.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

تونس : قراءة في مشروع قانون حقوق المرضى


تمّ بتاريخ 15 جانفي 2020 التّصويت على إرجاع مشروع القانون الأساسي عدد 41/2019 (1) إلى لجنة الصّحّة والشّؤون الاجتماعيّة. وقد قامت هذه الأخيرة بعديد جلسات الاجتماعات لعديد الأطراف (2) خلال الأسبوع المنقضي. الأمر الذّي يستخلص منه وجود عديد الهنات والثّغرات القانونيّة صلب مشروع القانون آنف الذّكر.

بقلم نجيبة دبّاش *

من الملاحظ أنّ مشروع القانون المتعلّق بحقوق المرضى والمسؤوليّة الطّبّية مشروعا غير واضح المعالم (1) ولا ينبني على أسس دقيقة (2).

لئن كان مشروع القانون يحمل في عنوانه عبارة المسؤوليّة الطّبّية فهو لم يتناولها بتعريف واضح ودقيق وتمّ فيه الإكتفاء فقط بتعريف مقتضب لكل من الخطأ الطّبّي (3) والحادث الطّبّي (4). والملاحظ أنّ تعريف كلا المصطلحين فيهما من الهنات الكثير.

فالخطأ الطّبي وردت عبارته فضفاضة إذ كان من الممكن تقديم تعريف خاص بالخطأ التّقني والخطأ المرتبط بالحالات الواجب فيها تحقيق نتيجة والخطأ المرتبط بوضعيّات بذل مجهود مثلما أقدم عليه المشرّع الفرنسي (5). حتّى أنّه بالإمكان وضع تعريف خاص بالخطأ التّضامني في حالة التّدخّلات الجراحيّة.

هذا بالإضافة إلى التّعريف المقصور الذّي تمّ فيه التّعرّض للحادث الطّبّي الذّي لم يقدّم ولو بعض الأمثلة عن حالات الحادث الطّبي الذّي يتميّز في جوهره بعدم الوضوح. فالحادث الطّبي الذّي من واجب الدّولة التّعويض عنه مثل حادثة الرّضّع بنابل أو بمستشفى الولادات وسيلة بتونس (إن ثبت التّقصير) أو مثل حادثة الحافلة (إن ثبت عدم تقصير السّائق) أي بصفة أوضح كل حادث جماعي مجهول السّبب ونال من الحياة البشريّة. فالدّولة هي الوحيدة التّي بإمكانها الخوض والكشف عن ملابسات ذات طابع احتمالي وغير مؤكّد مثلما سبق بيانه. فالحوادث الطّبّية (على عكس الأخطاء الطّبّية) تكتسي طابعا احتماليّا وبالتّالي لا يمكن تحديد طبيعتها القانونيّة ولا يمكّن من إيجاد أساس قانوني سليم لمسؤوليّة الأطبّاء والمؤسسّسات الاستشفائيّة. فالطّابع الاحتمالي يرتكز في جوهره على عدم اليقين والشّكّ وهو ما يتسبّب في تعذّر المطالبة بالتّعويض خاصّة وأنّ القضاء أو الاختبار الطّبّي يمثلان للجانب العملي والفنّي والتّطبيقي للتّأكّد من ثبات شروط تحقيق الضّرر.

إنّ مشروع القانون المطروح من المنشود أن يتمّ فيه حماية حقوق المرضى الذّي يمثّل حقّا دستوريّا يكفله كلّ من الفصلين 23 (6) و38 من الدّستور(7)، يجب أن يتمّ طبقا لمقتضيات النّزاهة والنّجاعة والمساءلة (8). غير أنّ التّمعّن في التّعريفات الواردة فيه قد يحنو بنا إلى استنتاج حماية الأطبّاء أكثر منه حماية حقوق المرضى. وهو أمر لا يستقيم البتّة على اعتبار وأنّ المرضى هي الفئة الضّعيفة والهشّة التّي من واجب المشرّع حمايتها.

ومن الملاحظ أيضا أنّ مشروع القانون لا ينبني على أسس دقيقة ذلك على اعتبار احتكار هياكل وزارة الصحّة لصندوق التّعويض عن أضرار العلاج (9). فكيف تكون وزارة الصّحّة هي الطّرف والحكم في الآن نفسه ? أليس ذلك تجنّيا على المرضى وهضما لحقوقهم? أليس في ذلك تضاربا للمصالح?

فمن الصّالح إذا العمل على تشريك كل من شركات التّأمين في التّعويض عن الأخطاء الطّبيّة وبعث دوائر قضائيّة مختصّة للبتّ في القضايا المتعلّقة بالتّعويض عن الأضرار النّاتجة عن العلاج. وهو ما كرّسه التّشريع الفرنسي (10).

* باحثة في القانون العام.

هوامش :

1- مشروع قانون أساسي يتعلّق بحقوق المرضى والمسؤولية الطبية.
2- الإتحاد العام التونسي للشغل، جمعيّة القضاة، الجامعة التّونسيّة لشركات التّأمين.
3- عرّفه الفصل 3 من مشروع القانون بأنّه كل إخلال غير قصدي من مهني الصحة بالتزامه ببذل العناية الواجبة طبقا للأصول والقواعد العلمية المتعارف عليها ووفقا للوسائل المتاحة له في حدود وظيفته وتخصّصه ومؤهّلاته ينتج عنه إلحاق أضرار بالمريض.
4- عرّفه الفصل 3 من مشروع القانون بأنّه كل طارئ طبي يقع بمناسبة تقديم خدمة صحية ويلحق ضررا غيرعادي بالمريض في غياب كلّ خطأ.
5- المتعلّق بحماية الدّولة لحرمة الجسد.
الذّي ينصّ على أنّ الصحّة حق لكل إنسان -6
7- حسب ما يكفله الفصل 15 من الدّستور.
9- تنظمه الفصول من 30 إلى 36 من مشروع القانون
10- كرّس المشرع الفرنسي نظاما مزدوجا للتعويض يقضي بوجود الدّولة وشركات التأمين ويكون البت في القضايا من اختصاص القضاء.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى ملكية فكرية خاصة