.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

مفهوم الدولة المدنية بتونس


تونس الثورة

 بقلم فرحات عثمان 

إن مبدأ مدنية الدولة مما كرسه الدستور مع التنصيص على المرجعية الإسلامية بتونس.

ورغم أن البعض من أهل القانون والدين يرون تناقضا في مثل هذا التأليف، بديهي أن الدين والدولة في الإسلام صنوان، إذ الإسلام، خلافا لليهودية والمسيحية، دين ودولة، فهو وحدة روحانية ثنائية أو وحدانية unicité وليس هو أحدية أو واحدية  unité.

لذا، فمفهوم الدولة المدنية إسلامي بطبعه، تماما كأي آدمي هو بطبعه مدني. إلا أن العديد يفهمه غلطا فيذهب به ذلك إلى تأييد لبعض التصرفات الخرقاء التي تظلم الدين والدستور معا. مثال ذلك تثمين الدعوة الأخيرة من طرف السلطات التونسية إلى صلاة الاستسقاء أو بث الآذان على موجات القنوات الإعلامية العمومية أو ذلك الخرق السافر للدستور وللدين في عقر المؤسسة الساهرة مبدئيا على احترامهما، ألا وهو قطع جلسات مجلس النواب لإقام الصلاة.

ما من شك أن كل هذا مما يخالف مفهوم الدولة المدنية وبالتالي يناقض الدستور نصا وروحا كما يسيء للإسلام في أفضل ما فيه، وهو تأليفه بين الدين والدنيا بموافقة بين مختلفين، أي المجال العام والخاص، موافقة تناغم لا نشاز.

مدنية الدولة إرث بشري تليد :

إن البشر مدنيون ما داموا لا يعيشون إلا جماعات، وليس ذلك بمعنى التخلق بطباع أهل المدن والعمران، بل إشارة للانتقال من الهمجية إلى حالة الأنس، أي العيش الآمن مع بني الإنسان؛ ولا شك أن هذا لا تختص به المدن وحدها، إذ هي أيضا حال القرى، بل وحتى ما يميّز أهل الوبر، البدو الرحل، رغم ما شاع من مناقضة المدينة للقرية وجعل أهل المدر نقيض أهل الوبر.

مثل هذه المقولة انتهت صلوحيتها إذ العمران بشري قبل أن يكون بناء وتمصيرا؛ فكم من قبائل هدمت مدنا وبنت حضارات، وكم من حضارات متمدنة توحشت فيها الأخلاق وتهيجت، فصارت الحياة بها أعتى وأوحش من واقع الصحاري والأدغال !

لذا، مدنية الدولة أو الدولة المدنية في الإسلام هي أولا وقبل كل شيء في العمران الذي لا يجب قصر فهمه في البنيان بل اعتبار أنه كل ما يُعمر به البلد فتحسن حاله، لا فقط من كثرة الأهالي وتجميع الأعنال أو التمدن، وإن كان ذلك صحيحا، بل أيضا وخاصة في التكاتف والتناصر والتحابب والتآخي، أي كل ما يزخر به ديننا من تعاليم ومكارم أخلاق. فهو الحضارة والتقدم؛ فهل أفضل من التقدم الأخلاقي؛ أليست الأمم هي الأخلاق؟

مدنية الدولة الإسلامية في فصل الخاص عن العام :         

بهذا يمكن فهم مدنية الدولة الإسلامية على حق، أي أنها الدولة، مدنية كانت أو بدوية، بالمعنى العمراني القديم؛ ولا شك أن الإسلام، رغم استقراره بالمدينة ثم بدمشق وبغداد بقي بدويا، خاصة في عهد الإمبراطورية الأموية، لطبيعة القبائل العربية. ورغم ذلك، فقد كانت هذه الأخيرة النواة لجعل دين الأعراب هذا الدين الحضاري العالمي المنتشر بكل أصقاع المعمورة.

الدولة الإسلامية المدنية إذن تعني الاعتراف بمجالين متساويين، هما صنوان : المجال الديني والمجال المدني، الأول يختص بالدين ويخص وحده؛ فيه العلاقة مباشرة بين الله وعبده، لا دخل لأحد بينهما، إذ لا كنيسة ولا كهانة في الإسلام؛ ولا حتى مرجعية إمامية كما نراه عن الشيعة، وهو من الخطأ التشريعي الفاحش.

