.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

(5) أخلاق المجتمع وأسباب قبحها المسكوت عنها


الاسلام

يكتبها فرحات عثمان

إن التجليات المزرية للأخلاق في المجتمع ليست فقط لانحطاطها عند العامة، بل سببها الأساسي انحطاط قدرها عند الخاصة وانعدامها تماما في تصرفات خاصة الخاصة، أي أهل الشوكة والسلطان. 

فهذه السلط تواصل إحكام قبضتها باسم فهم خاطيء للدين ينفي أبسط الحريات، رغم كل ما قيل من ضرورة احترام الدولة المدنية بتونس ومن دعوى تغيّر الحزب الإسلامي من حزب متزمت إلى حزب ديمقراطي.

ذلك لأن فكر النهضة الظلامي لا يزال يعشعش في ردهات وزاراتنا، متماديا، كأن شيئا لم يكن، في الاستغلال الفاحش للدين وتوظيفه سياسيا باسم دعوى احترام ثوابت الإسلام وطبيعة المجتمع الذي ما كان يوما محافظا بالمعنى الذي تدّعيه بعض التيارات المتزمتة المستغلة لهذه الخرافة حتى تفرض حكمها على الناس.

عودة حليمة لعادتها القديمة   

ها نحن نرى وزارة الدّاخلية تتمسك بعادة كريهة طمحنا أن تنبذها بلا رجعة إحياءً لدولة القانون في هذه البلاد. فعوض التفرّغ لما هو أهم للوطن وللعباد، أي التصدّي للإرهاب، بما فيه الذهني ومظاهره القامعة لحريات الناس الشخصية، تعلن عن صرف بعض قواها عما فيه حفظ الأمن الصحيح لمكافحة ما تسمّيه المظاهر المخلّة بالأخلاق الحميدة.

نعم، تبيّن الوزارة في إعلانها وبين ظفرين أنها تعني بذلك لعب الميسر وبيع الخمر خلسة والمخدّرات، لكنها بوضعها لثلاث نقاط بعد هذا التعداد لا تخفي نظرتها الضيّقة للأخلاق الحميدة التي من شأنها إقحام قبلة بريئة أو حق الإفطار علنا.

ثم أي خطر على الأخلاق في لعب الميسر اليوم؟ ألم تتغيّر الأوضاع منذ عهد النبي؟ أليس للأحكام المدنية في الدين أن تتغير أيضا؟ أليس ذلك ما يقتضيه ويحتّمه الدين ذاته ليبقى أزليا؟

هلا انتهت إذن سلطنا عن مثل هذه اللخبطة القيمية وكفّت عن معاملة شعبٍ، دلّل على وعيه ونضجه، وكأنه قاصر، فاقد العقل والرصانة ! إن تصرّف سلطنا المتزمّت­   – ولا تعبير آخر لفهم إعلان وزارة الداخلية الأخير،  وتسلطها على الحريات – لهو المفسدة  الحقيقية للأخلاق الحميدة!

مثلا، لماذا يكثر ببع الخمر خلسة في رمضان؟ أليس ذلك لانعدامه في المحلات التجارية وغلق المقاهي والمطاعم خارج المناطق السياحية ؟ أي خور هذا وكيف يتواصل في بلد من واجب سلطه احترام حريات مواطنيها كلها وعدم التفريق بينهم بتطبيق قوانين أصبحت لاغية لأنها من مخلفات، لا فقط العهد البائد، بل وأيضا عهد الاستعمار ؟

ليكف الساسة عن تشويه ديننا الذي تستعمله لمثل هذه الخروقات القانونية والدينية، لأن فهمها للأخلاق غير أخلاقي بالمرة كما نبينّه في هذه المقالة من باب التذكير لأنها تنفع دوما أهل الإيمان الحق.

ولأهمية الأخلاق في بداية هذا الشهر الفضيل، نخصص جزءين متتاليين لطرحنا في يومياتنا هذه، ولا شك أن ذلك مما يليق بمقام الأخلاق في أمتنا وضرورة التمسك  بها.

