلك، لا نرى حكامنا ينبسون ببنت شفة للتفريق بين الإسلام الصحيح وما خالطه من خزعبلات وكأنهم يجهلون دينهم بغض النظر عن تجاوزات من يخبط في الإسلام خبط عشواء لما فيه من تبليس وتشويشية.
الالتباس كما نعلم ليس فقط اللبس والارتباك والاضطراب في المباديء الأساسية، فمن شأنه أيضا أن يكون في غموض هذه المباديء وبث الفوضى والبلبلة عند الآخذين بها. هذا ما نراه عند السلفية التي هي، في أفضل الحالات، اختلاط ذهني وخبل يجعلها تقلب الأوضاع في الإسلام فتجعل منه دين الكراهية والحقد والنقموت والرهبوت بينما هو دين الغفران والتسامح والرحموت.
إن هم المتزمّت الحرص على دوام بلبلة الأذهان عند المسلمين حتى يتحكم في عقولهم، إذ يخلق قي أذهانهم الحيرة في دينهم فيتوفر له تعاطي تلبيس إبليس بكل سهولة؛ فإذا الإسلام تشويشية confusionnisme وإذا المسلم في تصرفه خبلي مختلط الفكر، لا عقل له.

لقد عرف الإسلام مثل هذه التشويشية منذ بدايته، وقد حذّر منها الرسول الأكرم. فواجب الحكام ببلاد الإسلام اليوم، وبتونس خاصة، التصدي لكل مظاهر الخبل الداعشي هذه، لأنها تقوّض صرح الإسلام ولا تقويه. ولا يكون ذلك إلا بإعادة فتح باب الاجتهاد في الدين ومراجعة كل ما يتضمنه القانون الوضعي من فصول جائرة تدّعى الصفة الإسلامية وهي ليست من الإسلام في شيء، بل تنفي تعاليمه بمخالفة نصه أو مقاصده مخالفة صريحة لا لبس فيها.
وطبعا، يهم هذا بالأخص الصيام والإفطار في رمضان، إذ الصوم ليس بالواجب المطلق، حيث هناك العديد من الحالات التي يمكن للمسلم الإفطار فيها، وذلك حتى بدون أدنى سبب إذا كان له التكفير عن ذلك كإطعام المساكين؛ وقد فعل البعض من أجلاء السلف هذا دون أن يعاب ذلك عليهم.
لا إرغام إذن على الصوم في دين الإسلام، الذي هو أولا وقبل كل شيء دين النية الصافية؛ فمن لم يرد الصوم، لم يصم وأمره بينه وبينه خالقه، يعاقبه إن شاء ويصفح إن بدا له. لذلك، فمن الخبل التعرض لمن يفطر في رمضان بدعوى أنه لا يحترم صيام غيره؛ فمتى كانت المراءاة من الإسلام؟
ثم إن الصوم ليس للركون للراحة والعزوف عن العمل، فإن أصبح كذلك فسدت النية فيه وأصبح لا خير فيه؛ عندها الأفضل عدم الصوم مع المحافظة على النية الصادقة في العمل وحسن النشاط للصالح العام.

الخروج من رمضان النفاق
من يجحد اليوم أن رمضان أصبح زمن النفاق، تماما كما هي حال الدين، بل وكل شيء في حياتنا؟ ومن لا يعترف أن ذلك يشوه الدين في ضرورة الصراحة وصدق السريرة وحسن النية لأجل كلمة السواء؟
لم لا يكون شهر الصوم عندنا المناسبة الحقة وبلا منازع للعبادة والتفرغ لله؛ فهل يكون هذا بدون تجاهل فعل الغير؟ فالعبادة، خاصة في رمضان، ليست بتاتا في التظاهر بالمناسك والتمسك بالشعائر بقدر ما هي في التخفي عن عيون الناس في تعاطيها.
ذلك لأن كل ما ظهر وحرصنا على إظهاره من شأنه المغالطة والمداهنة، يطوله الكذب بسهولة لا محالة. فليس الصدق إلا في ما نتعاطاه عن قناعة وصفاء سريرة؛ لذا يتوجب الحرص ألا تتخلله المراءاة بما أننا لا نقوم به إلا لوجه الله صرفا. وهذا ما لا نفعله سائر اليوم في رمضان؛ فلا سريرة صادقة ونية حسنى وخاصة الحرية في ما نأتيه عن قناعة. فنحن لا نأخذ بكل هذه المباديء الإساسية في الإسلام بينما لا إسلام بانتفائها.
مثال ذلك أن من يدّعي فرض واجب الصيام قهرا على الجميع احتراما للصائم أو للصوم لا يحترم لا هذا ولا ذاك، ولا يخدم خاصة الإسلام، بل يهدم صرحه. وقد علمنا أن صرح الإسلام قائم عماده على حرية العبد التامة في الأخذ بتعاليم دينه عن اقتناع وعقيدة ونية خالصة لا عن رهبوت وخوف من نقموت !
المؤمن الحقيقي هو الذي يصوم دون أن يُري ذلك للناس ودون أن يفرض على غيره التأسي به أو إظهار صيامه؛ فهو يقوم بذلك لله وحده؛ لذا لا يكون في تصرفه أي شيء يدل على أنه صائم. فهل هذا ما فعلنا إلى اليوم؟