أما المجال الثاني، فهو المجال المدني أي العمومي، مجال المعاملات، وهو الذي يخص شؤون الحياة العمومية حسب ظروفها الآنية وتطوراتها وتداول النواميس والأعراف بها؛ ولا دخل للدين فيها وإلا فقد قداسته فمسه ما يمس أمور الحياة الدنيا من خساسة وفساد. ولا شك أن ذلك ما رأيناه طوال التاريخ الإسلامي حين أصبحت ذمم البعض من رجال الد ين، بما فيهم عددا من كبار الصحابة، كأبي هريرة، تُشترى بمضيرة، أي تلك الأكلة الشهيرة في زمن المؤسس الأول للدولة الأموية. وهذا أيضا ما نشاهده اليوم، زمن الدعدشة لدين القيمة.

خلط الخاص والعام مفسدة للدين :

الواجب الأكيد لحماية الدين إذن يقتضي المفاصلية بين المدني والديني، خاصة عند صعود سدة الحكم أحزاب لها مرجعية دينية؛ فالدين للجميع، مؤمنا كان أو غير مؤمن، تماما مثل الدولة، وذلك لا يتم إلا بتعايش وتناغم تامين.

فلا ميزة في هذا المؤتلف الإسلامي بين مجالين مستقلين عن بعضهما، لا للمجال الخاص، أي الديني ولا للمجال العام، أي المدني، فهما في نفس الدرجة والأهمية؛ كما لا خلط بينهما ولا تداخل، وإلا انفصلت حبات عقد الإسلام. فبعدم الخلط بين العام والخاص كوّن الإسلام هذا العقد الفريد الذي واسطته هي التسليم بالله ومشيئته، أي أنه الواحد الأحد العارف بمصالح عباده في أمورهم الخصوصية وحرياتهم الذاتية، فلا لمخلوق أن يخلفه في ذلك.

هذا، ولنذكر أنه لم يكن لله إلا خليفة أوحد هو الرسول الأكرم. فمعلوم أن الخليفة الأول بعد الرسول كان يحرص على أن يُدعى خليفة رسول الله، وكذلك كانت البداية مع الخليفة الثاني الذي قرر اختيار لقب أمير المؤمنين عوض خليفة خليفة رسول الله حتى لا تطول التسمية. ورغم أنه لا خليفة لله بعد الرسول، فقد انتحل هذه الصفة الحكام العرب لما أصبح الملك عضوضا، ثم وصل بهم الخور إلى التجرؤ على التسمي بلقب خليفة الله في الأرض، مساوين أنفسهم هكذا بالرسول الكريم !

في ذلك ما يبيّن جليا مساويء الخلط بين الدين والسياسة إلى حد الخروج من الدين الصحيح إلى شبه دين لا يمت بصلة إلى  الإسلام، خصوصا وأن الإسرائيليات كثرت في ديننا إلى حد تشويه تعاليمه السمحة.

الخروج من اللخبطة القيمية :

إن اللخبطة القيمية الحالية التي يعيشها أهل الإسلام، وقد تدعدش اليوم إيمانهم فصار جاهلية جديدة، تقتضي تخليص إبريز الإسلام مما شانه من السياسة وذلك بالنأي بها عنه؛ ولكم رفض فقهاء أجلاء ذلك وحرصوا على عدم الاتساخ بأدران الدنيا !

فلا إسلام سياسي إلا بالمعنى السالف الذكر للمدنية الإسلامية، أي الدولة المدنية التي تفرق جليا بين مجال الدين فتحصره في الحياة الخصوصية للمؤمن حيث يحافظ على كل حرياته الخاصة لما للحياة الخصوصية من حرمة في الإسلام؛ والمجال العمومي وهو ميدان الحياة السياسية حسب مباديء سلطة الشعب بمواصفاتها العالمية.

هذا، مع العلم أن أهل المجال الخاص لهم وحدهم إمكانية الدخول للمجال العام، إذ العكس غير ممكن للسبب المذكور أعلاه، أي الرساءة للدين.

على أن لا يكون دخول الميدان العمومي من طرف أهل المجال الخاص، وهما متساويان،  إلا للإتيات فقط بالمثل الأسنى وتقمص مكارم الأخلاق، بما أن المسلم هو الذي يأخذ بها ويعمل على إتمامها، إذ تلك الرسالة النبوية في بلوغ المؤمن الخلق العظيم.

فأي عظمة من خلق لا يمد فيه المؤمن يده ولسانه على غيره ويغض به النظر عن كل ما لا يُعجبه إذ لا إكراه في الدين الذي هو حريات أساساها النية الصادقة والمثل الأعلى. فهذا هو الإسلام السلام !




أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *