.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

للتأمل فقط : إحذروا ثورة أصحاب “البطون الخاوية” !


من أعلى إلى أسفل و من اليمين إلى اليسار: ثورات 14 جانفي 2011 و26 جانفي 1978 و 3جانفي 1983.

إن التغني، تباهيا، بأن تونس بلاد ديمقراطية وتمارس الحرية، على ما في هذا التباهي من مغالطة وتضخيم، لا ينفع الفقراء والمعوزين والجياع في شيء لأن البطون الخاوية لا تكترث بمثل هذه ” الكماليات” خاصة وقد إشتعلت الأضواء الحمراء وأصبحت الدولة غير قادرة على تأمين جرايات موظفيها ومعاشات متقاعديها وتصاعدت نسب الذين يعانون من الفقر وما تحت الفقر.

بقلم مصطفى عطية

إن جل الثورات والإنتفاضات التي شهدتها تونس عبر تاريخها الطويل كانت بسبب الفقر والحرمان والظلم والجوع حتى وإن ارتدت جلباب الدين أو الإنتماء الطائفي والإيديولوجي ( ثورة صاحب الحمار، ثورة علي بن غذاهم، ثورة الساحل، إنتفاضة جانفي 1978، إنتفاضة الخبز جانفي 1984…).

ظاهرة الفقر الزاحف أخطر أزمة تعترض البلاد

تذكرت هذه الحقايق التاريخية وعدت معاينا حيثياتها إثر إستماعي أخير إلى شخصية في السلطة تؤكد أن “المواطنين الذين يصنفون في خانة الطبقة الوسطى هم الذين لا تقل مرتباتهم عن ثلاثة آلاف دينار !” بمعنى أن تسعين بالمائة أو أكثر من التونسيين فقراء!

هي حقيقة مرة وجارحة لا شك في ذلك، ومن هذا المنظور يمكن إعتبار ظاهرة الفقر الزاحف في بلادنا، بسرعة وشراسة كبيرتين، أخطر أزمة تعترض البلاد في هذه المرحلة الحاسمة والدقيقة والحرجة من مسيرتها، خاصة وأن تردي الأوضاع الإقليمية وتواصل الحرب الأهلية في ليبيا وكثافة التدخلات الأجنبية في إضرام لهيبها وما تداعى وسيتداعى عن ذلك من مشاكل إرتدادية على بلادنا زاد في تعميق أزمة الفقر المتفاقمة بشكل مزعج.

التجربة الرائدة للزعيم الحبيب بورقيبة

لا بد من التذكير في هذا السياق بأن الزعيم الحبيب بورقيبة ورفاقه من بناة الدولة الحديثة كانوا قد جعلوا من محاربة الفقر، منذ الأيام الأولى التي تلت إستقلال البلاد، “الجهاد الأكبر”، فوضعوا للغرض خططا آنية عاجلة وأخرى آجلة وأكثر تفاصيل، وآليات تنفيذ ومتابعة ومراقبة وتقييم، حتى تحققت نجاحات باهرة نوهت بها المنظمات الأممية المختصة، ثم واصل الوزير الأول الهادي نويرة، المصلح الإجتماعي والإقتصادي، محاربة آفة الفقر بٱستنباط وسائل وطرق وأساليب أخرى أثبتت فاعليتها وتبنت تطبيقها العديد من بلدان العالم الثالث في إفريقيا وآسيا بالخصوص، وأصبحت التجربة التونسية في هذا المجال مثالا يقتدى به، لتتواصل عبر آليات جديدة في أواخر الثمانينات وطيلة تسعينات القرن الماضي ولم تتعثر وتفقد زخمها تدريجا إلا قبل سنوات قليلة من سقوط النظام السابق.

أردنا التذكير بهذه الحقائق للتأكيد على أهمية وفاعلية التجربة التونسية في مكافحة آفة الفقر، بمعنى أن الحكومة القادمة لن تكون هي الحكومة الأولى في تاريخ بلادنا منذ الإستقلال التي تجد نفسها في مواجهة أزمة مالية وٱقتصادية وٱجتماعية خطيرة، فبعد حكومة الإستقلال، التي أطلقت على عمليتها عنوان “الجهاد الأكبر”، كما ذكرنا آنفا، وحكومة الهادي نويرة التي ورثت في الثاني من شهر نوفمبر 1970 وضعا كارثيا على جميع المستويات بعد الفشل الذريع لتجربة التعاضد، كان قدر حكومة زين العابدين بن علي أن تواجه نفس الآفة بعد وصول البلاد إلى حافة الإفلاس مع مطلع النصف الثاني من الثمانينات.

الفقر والإرهاب توأمان لا ينفصلان

كل هذا الإرث الهائل من التجارب في مواجهة أزمات الفقر في البلاد موجود على ذمة حكومة “الوحدة الوطنية” ويمكن لها أن تستفيد منه، خاصة وأن الكثير من الكفاءات الوطنية، التي ساهمت من موقع القرار والتخطيط والتنفيذ، في إنجاح تلك التجارب مازالت موجودة وقادرة على الإضافة.

إن كل ما يطلبه التونسيون الآن، وقبل الحرية المنفلتة وديمقراطية الواجهات، هو أن تجد الحكومة القادمة الجرأة الكافية للإستئناس بالتجارب المتراكمة على امتداد ستة عقود والإستنارة بمعارف الكفاءات الوطنية التي ساهمت في ذلك وٱتخاذ القرارات “القيصرية المؤلمة” للحد من إتساع هذه الآفة، لأن تحقيق الأمن والإستقرار في البلاد وتأمين نمو الحرية والديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان مرتبط إرتباطا عضويا بالنجاح في محاربة الفقر، ثم لا ننسى أن الفقر والإرهاب توأمان لا ينفصلان، إذ كلما إتسعت مساحات الفقر والإحتياج والتهميش إلا وتعددت بؤر التطرف والتشدد والتمرد والإرهاب.

لا يمكن مقاومة الإرهاب بنجاح دون إيجاد حلول ناجعة للحد من ظاهرة الفقر والقضاء عليها لأن الحلول الأمنية وحدها لا تكفي، وقد أثبت التجارب ذلك في كل الأمكنة التي أبتليت بالإرهاب.

كل المؤشرات في الأحمر !

إن المسألة أصبحت على غاية من الخطورة بعد أن إشتعلت الأضواء الحمراء وأصبحت الدولة غير قادرة على تأمين جرايات موظفيها ومعاشات متقاعديها وتصاعدت نسب الذين يعانون من الفقر وما تحت الفقر، إلى أرقام قياسية لم تعهدها بلادنا منذ ثلاثة عقود على الأقل وهو ما من شأنه أن يزيد في تأزيم الأوضاع الإجتماعية وإنتشار ظاهرة التحيل والتهريب وإرتكاب الجرائم بكل أنواعها بما فيها الإرهاب، فالتغني، تباهيا، بأن بلادنا ديمقراطية وتمارس الحرية، على ما في هذا التباهي من مغالطة وتضخيم، لا ينفع الفقراء والمعوزين والجياع في شيء لأن البطون الخاوية لا تكترث بمثل هذه ” الكماليات” !

* صحفي وكاتب.

مقالات لنفس الكاتب بأنباء تونس :




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى ملكية فكرية خاصة