لقد أمضينا العشر الأوائل من رمضان هذه السنة نتكاسل بدعوى الصوم، ونطلق العنان لكل ما كان سلبيا في تصرفاتنا، لا لشيء إلا لأجل الصيام، بينما الصوم ليس الامتناع عن الأكل وحده، بل هو أولا وقبل كل شيء الكف عن كل فاحشة، سواء كانت لفظية أو فعلية؛ وأولها سؤء الظن بالآخر والاعتداء عليه حتى وإن لم يكن صائما. فهل نحن صمنا حقا؟
على هذه الوتيرة، سيمر رمضان كله دون بركة لا للصائم المتظاهر بصومه، العزوف عن نشاطه المعتاد، ولا لغير الصائم الذي يريد البعض التشهير بحقه في عدم الصوم. وبهذه الصفة، سيكون الصائم حقا، في آخر رمضان، مباركا بالمعنى اللغوى، أي المرء الذي لا يرى جيدا، تختلط عليه الأمور فإذا هو يخبط غبط عشواء.
نعم، إن الحال كانت إلى اليوم كالسابقات في التملق والتمظهر، لا في صدق النية. بينما الصائم الحق هو الذي لم يصم رمضان علنا، بل كاد يخفي صيامه بتصرف هو أفضل من تصرفاته أيام الافطار في اللباقة واللياقة وحسن الأخلاق، خاصة الابتسامة على الثغر والكلمة الطيبة على اللسان. فإنك تراه وكأنه في غير شهر رمضان، لأن شهر الصيام هو الشهر الذي نعطي فيه من أنفسنا أفضل ما فيها.

أفضل الإسلام السياسي
كل الذي سبق غاب ويغيب عن الأغلبية الساحقة من صائمينا، ولاشك أن إفطار من يفطر خفية أو علنا لهو أكثر موافقة للدين من صيام على هذه الشاكلة. فبما أن الإسلام في النية أولا وفي صدق السريرة وفي الاقتناع، من لم يصم، ولعل له أعذاره، لم ينافق، وكان في هذا أقرب للإسلام ممن صام منافقا. وليس أبعد عن الإسلام من المنافق!
لكن الأخطر أن يغيب المفهوم الصحيح لرمضان عن الساسة وأهل الإسلام السياسي إذ هم بعماهم الديني يعملون، لا فقط على تخريب دينهم، بل بلادهم أيضا بعمارة مصالحهم الشخصية. فكيف يغضون النظر عن حالة اقتصاد البلاد المزرية دون الدعوة إلى ما تجرأ عليه بورقيبة مناديا بالإفطار إذا منع الصوم من النشاط والعمل ؟
إن حال أهل الإسلام السياسي في الإيمان كمن لهوكساء، غير أنه لا يلبسه، فإن ذلك لا يقيه من الحر ولا يصونه من البرد؛ ثم هو يبلى.فدينهم أصبح على حالة تعيسة من الخراب كما هي حال اقتصادنا، لا يسعون لتلافي الأمر سريعا، متهاونين في ذلك، مستمسكين بعرض الدنيا وبقراءة دينية متزمتة.
في هذا، يُروى عن سلمة بن دينار المعروف بأبي حازم الأعرج وقد سأله الخليفة سليمان بن عبد الملك ما لنا نكره الموت، أنه أجاب : لأننا عمّرنا دنيانا وخرّبنا آخرتنا، فنكره الخروج من العمار إلى الخراب.
هذه حال أهل الإسلام السياسي اليوم عندنا الذي أصبح أهله يعمه في دنياه معمّرا باطلها، مخرّبا آخرتها، بمسخه لدينه، مبدّلا إياه من دين التسامح والمحبة إلى دين التزمت والكراهية، وساعيا أيضا في نفس الوقت لخراب البلاد واقتصادها.

لذلك، الواجب الأول للإسلام السياسي في هذا الوطن، إن رغب الاستيطان به، هو تلافي الأمور الراهنة والتذكر أن الإسلام دين اليسر والمغفرة ودين العمل والنشاط للصالح العام. وهذا يقتضي يقظة القلب بتصحيح الضمائر والعودة إلى ما صح من الدين.
وقد صح أنه بتصحيح الضمائر تُغفر الكبائر وأن الدين، كل الدين، في العزم الصادق والنية الحسنة أكثر منه في فعل فيه نفاق ومراءاة. ذلك لأن في العزم مع الخطأ والنية مع الصدق يكون الأجر بينما يسقط الأجر ويثنّى الإثم بالفعل الذي هو ظلم النفس والغير، يسع التكفير ويمنع استحقاق الرحمة الإلاهية رغم أنها مضمونه عند الاستغفار.
ولنذكّر مرة أخرى أهل الإسلام السياسي بما كان يقول الفقيه ابن دينار : إن لكل عضو من أعضائنا حق علينا من الشكر. فشكر العينين هو أن تعلم بهما خيرا، وإن رأيت بهما شرا أن تستره. وشكر الأذنين إن سمعت بهما شرا دفنته. وشكر اليدين أن لا تأخذ بهما ما ليس لك وأن لا تمنع بهما حقا من حقوق الله وما لله من حق مغفرة الذنوب للعبد.
هذا الحق من حقوق الله التي على العبد رعايتها، فليس له أن يمنع ربه من حقه في الغفران متى شاء وأراد في هذا الشهر الفضيل. فالنفوس تصدأ كما تصدأ المعادن إذا لم تجد من يذكرها الفينة بعد الفينة فيجلو عنها صدأها.

وقد تكدس الصدأ على نفوس المسلمين منذ زوال حضارتهم، فهم يعيشون اليوم على الصدأ الذي غطى هذه الحضارة لا على ما بعثها للوجود ألا وهو دين المحبة والغفران الذي يقدّس حرية الإنسان وعبقرية فكره.
لذا علينا تنمية الحسن في أنفسنا وتنقية السيء فيها، فذلك لب لباب تزكية النفس والجهاد الأكبر. والحسن اليوم، في الوضع الراهن للبلاد التونسية، هو خدمتها والكف عن الإضرا بها؛ فإذا كان هذا بالإفطار، فنعما. فإن ذلك مما يفرضه الدين، إذ الوطن والمصلحة العامة يمران قبل المصلحة الخاصة، وحتى قبل الدين، لأنه لا يهم إلا الحياة الخصوصية. فخدمة الوطن لهي أعلى مراتب التقوى.

هذا من المتحتم اليوم لأننا أصبحنا كمن يرمي عن قوس ليس لها وتر، لأن معظم أهل الدين والسياسة اليوم يريد أن ينال شيئا من غرض الدنيا، فتراه يسعى للسلطان على عقول الناس؛ لذا استغنت الناس عنه، فتعست الأخلاق ونُكس الدين وسقط أهله من العيون. ولو أن أهل الدين زهدوا عن الحكم والتسلط على الناس، لرغب الناس في كلامهم، ولكنهم رغبوا في السلطان، فزهد الناس فيهم.
أما سنّة السلف الصالح الصحيحة فهي أن أهل العلم لا يحملون الدين إلى أهل الدنيا، ولا يفرضونه عليهم، بل على أهل الدنيا غشيان أهل العلم حين يهديهم الله إلى محجته، وإلا فهم في دوام امتحان الله. عندها، ليس من حق المؤمن أن يمنع امتحان الله لعبده؛ وهذا أيضا من الدين.

ولعله لو حرص العبد أن يكون معه في الدنيا ما يحب لنفسه في الآخرة لنبذ كل ما يفسد عليه دينه وعلى غيره مغفرة الله. لهذا ينصح أهل التصوف بأن ننزه الله أن يرانا حيث نهانا وأن يفقدنا حيث أمرنا. وتلك لعمري أفضل نصيحة يعمل بها من آمن حقا.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى ملكية فكرية خاصة