.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

الدّورة الأولى للمهرجان الوطني للمسرح التّونسي: عروض متميّزة لعشّاق المسرح (صور)


احتضن فضاء التياترو مساء الاثنين 11 نوفمبر 2019 عرضا في إطار الدورة الأولى للمهرجان الوطني للمسرح التونسي حمل عنوان “تعارف” أخرجه غسان حفصية واقتبسه عن نص “إله المجزرة” للكاتبة الفرنسية من أصول ايرانيّة ياسمينا رضا وقام بأدواره ليلى يوسفي وزياد عيادي وعصام عياري وأميرة خليفي.

أربع شخصيات تتناقش من وراء ستار شفاف تتناقش بتوتر حول صياغة بلاغ أو محضر موضوعه اعتداء طفل على زميله في المدرسة… تتقدم الشخصيات إلى الركح ويتضح أنهم أولياء الطفلين قرّرا التعارف والنقاش بطريقة حضارية لمحاولة وضع حدّ لهذا العنف وبحث إمكانية للصلح بين الولدين (المعتدي والمعتدى عليه)…المعتدي “ياسين” والده سفيان محام نعرف أنه غير نزيه من فحوى المكالمات التي يجريها خلال اللقاء ووالدته أنيسة مستشارة في مجال المعمار أما المعتدى عليه مصطفى فوالده تاجر ووالدته كاتبة وناشطة بالمجتمع المدني. 

 يخوض الأولياء في أحاديث يومية عامة يختلفون ويعودون لسبب اللقاء وهو مشكلة الأبناء والعنف الحاصل وأسبابه، كل طرف يحاول إثبات سلامة بيئته وأسلوبه المتحضر في التربية يحتد النقاش ويتحوّل إلى عنف شديد ويتضح أن الإيمان بالقدرة السلمية للفن وقيم التسامح والحوار والتفاهم كلها مجرد كلام يتعرى أمام اختبار الصبر والقدرة على تقبل الآخر.

بعد حصة التعارف التي تحولت إلى مجزرة يرن الهاتف في البيت الذي تحوّل إلى ساحة قتال فتجيب الأم خولة وتعلم هذه الأخيرة أن ابنتها بيّة بصدد اللعب مع شقيقها مصطفى وصديقهما ياسين في ساحة الشهيد شكري بلعيد.

لقد خاض الأولياء (العاقلون المثقفون المسؤولون) معركة شرسة من لا شيء وبدون جدوى… خلاف أفسد للودّ قضية.

من يوقف آلة العنف التي تغزو تفاصيل حياتنا اليومية؟ من يوقف المجزرة؟

ذلك هو السؤال الذي تطرحه هذه المسرحية من خلال حكايتها البسيطة وطرحها البعيد عن التعقيد هذا السؤال الذي أجاب عنه الصغار بالصلح لأنهم يتصرفون بعفوية ودون حسابات لأن الصداقة ومفهومها لم يتشوّه بعد. 

كما تابع الجمهور بفضاء دار الثقافة ابن رشيق بالعاصمة يوم الاثنين 11 نوفمبر مسرحية ” عذرا جوليات ” وهي تشارك في المسابقة الرسمية للهواية من إنتاج جمعية بدر للموسيقى والفن وعن نص وإخراج أنور الحرزالي .

“عذرا جوليات ” تروي قصة شاب عشق فتاة جميلة ، ومن فرط حبه لها أطلق عليها إسم ” جوليات ” وحاول لأكثر من مرة التسلل إلى شرفتها للإعتراف بعشقه الكبير لها ، ولكن هذا الشاب لم يكن يجد الوقت للعمل في المجال الفلاحي ولم يجد أيضا عملا بعد تخرجه من الجامعة الشيء الذي جعله يشعر بإحباط شديد بعد أن كان شرط ” جوليات ” له هو إيجاد عملا ليحسن من وضعه المادي .

وتتواصل أحداث المسرحية من خلال سلطة العادات و التقاليد الإجتماعية المفروضة على ” جوليات” من خلال كوابيس تتكرر في ذهنها مجسدة في ساحرات شريرات وأحدب شرير يلاحق الشاب أينما ذهب إلى أن تلقي به أوهامه عرض البحر مهاجرا باحثا عن عمل ، وإثر فراقهما تلتقي روحيهما المشتاقتين في لوحة فنية راقصة وليتدخل مقدم العرض ليعدل من الأحداث ويسارعها ، ليعود بعدها الشاب ويصطدم بزواج حبيبته من رجل ثري بعد أن فرضته الظروف عليها ، وتنتهى قصة حبه الكبير بشربه للسم ليتحول إلى تمثال للحب شامخ على خشبة المسرح .