ذلك لأن التكلم باسم الأخلاق والتعلّق بها لا بد أن يكون على صحة وأساس متين حتى لا يصبح مطيةً لتلاعب المتلاعبين وتدجيل المدجّلين، وهم كثر هذه الأيام.

لهذا، نبدأ تذكيرنا انطلاقا من واقعنا اليومي وأحوال مجتمعنا المزرية لنواصله غدا بالتعرض لقضية الأخلاق من الزواية النظرية، لعل في ذلك الخير والبركة لعودة الوعي لمن يدّعي المنافحة عن الأخلاق وهو ينسفها نسفا من أساسها.

ماهية الأخلاق الحميدة؟

لنبدأ بتبيان سريع لماهية الأخلاق الحميدة وصفتها في الإسلام قبل التوسع في ذلك لاحقا. فباديء ذي بدء، لا أحد ينكر ضرورة علوية الأخلاق الحميدة في القانون والمجتمع؛ بل وفي السياسة!

ذلك لأن الأخلاق أساسية لصحة الجسم الإجتماعي، وهي قيم ثابتة في روحها ومثل عليا في أهدافها وغاياتها، صالحة للإنسان في كل زمان ومكان بصرف النظر عن جنسه ونوعه ومكانه وزمانه.

فهي، وإن كان مصدرها الوحي في الإسلام، لا تتعارض مع العقل البشري وما يتفق عليه الناس في مجتمعهم وعرفهم، لذلك هي غير متغيرة في لبها وروحها، من ناحية، لكنها دوما متأقلمة مع المجتمع، متطورة مع مقتضيات العصر ومستجدات الطبيعة البشرية، من ناحية أخرى.

إن الأخلاق عنوان الشعوب، حثّت عليها جميع الأديان، ونادى بها المصلحون، إذ هي أساس الحضارة؛ وفي ذلك يقول أحمد شوقي :

وإِنَّمَـا الأُمَـمُ الأَخْـلاقُ مَا بَقِيَـتْ |  فَـإِنْ هُمُ ذَهَبَـتْ أَخْـلاقُهُمْ ذَهَبُـوا

لعل أول الأخلاق الحميدة تزكية النفس عن التكبّر والاعتداد بالذات، كأن نعتبر شخصنا أعلى وأكبر من شخص غيرنا؛ فهذا لا يكون من الصحة بمكان إلا إذا كنا من الأتقياء. ولا شك أن التقوى، وقد سبق أن بيّنا معناها الإسلامي، هي أولا وقبل كل شيء احترام الآخر، حتى وإن كان كافرا في عرفنا، مع العمل بمكارم الأخلاق حتى نكون له القدوة المثلى.

ولا يكون هذا إلا في جو من الحرية التامة بدون تحريم تصرّف أو تجريم رأي هما من باب الحريات العامة التي يؤمن به كل هذا العالم المتطور الذي يحيط بنا، خاصة في مجال الحياة الخصوصية.

صفة الأخلاق الحميدة الإسلامية

إن تعالي الإسلام في مبادئه وتساميه في مقاصده يجعلانه لا محالة الدين القيم، خاتم الأديان؛ لذلك فهو فوق كل شيء، لكونه مَحط القلوب السليمة لأجل تعاليمه السمحة التي تأخذ بمجامعها أخذا.

إلا أن الأفئدة التي فيها مرض كثرت في هذا الزمن، فأصبحت تشين الدين، وتضيره بظلمه وظلم ذاتها والناس، فتُبعدهم عن الدين. ولعل هذا الزور هو الامتحان الرباني للمؤمنين في صدق نواياهم وطيبة أخلاقهم؛ وبامتحان الله لخلقه يُكرم المؤمن ويُهان المرائي المنافق.

هذا مع العلم أن الأخلاق ليست حكرا على أهل الأسلام ولا على المؤمن فيه. فقد علمنا أن الله ميّز بين الإيمان والإسلام، فالأول أصحّ لما فيه من ثقافة وكونية من الثاني الذي يمتاز بجهويته وشعائره مما يحمل البعض على الخطأ في الاعتداد بالنفس والمراءات أو النفاق.

