.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

“الأقصى” في أسماء أعضاء الحكومة المقترحة


29 Shares
أقصى البحري كاتبة الدولة المكلفة بالموارد المائية في حكومة إلياس الفخفاخ.

في أسماء أعضاء الحكومة المقترحة لنيل ثقة المجلس النيابي اليوم الأربعاء 26 فيفري 2020 اسم استوقف الأسماع عنده، واختلفت الأقلام في كتابته بالعربية وبغيرها. وبذلك اختلف لفظه لأول نُطق به حتى لم يتيسر لبعضهم تهجئته بسهولة فضلاً عن فهم معناه ودلالته. وفي القديم قالوا إن الأسماء هي المثال الأقدم للمجتمعات التي نشأت فيها. هذا الاسم هو عقيسة، أو عقيصة بالقاف والصاد أو عاقصة، وفي ترجمة صاحبته بالفرنسية والانقليزية يكتب كالتالي: Akissa أو Akiça . ولم نعرف بخط صاحبته كيف تكتبه هي نفسها.

بقلم الدكتور المنجي الكعبي *

وذهب بنا الظن في أول الأمر الى أن يكون من بين الأسماء التاريخية المذكورة في طيات الصحف وكتب التراجم، كعاتكة ونُسيبة ونحوهما، فلم نقف عليه ولا على ما يصححه إلا ما يقرب من معنى جذره، وهو عقص. ومنه العَقْصة عند المرأة كضفيرة من شعرها، لالتواء الشعر فيه. فلم نرجّح أن يكون هذا الاسم هو بذلك المعنى وإن كانت له علاقة بالمرأة أكثر..

فاهتدينا أخيراً الى أن يكون بمعنى ولفظ (الأقصى) الاسم المعروف لثالث الحرمين الشريفين. ولم يساورنا شك في أن التلفظ به أقرب لكتابته في بعض ما وجدنا من شجرات النسب لعائلات البحري التونسية المعروفة منذ أوائل القرن الثامن عشر. وعثرنا عليه هناك باللفظ الأجنبي كما يلي Aksa، مع أسماء إخوتها الذكور الثلاث وأشهرهم عباس بحري عالم الرياضيات الكبير، المشهور عالمياً، المولود في غرة جانفي 1955 بتونس العاصمة والمتوفى في 10 جانفي 2016 بنيويورك، رحمه الله. ولا تقل شهرة عنه أخته الصغرى (أقصى) المولودة في 1956، الخبيرة الكبيرة في ميدان الفلاحة والمياه دولياً.

وهو التلفظ السليم للاسم إلا أن يكشف مضمون الولادة عن عكس ذلك.

وإنما أدانا الى هذا الاجتهاد ارتباط التسمية بأحداث عظمى يُسمى بها ويؤرخ بها، فقد كانت سنة 1956 هي سنة العدوان الثلاثي على مصر العروبة بقيادة بريطانيا وفرنسا وحليفتهما إسرائيل. وكان الأقصى مرمى مؤامرات الصهاينة في محاولاتهم المتكررة لحرقه وإزالته من الوجود. وفي الوقت نفسه كان الأقصى نفسه مهوى أفئدة التونسيين كعرب مسلمين. ولم يكن غريباً على أسرة من أهل الدين والعلم والسياسة أن تسمى ابنتها باسم المكان الأقدس في فلسطين، تخليداً لرسمه ومعناه في قلوب أبنائها وبناتها.

كرضْوى اسم علم مؤنث، وهو اسم جبل بالمدينة المنورة. وبه تسمت رضوى عاشور الشاعرة المصرية المشهورة المتزوجة من فلسطيني والدة الشاعر الكبير تميم البرغوثي.

وأسرة “أقصى” بحري من أسر الأعيان بالعاصمة ومنزلهم الكبير بين ربض باب سويقة وباب الأقواس، قريباً من منزل الرئيس قيس سعيد، قبل أن ينتقل سكناهم الى الضاحية الشمالية بالمرسى وسيدي بوسعيد في أوائل القرن العشرين. وجدهم الأعلى في تونس هو الشيخ محمد بحري بن حسين بن عبد الستار المانسي، القاضي المالكي في أوائل القرن التاسع عشر، المنحدر من قبيلة بني مانس من جبل وسلات بجهة القيروان، وكان من تلاميذ الشيخ إبراهيم الرياحي البارزين.

ومحمد الهادي بحري والد أقصى متزوج من جليلة بن عثمان. ومحمود بن عثمان والد جليلة من قادة المخازنية في دولة البايات وأمها شريفة النيفر.

ومن لطيف ما كُتب على هامش صورة أخيها الراحل عباس بحري شعر على لسان علي بن أبي طالب وهو قوله:
فقُـــم بعلــــم ولا تطـــلب به بدلاً
فالناس موتى وأهل العلم أحياءُ

ولقرابتها لأفكار الرئيس قيس سعيد في الاسم على الأقل من قضية فلسطين، لم أتردد في إسقاط الانطباع الحاصل قبل البحث بسبب نجمة داوود ذات الستة أطراف في سلسلة تتدلى على صدر المرأة في الصورة المتداولة عنها.

وكنت أخيراً في زيارة بالمدينة العتيقة بالعاصمة فمررت بالمدرسة السليمانية وعند دخولي اليها لَمحَني بعض الموجودين هناك أتأمل في رخرفة بنائها وأقواسها وأبوابها فبادرني بالإشارة اليّ للتأمل في نقش على أحد الأبواب فإذا هو شكل نجمة دواود، واستغرب الرجل لما رآه من عدم الدهشة على وجهي، ففهمت قصده فقلت له: يا أخي هذه النجمة السداسية الأطراف كانت شائعة مثلها مثل النجمة الخماسية الأطراف في كثير من زخارفنا في تونس والأندلس، ولا يعني وجودها في هذا المحل الديني، بحكم أنه في الأصل مدرسة للطلبة الزيتونيين المجاورين للجامع الأعظم أنه غاب عنهم أنه هناك للزخرفة لا غير وليس لمعناه الديني عند اليهود. ونحن مشكلتنا الحديثة مع الصهيونيين والمغتصبين لدولة فلسطين وليس مع باقي اليهود.

وذكرني ذلك بما قاله السيد الرئيس قيس سعيد رئيس الجمهورية عند قوْمته بالخيانة في وجه من تُسوّل لهم أنفسهم من السياسيين بالتطبيع مع إسرائيل، بأن اليهود كانوا عندنا في محل الجيرة والعشرة الطيبة. وذكر بأن والده حمل على عجلته الهوائية أحد اليهود ليخفيه بمنزله عن عيون المطالبين به من جنود المحور في أيام الحرب العالمية الأخيرة.

فصدقت ظني بأن تلك العلامات الدينية، وإن كانت من حقوق من يحملها لأسباب الزينة أو العقيدة، تَسْلم من كل تهمة بها على القطع بأنها من أمارات التطبيع مع الكيان الغاصب والمحتل. وإلا فما القول بمصر والأردن التي يرفرف على نيلها وعاصمتيهما علَم إسرائيل؟

فمِن ظن السوء بالناس تحميلهم على نوايا غير التي يحملونها إزاء الحقوق والحريات ليختلط الحابل بالنابل، ونُطلق اللمز بالألقاب أو التفتيش عن النفوس لاستنهاض همم المدافعين عن فلسطين والأقصى.

* باحث جامعي وبرلماني سابق.




2 تعليق على ““الأقصى” في أسماء أعضاء الحكومة المقترحة

  1. محمد التونسي

    شكرا للدكتور الكعبي على هذا البحث في نسب عائلة البحري المانسي وكل هذه التفاصيل عن جذور اسم عاقصة أو عقيصة. لكن يبدو – والله اعلم – أن الخيال الغني جدا “وبدون حدود” للدكتور فاق كل التوقعات فربط بين عقصة أو عقيصة والاقصى مستدلا بتاريخ ميلاد كاتبة الدولة للفلاحة سنة العدوان الثلاثي على مصر العروبة. أما عن القرابة بين أفكار الرئيس سعيّد وإسم كاتبة الدولة فهي من باب المبالغة في التخمين والخيال الأدبي والروائي.
    فماذا لو كان أصل الإسم “عقيصة” مجرد تصغير لكلمة العقْصة؟ ويكفي أنه إسم جميل وغير متواتر ونادر جدا.
    أما السؤال المحير فهو لماذا لم يكتفي رئيس الحكومة بمنصب وزير للفلاحة والصيد البحري (ليس هناك أي ربط مع الإسم العائلي 😄) وقرنه بكتابة دولة مكلفة بالموارد المائية في بلد ذو جغرافية محدودة ؟؟؟ أم لأنه لا يثق في شخص الوزير ؟؟؟

  2. الدكتور المنجي الكعبي

    على ذكر الأقصى في الحكومة

    بقلم الدكتور المنجي الكعبي

    أداء اليمين عند تولي المهام العامة يخضع عادة الى ضوابط ومثله في المناسبات الرسمية والأعياد التي يحترم فيها المرء اللباس المتعين على كل صنف من الأصناف المشاركة فيها التقيد به.
    ولفت نظري في موكب أداء اليمين أمام السيد رئيس الجمهورية من طرف أعضاء الحكومة، أن الأداء غير جماعي كما في مجلس نواب الشعب، وإلا لما كنا شاهدنا الخطأ في اليد وفي اللسان، لأننا رأينا مثلاً رئيس الحكومة السيد إلياس الفخفاخ أخطأ أربعة أخطاء لغوية في جملة من خمس عبارات. وأن وزيرة الشؤون الثقافية السيدة شيراز العتيري التي تكسر كل ما ينصب من عبارات القسم ولم تحسنه كما أحسنتها السيدة كاتبة الدولة للموارد المائية الآنسة أقصى البحري، وإن انفردت هذه عن بقية سيدات الحكومة بارتداء شال كشال اليهود بخطوطه وبألوانه المعهودة للمرأة في المناسبات الدينية، وإن كانت كما بينا في تصحيح اسمها باجتهاد منا وبالرجوع الى شجرة أنساب آل البحري هو (أقصى) كرضوى، وليس عاقصة أو عقيصة، أو عاكسة كما تَلفّظ به أول مرة السيد رئيس الحكومة عند اقتراحها يوم إعلان الحكومة.
    ولم يراع البروتوكول عند المناداة عليها لأداء القسم إلا بالاسم (عاقصة) الذي ربما بقيت تصر على تسمية نفسها به للشهرة بتلفظه أو رسمه بالطريقة التي رأتها له في سائر حياتها المهنية وفي الخارج، لأننا لم نعرف رفضاً له أو تشكيكاً في مطابقته لمضمون ولادتها، في أي رد على مقالنا الذي نشرناه في صفحتنا المفتوحة للعموم في التواصل الأجتماعي وفي عدة جرائد إلكترونية ونقلته عن مصدره عدة مواقع إخبارية وراسلنا به رئاسة الجمهورية في موقعها للتواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية.
    وخشينا وقتها أن يكون تقديرنا لطرد العلاقة بينها وبين صورتها المتداولة بالحلي الذي يطوق عنقها وتتدلى منه على صدرها ما يشبه في شكله النجمة اليهودية السداسية الأطراف، هو تأكيد للزينة والقيمة الثمينة لا للرمزية الدينية. فهل يمكننا الحمل عليه كذلك بالنسبة للشال الذي وضعته على رأسها كغطاء إسلامي عند القسم على القرآن الكريم؟
    وخاب ظننا في المكلفة الإعلامية بالرئاسة، أن تلفتنا الى غير حرجها من قرابة في الحكومة باللقب أن يكون ذلك من تحت راسها كما يقال، لأن دعوتها للتحقق من دعواها بعدم القرابة تنفيه بالعكس الشجرة الموثوقة التي أشارت اليها على موقع أنساب في الانترنت، بالصلة في الجد الأعلى قبل التفرع الى جدها من أصحاب الحرف وجد غيرها من الملقبين بنفس اللقب من شيوخ الدين.
    هذا وكل عهد من عهودنا في الحكم إلا واتسم بتغيير في الشارة والزي الرسمي وفي الألقاب، فقد أسقط مثلاً الحكم الجمهوري اللباس الشبيه بالعسكري للمدنيين المتولين للوزارة في المملكة واحتفظ به فقط للولاة والمعتمدين. واتخذ بورقيبة في الصورة الرسمية المتداولة لحكمه هيئة تشبه هيئة رئيس الجمهورية الفرنسية في النظام المعاصر له.
    وربما يضبط لأداء القسم ضوابط جديدة حتى لا تتكرر المفاجآت به في مثل هذه المناسبات التي مرت بنا بعد الثورة.
    ولم نر الرئيس قيس سعيد كالمخلوع عندما تولى، إذ بادر بتقليد صورة الرئيس بورقيبة الرسمية، وعممها على المؤسسات الحكومية، حتى أنه للسرعة التي أنجزها بها أخطأ في صورة العلم الى جانبه، فبدا نجمه مقلوباً، فجاء طرفه المتوسط بين طرفي الهلال على غير الأصل في وضعه، كالنجم في العلم الجزائري، لأن التآخي بين العلمين قائم من هذا الجانب. الأمر الذي جعله يأذن عندما تفطن اليه بعد وقت طويل الى إصدار قانون سنة ١٩٩٩ لضبط أوصاف العلم ليطابق تماماً العلم الخاطئ في الصورة الرسمية له. دون أن يراعي تاريخ العلم والشهداء الذين توفوا وهو على صدورهم أو تحمله سواعدهم، ولكن بدعوى التصحيح لما هو رائج من أخطاء في رسمه حتى لا يكشف عن تسرعه باغتصاب السلطة بدستور تأوّلَ فصوله كما يريد وعدّل قوانينه كما يريد، حتى أنه وجه بالوثيقة الطبية التي تشرع للعجز باللغة الفرنسية وليس باللغة العربية كما يقتضي الدستور، ولكن دون اعتراض أحد من النواب ولا انتباه من رئيس المجلس.
    ومر هذا القانون على السمع والبصر دون أن يحرك من وجّهنا اليهم من الرسميين في أول الثورة رسائل لتدارك هذا التزييف في العلم.
    وكنا كتبنا في حينه عن هذين الأمرين ولكن كما يقول لي بعض المخلصين إنه لو يقرأ لك المسؤولون ما تكتبه لكنت في محنة منذ وقت بعيد. ولكن الرسميين في تونس لا يقرؤون لك وحتى إن بلغهم علم بما تكتب يتجاهلونك ويرون ذلك أسلم، لما تركته من أثر في حياتك النيابية وفي اللجنة المركزية بكتابيك المنشورين وغيرهما من منشوراتك السياسية الأخرى.
    وهذه ملاحظات لا تقلل من تقاليدنا في أن أهل السلطة على دين ملوكهم، ولو كانت الشخصيات المختارة ليست مناسبة لتوجهاتهم ورؤاهم واستراتيجاتهم كما نقول اليوم لتعذر عليهم الحكم بما تقتضيه أهداف دولتهم ومباديها المؤسسة عليها. فالثقة العليا أو البيعة هي المعطاة لهم وليست المعطاة لمن دونهم في المسؤولية.
    تونس في ٤ مارس ٢٠٢٠

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى ملكية فكرية خاصة