ولكن مقدم العرض يتدخل من جديد ليأمر بإعادة العمل لنقطة الصفر وبذلك يبعث أملا جديدا لخلق قصة حب جديدة بين “جوليات ” الطفلة وحبيبها الصغير وليتعانقا أمام تمثال الشاب العاشق المنتحر .

” عذرا جوليات ” مسرحية حاولت تقديم مساحة من الحب في أقل من ساعة من الزمن طعمت بمقاطع موسيقية كـ” أنت شمسي ”  للطفي بوشناق و ” تحت الياسمينة في الليل ” للهادي الجويني وأيضا أغنية ” يا مسافر وحدك ” لنجاة الصغيرة .

من العروض المتميزة ايضا في مهرجان المسرح التونسي عرض قمرة 14″ عمل مسرحي كتب نصه بوكثير دومة وأخرجته الفنانة دليلة مفتاحي وقام بأدواره كل من نادر بلعيد والطاهر رضواني وعبير صميدي ومحمد أمين بن طاهر وضحى والي وكمال الكعبي. هذا العمل عرض مساء الثلاثاء 11 نوفمبر بمسرح الجهات بمدينة الثقافة ضمن فعاليات الدورة الأولى للمهرجان الوطني للمسرح التونسي الذي انطلقت فعالياته يوم السبت في الثامن من الشهر الجاري وتتواصل إلى غاية السادس عشر من نفس الشهر.

ما الذي يدعونا لاستحضار أمجادنا الغابرة وأبطال الماضي ومآثرهم وبصماتهم التي تركوها في كل المجالات؟ 

هل هو مجرّد تنشيط للذاكرة المتهمة بالنسيان؟ أم هو وقوف على أطلال زمن لن نعيش شبيها له؟ أم لعلّه ـ وهذا الأرجح ـ أننا نفعل ذلك إزاء هذه الخيبات المتتالية والانكسارات التي نتابعها ونعيش على وقعها بعد ثورة اعتقدنا أنها أمل جديد ونافذة أُشرعت على حلم بالحرية والعدالة الاجتماعية ومحاسبة كل من ضيقوا الخناق على المواطنين وحاصروهم بالظلم والاستبداد… حول هذه الأسئلة وتفرعاتها يأتي هذا العمل ليبعث إلى الحياة رموزا وطنية ونضالية ودينية هي خير الدين باشا في الإصلاح الإداري ومنصور الهوش في المقاومة المسلحة والسيدة المنوبية في النضال الصوفي، تخرج هذه الشخصيات لتتواجه مع “الباهي” الذي عزله “زاهي” في غرفة/مكتبة لا يدخلها النور يعيش على ذكرى سالمة حبيبته التي لم يراها منذ زمن واستقرّت في خياله كطيف… يتصادم “الباهي” مع الشخصيات/الرموز التي صنعت جزءا من تاريخنا، هذا التاريخ الذي يقرأ في كل مرحلة سياسية على هوى السلطة، يتضح من خلال جدال “الباهي” مع تلك الشخصيات انها هي أيضا لم تخلو من أخطاء كما يتضح أن كل الثورات التي عاشتها البلاد أُجهضت وتم تحويل مسارها حتى لا تبلغ أهدافها… في الداخل “الباهي” الذي يمثّل الحاضر مختنق من الرطوبة وخائف ووحيد ومتشوّق لحبيبته سالمة يبحث عن طوق نجاة وفي الخارج البلاد على كفّ عفريت أو كما قال “زاهي” على مفترق طرق والسيدة المنوبية تردد بأعلى صوتها “للوطن رب يحميه” ومنصور يرفع سلاحه متأهّبا وخير الدين يوصي بالنظام وعلوية القانون…تتعالى الأصوات ويحتدّ الصراع الإديولوجي بين الشخصيات تتكشّف الحقائق والبطولات الزائفة في فضاء متوتّر والباهي عالق بين التاريخ والحاضر القاتم والمستقبل المجهول، كان لا بد من المحاسبة وتصحيح للتاريخ حتى نتصالح مع واقعما ونتعظ من أخطائنا لنتجاوز الانكسارات والخيبات.

نص كتب بشاعرية عالية ورهافة مانحا لكل شخصية ملامحها بكلّ تفاصيلها النفسية وسينوغرافيا محكمة تفتح فضاء اللعب على عوالم الحكاية وطقسها علاوة على الأداء المتقن لشخصيات العمل الذي قدّم في عديد الفضاءات التونسية والعربية وحصد عديد الجوائز أبرزها سبعة تتويجات في مهرجان الأردن المسرحي.






اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى ملكية فكرية خاصة