لإن كانت أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس، فهذا التعالي أخلاقي لا أخلاقوي، أي أنه ليس ازدراءً للآخر المختلف أو للمذاهب والملل غير الإسلامية؛ إذ لا يكون ذلك أبدا في دين ميزته أنه أولا وقبل كل شيء الأخلاق العليا والصفات الحميدة.

فبقدر ما ابن آدم يؤمن بعلوّ المنظومة الأخلاقية للدين، أيا كان هذا الدين، بقدر ما يقدّر أحقية الغير في الانتماء إلى أخلاقية أخرى؛ بل هو لا يرفض ما صلح منها إذا ثبت فضلها في خدمة الذات البشرية التي هي مقدّسة في ديننا.

الأخلاق الحميدة في الإسلام إذن هي أولا وقبل كل شيء أخلاق كونية تراعي الذات البشرية جمعاء وحريات المؤمن الذاتية في حياته الخصوصية وبين الناس أجمعين على اختلاف أهوائهم ومشاربهم.

وبما أن الإسلام هو الملة الصالحة لكل الأزمنة والأمكنة، فلا يصح ذلك إلا بنص جاء ثائرا على كل وضع شائن في بلاغته الحرفية وبروحه ومقاصده التي تتمّم النص. فمعجزة النص القرآني ليست فقط لبلاغته الإلاهية، بل هي أيضا وفي نفس الوقت لتأقلمه مع المحيط البشري الذي دعاه للتسليم لله.

بهذا يبقى الإسلام أزليا لدوامه متأقلما مع الأوضاع الراهنة للبشرية وذلك بالتفعيل الدائم لروح الله التي تتجلى من خلال كلامه، هذه الروح المبيّنة أن الأخلاق الحميدة في الإسلام لا يمكن إلا أن تكون ثورية لأنها جاءت لتجعل من المجتمع الإسلامي مجتمعا متطورا سابقا لزمانه. فكيف تكون اليوم، في زمن ما بعد الحداثة، الأخلاق الحميدة الإسلامية محافظة على الدوام على ثوريتها إذا لم تبق في أعلى المنظومة الأخلاقية العالمية؟

وبما أن الأخلاق في عالمنا اليوم تقتضي التمسك بمباديء سلطة الشعب وتعاليم الإناسة، وأن هذه تعني الالتزام بالمعايير الدُولية المتفق عليها كونيا في أفضل النظم البشرية، فلا مناص من الأخذ بها حتى يبقى الإسلام ثورة عالمية وتبقى الأخلاق الحميدة به تلك المنارة الأخلاقية التي تستهوي كل بني آدم فتعمل على أسلمتهم بالجنوح إلى كل ما فيه من سماحة وعلو.

أفليس الإسلام خاتم الأديان؟ أليست تعاليمه كونية وعلمية؟ فلا مناص إذن أن يكون مفهومنا للأخلاق الحميدة التي نستوحيها منه في علو كعبه وسمو قدره ! فما هي تداعياتها على المسلم ؟ لنختزلها في عجالة.

تداعيات صفة الأخلاق الإسلامية

في الإسلام الحق، لا بد أن يكون الفعل منا المثل الأعلى في مكارم الأخلاق؛ والأخلاق قول وفعل، وهي أولا وقبل كل شيء قناعة، إذ لا تُفرض الأخلاق بالقوة، بل تنبع من القلب لتتحكم في القول والتصرف بكل فاعلية، فلا يأتي بها أبدا لا القمع ولا العنف وقد تفشيا فينا فأهدرا الأخلاق في مجتمعنا.

فمن المسؤول عن تردي أخلاقنا؟ لقد أثبت العلم اليوم أن القمع الأخلاقي والعنف المادي والمعنوي يزيدان في تردي الأخلاق، إذ يعمّقان الهوة بين أصحاب السلطة والسطوة الذين يفعلون ما يشاؤون بما أنه لا تطالهم قوانينهم الجزرية. فالمجموعة عند هؤلاء كبش فداء لأفعالهم الشنيعة وتصرفاتهم التي ليس فيها من الأخلاق إلا ظاهرا باطلا منافٍ لأبسطها. لذا نرى أبناء الشعب وبناته يراوغون ويحتالون للعيش لا حسب الطبيعة التي فيهم وميولاتهم فقط، بل وأيضا اقتيادا بمن هم فعليا أسيادهم في أفعالهم القبيحة لا في مناقبهم.

إن تصرّفنا الحالي للدين و للأخلاق في بلادنا لا يؤدّي إلا إلى هدم صرحهما من الأساس بما أنه يرفض الواقع كما هو ليفرض تصرف البعض المتزمت منا ممن له نظرة ظلامية، لاتاريخية، لا علاقة لها بالواقع مع تصرفات خرقاء غير أخلاقية، سواء ظاهرا أو باطنا.

أما الظاهر، فهو رفض هؤلاء القبول بالآخر المختلف كما هو؛ ولا شك أن هذه أكبر الشناعة. ذلك لأن الله يقبل بعبده كما خلقه ليتدرج في التزكي، بينما لا يقبل به من يدّعي العمل لله. وأما الباطن، فحدّث ولا حرج عن الفضائح الأخلاقية التي تطفو من حين لآخر في زمن لم يعد يخفى فيه أي شي عن العيون.

إن الأفضل اليوم هو القبول أولا بالأمور كما هي، لأنها لا تخفى عن عين الله وإن خفيت عن عيون الناس، ثم العمل بكل الوسائل المسالمة لتحسينها بالتي هي أحسن حتى يكون عملنا أكثر نجاعة في نتائجه وللمدى الطويل بترك كل فعل لا يستند إلا على الرهبرت والنقموت، خاصة وأن ديننا رحموت كله !

هذا ما تبيّنه سنة نبينا الأكرم وصحابته، إذ كانوا لا يستنكفون قبول بذاءة أعدائهم بل واستعمالها للرد عليهم ومقاومتم رغم أنهم سعوا دوما للمثل الأصلح ومكارم الأخلاق. ولنا في ذلك بعض الكلام في اليومية التالية مستنيرين في ذلك بهدي سيد العالمين.

لنقل قبل ذلك وفي ما يلي بعض الكلام في هاجس من هواجس أهل التزمت، لعله الأفحش في نظرهم، ألا وهو هذه الدعارة وهذا الفجور الذان ينهشان مجتمعنا حسب رأيهم، وليس ذلك في حقيقة الأمر إلا بسبب تزمّتهم وتشويههم للدين.

واقع الدعارة والفجور بمجتمعنا 

في لغتنا العربية، الدعارة (بكسر وفتح الدال) والدعرة (بفتح الدال والعين) حرف من دعر (بكسر العين) دعرا (بفتحها)، يقال إذا كان الشخص يسرق ويزني ويؤذي الناس. هذا هو المعنى اللغوي المجازى الصحيح. فدعر (بكسر العين) الزند، يعني قدح به مرارارحتى يحترق من طرفه؛ من ذلك الدعر (بفتح الدال والعين) الذي يعني الفسق والخبث والخيانة والنفاق والفجور، أي ما قلناه في الدعارة.

إن لفظ الدعارة ليس من المصطلحات الفقهية، وقد أصبح فضفاضا واصطبغ بمعنى لا وجود له ضرورة في العمل المنعوت به، أي مجرد النزوة الجنسية والشهوة الشبقية. فمثلا، في علاقة جنسية بين راشدين، بالغين، لا تربطهما علاقة زوجية، سواء كانا من جنس مختلف أو جنس واحد، لا دعارة البتة ما دام الأمر يقع في خلوة بعيدا عن الأنظار وبتراضي الطرفين.

في مثل هذه العلاقة الجنسية، التي عرفها الإسلام ويعرّفها مثلا بنعت متعة الزواج، لا وجود أخلاقيا إلا للعواطف والأحاسيس والمشاعر؛ كل ما لم يمنعه ديننا الذي قدّس الحرية الشخصية ما دام ليس فيها أي اعتداء على حرية الآخر؛ وذلك لأنه لا رهبنة في الإسلام.

كذلك الشأن تماما بالنسبة لمن يتعاطى البغاء الذي لم يحرّمه الإسلام، بل منع فقط تعاطيه قسرا ودون رغبة، فكان في ذلك سبّاقا لما وصل إليه القانون الوضعي اليوم للديمقراطيات الحديثة. والسبب في هذ أنه لا وجود في مثل تلك التصرفات لما يؤسس للدعارة في مفهومها اللغوي والأخلاقي، أي السرقة أو الإذاية أو الخبث أو الخيانة أو النفاق. فهل الفجور في مجرد الحب وتعاطي الجنس وهو أساس الحياة والمودة بين الناس؟

إن تعبير الفجور يُستعمل عند الانبعاث في المعاصي والمحارم؛ إنه ركوب كل أمر قبيح؛ فاليمين الكاذبة من الفجور، مثلا. بهذا، لا يرتبط الفجور أساسا بتصرف جنسي، بل هو المعصية ما دام فيها ضرر بالغير. أما المعصية التي لا تخص إلا علاقة العبد بالله، فهي ليست فجورا في دين الإسلام، إذ هي من حرية العبد التي، إن وقع فيها الغلط والإساءة للنفس أو لله، دون المساس ببشر آخر ، لا يحاسبه عليها إلا الله، له وحده الحكم فيها وعليها، لأن العلاقة في الإسلام بين الخالق والمخلوق مباشرة، لا وساطة فيها.

هذا مع العلم أنه في حال الذنب، لله وحده أيضا، ولا لغيره، أن يعاقب، بل له أيضا أن يصفح؛ ولعل الحظ الأوفر هو الصفح منه لأن وسائل الإنابة كثيرة متعدّدة في دين الإسلام حيث يبقى العقاب إستثناءً. بهذا امتاز الإسلام عن اليهودية، إذ الله فيه مثال الرحمة والمغفرة، لا رب النقمة، كما تريده سلفية الأكاذيب عندنا التي لا تأخد إلا بما رسب في الإسلام من دين يهود، ما سُمّي بالإسرائيليات التي نتحدث عنها إن شاء الله قادمًا.

إننا اليوم في أخذنا بالإسلام ، تماما كأهل التزمت السلفي، حرّفنا المفاهيم وجعلنا ديننا رهبنة، تماهيا في ذلك مع الفهم الإسرائيلي للإسلام الذي تغلغل في أدمغة فقهائنا القدامى، وكان أغلبهم من الموالي، خاصة في القراءة الحرفية للدين التي مسخت كل ما فيه من سماحة وعلمية وعالمية.

فلإن تبيّنا حال الدعارة في مجتمعنا، نجدها أولا وقبل كل شيء تصرفات عادية لوضع غير عادي يتميّز بظلم اقتصادي صارخ يدفع بالعبد إلى التصرّف بكل الوسائل لضمان الحياة له ولأهله، كهذه البغي التي لا تجد إلا مهنتها للقيام بعائلتها. هذا، ونحن نعلم جيدا أن دين الإسلام يبيح المحضورات عند الضرورة لأنه إناسي التعاليم.

لذا، يمكن القول أن الأخلاق ومكارمها هي أساسا في صدق التصرف وحسن التماهي مع الظروف التي وضع الله عبده فيها والحرص على عدم الإضرار بالغير. فهل من غير الأخلاقي أن تتعاطى البغي التي ذكرنا ما تتعاطى لتمكين طفلها مثلا من الحياة مفضلة بذلك أن تمتنع من السرقة أو الخيانة والغش أو الاعتداء على المارة كما يفعل العديد من أهل الجاه والسلطان؟ أيهما أكثر أخلاقا؟

إن الأخلاق هي الحظ الوافر من الخير والصلاح؛ ولا شك أن الخير الصحيح والصلاح الأصح هما في حسن النية وسلامة السجية. وهذان مما يميز الكثير من التصرفات التي نعتبرها غير أخلاقية في مجتمعنا بينما هي من الأخلاق بمكان.

ذلك لأنها تجعل من نزدريهم ونلومهم يقبلون بحياة مزرية وظروف عيش ضنكة، فيتأقلمون معها ويصمدون لمصاعبها دون الانحدار إلى الدعارة الحقيقية التي نرى من النخب من يتمرغ فيها بما أنه لا رقيب ولا ضمير يحاسب.

لكن لا شيء يخفى اليوم بمجتمعنا ولا شيء يغيب عن عدل الله الذي يأتي وإن أطال المهلة للتوبة والإصلاح لمن أخطأ ممن لا تطاله يد العدالة البشرية.

الدعارة والفجور في النخب قبل المجتمع

موطن الداء بمجتمعنا، والحال نفسها بكل البلاد العربية الإسلامية، هو هذه الدعارة التي تكمن في أنفس مريضة وأدمغة أصحابها لا تعمل إلا فجورا لخدمة ما فيها من حبٍ للّذات وانغماسٍ في الشهوات. لهذا نرى العديد يتسربلون برداء الأخلاق لنسفها حتى تبقى الأمور على حالها، مرتعا لذوي الجاه والسلطان الذين لا تحكم تصرفاتهم إلا الأهواء والنزغات.

الدعارة غير الأخلاقية هي مجرّد عرض من مرض مزمن عند النخبة النافذة في المجتمع التي لا علاقة لها بواقع الشعب ومعاناته اليومية، إذ همها استغلال الدين باسم خدمته. فما يُسمّى دعارة في الخطاب الرسمي ليس إلا هذا العرض لذلك المرض المزمن الذي لا يخص المجتمع وحده في جموعه الكادحة، بل أساسا من في نخبه ممن له النفوذ للعمل على تغيير الأوضاع والتخفيف على الأقل من حدة المساويء المجتمعية، لكنه لا يفعل لأن في ذلك الاضمحلال لامتيازاته. وهي أيضا متواجدة وبحدة في من يدعم تلك النخب من ذوي الفكر وفرسان القلم والإعلام الذين هم في الحقيقية ضحايا مازوخيين، يستحلون المرض لأن  فيه صحتهم.

إن أغلب هذه الصفوة من النخب الماسكة بمقاليد الحكم تتخذ من دعوى فساد أبناء وبنات المجتمع، من ناحية، وحيلة المحافظة لدى هذا الأخير، من ناحية أخرى، رغم تناقض الإثنين، تعلّة حتى لا تعمل على تحرير الشعب من القيود التي تكبّل حرياته، مما يزيد في إفساد المجتمع.

فهي تدّعي مثلا أنه لا دواء لما أفسده الدهر، وذلك بلا شك لا يخص إلا صفوة الخاصة التي بيدها الحل والعقد، إذ أنها إذا أرادت غيّرت ما بها فيتغير الحال العام لا محالة؛ فكما لا يغيّر الله ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسم، لا يتغيّر حال المجتمع حتى يغيّر ساسته أنفسهم.

إن الشعب ليقتدي اليوم أكثر من أي وقت مضى بمن يسوسه ومن يستغل كل الوسائل، خاصة الدينية منها، للتحكم في رقاب الناس وظلمهم بقوانين جائرة وتصرفات خسيسة، هذه القوانين التي تحمل الغوغاء على التحيل لأجل البقاء قيد الحياة ورعاية مصالحها ومصالح عيالها.

لا شك إذن أن تصرف النخبة التي لا رقيب لها ولا نذير لهو أكثر خطرا على البلاد من الدعارة المزعومة للشعب. فهذه الأخيرة لها أسباب ومسببات إقتصادية وقانوية، منها النير المجحف الذي يرزح الناس تحته والذي يحملهم على التصرف بأي وسيلة كانت للعيش.

أما الأولى، فهي الدعارة الحقيقية، تلك التي فيها الإضرار بالغير وإهدار الصالح العالم، خاصة وأن النخبة مسؤولة عنه مبدئيا. هذا دون الكلام عن خطر الانزلاق لمهاوي الإرهاب، لأجل الفقر، من ناحية العامة، ولأجل الإرهاب الذهني من ناحية الخاصة.

ضرورة الخلاص من قبحنا الذهني

إن الحقيقة التي لا مراء فيها اليوم هي أن دعارة الرعاع أقل خطرا من دعارة نخبه. فقد بيّنت أغلب الدراسات السوسيولوجة التي اهتمّت بهذه الظاهرة في الشعب أن جذورها الحقيقية هي المرض العضال الذي تعاني منه صفوة الناس، فمنه دعارة المجتمع كله، ولا مجال للقضاء عليها إلا بالانتهاء من الأولى التي تستلزم الدواء الناجع.

وهذا لا يتأتى إلا بالكشف والتعرية، الشيء الذي لا تريدة النخبة الحاكمة لأن فيه تعرية لمساوئها وكشفٍ لكل التجاوزات التي تسمح به لنفسها للإبقاء على نفوذها وحماية مصالحها الضيّقة ومصالح من يرعى مصالحها من أهل النفوذ بعالمنا المعولم.

إن مرض الدعارة يتوجب البداية بمعالجته عند النخب حتى يستقيم الحال بعدها بعض الشيء بالمجتمع. ففي حال القرح، لا بد من تنظيف الجرح وتطهيره قبل المرور لمداواته. وبالنسبة للمجتمعات، لا يتم ذلك إلا برفع القوانين الجائرة التي تمكّن الساسة من إحكام قبضتها على جموع الشعب خدمة لذاتها لا لأخلاق أو لدين.

ومن هذه القوانين كل ما يخص رمضان كمنع الإفطار علنا أو حق فتح  المقاهي نهارا باسم الدين أو احترام خاصية محافظة ليست في المجتمع بل في قلة قليلة منه وفي الحكام، وبالأخص المنتفعين بتلك القوانين.

تلك القوانين لا تخدم إلا مصالح من يحكم البلاد حتى يبقى المجال مفتوحا للتحكم في شعبها بحصره في بوتقة التخلف وانعدام الأخلاق. فمتى كانت الأخلاق التحفظ عما يميّز الواقع من مساويء؛ أليست هي في الاعتراف بها حتى نقاومها بجدية وفاعلية؟ هل بإمكان الطبيب معالجة العلة إذا لم يسأل مريضه عن أسبابها ومسبباتها ثم يكشف عن بدنه ويفحصه فحصا دقيقا للتثبت من صحة تخمينه وإثباته علميا؟

إنه لا فائدة للتصدّي لما في مجتمعنا من عيوب بانتقاد الواقع المعاش عوض القبول به كما هو دون زخرف أو تمويه مع تجاهل أسباب ذلك، أي انعدام حرية التصرف للشعب نظرا للقوانين المجحفة. فبهذا نقبل بأقبح ما في المجتمع من سوء أخلاق وفساد دين، ونشجّع عليه؛ والشناعة في قبول الأسباب غير الأخلاقية من طرف من يدّعي التحمس للفضيلة والأخلاق الحميدة  دون العمل على إزالتها، قابلا بها ضمنيا، إذا لم يمارسها في الخفاء رغم الاستنكار العلني.

إن الدين أبدا هو كلمة السواء، وهي اليوم في القبول بما نجده بمجتمعنا على حاله، لأن ذلك مما أراده الله فيه، وهل راد لقضاء الله؟ وبعد أن يتم التعرّف على الواقع كما هو دون أي رفض، يأتي دور النيات الطيبة حقيقة لتعمل على إصلاحه، تماما كما يفعل الطبيب لا كما يدّعي الدجّال فعله.




أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *