الرئيسية » إعادة ترتيب الأوضاع في شمال إفريقيا : تونس، مسرح العمليات الثانوي للحروب الإقليمية…

إعادة ترتيب الأوضاع في شمال إفريقيا : تونس، مسرح العمليات الثانوي للحروب الإقليمية…

في ظل وضع إقليمي غير مستقر ويشهد تحولات شديدة الخطورة إستقبل رئيس الجمهورية التونسي يوم السبت 20 ديسمبر 2019 وفدا من الكنغرس الأمريكي يقوده العقيد إحتياط متقاعد من القوة الجوية الأمريكية ليندسي غراهام.

بقلم سامي بن سلامة

انقلبت مواقف غراهام، السيناتور الجمهوري القوي ورئيس اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ كثيرا، إذ وبعد معارضته الشديدة لترشح ترامب للرئاسة، أصبح من أشد داعميه ومن المنفذين المهمين لاستراتيجياته داخليا وخارجيا، مثلما سبق أن أشارت لذلك “النيويورك مغازين” في سبتمبر 2018.

يعلم الرئيس قايد السبسي أهمية ذلك العسكري السابق في السياسات الأمريكية الجديدة عبر العالم وفي المنطقة. ويبدو أنه حاول، وفق ما بينته اللقطات القليلة التي نشرتها رئاسة الجمهورية عن اللقاء، فهم حقيقة الخطط الأمريكية ومدى الدعم الذي يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة لتونس في إطار مسرح العمليات الثانوي الذي تمثله في سياق الحرب الطاحنة التي يبدو أنها اندلعت لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة.

تخوفات تونس في ظل وضع إقليمي منقلب

لم ينس قايد السبسي بأن يذكر ضيوفه بوضع تونس في ذلك السياق الاقليمي الصعب: “نحن اليوم في وضع كل منطقتنا فيها بصدد ربما تغيير التوازنات التي كانت دوما موجودة منذ زمن… ليبيا، الجزائر، السودان.. وتونس بقيت في هذا الوضع في موقف هش جدا…”.

ولا يبدو أن ما نشر يعبر عن حقيقة المخاوف التونسية مما يحصل ونحن لا نعلم طبعا ما دار خلال ذلك الإجتماع المهم، الذي يأتي في ظرف تعيش فيه المنطقة بدايات تغييرات عميقة، تقف خلف أغلبها الولايات المتحدة الأمريكية التي أعادت خلط الأوراق وانطلقت عمليا في استكشاف ميداني للحلفاء الذي يمكنها التعويل عليهم في المرحلة المقبلة.

من الواضح أن تغييرات كبيرة حدثت في الموقف الأمريكي من التوازنات في المنطقة وقد أعطى ترامب بنفسه على ما يبدو في مكالمة هاتفية مباشرة الضوء الأخضر لقائد الجيش الليبي خليفة حفتر للزحف نحو طرابلس وافتكاك العاصمة الليبية من الإخوان المسلمين وحلفاءهم. يدل على ذلك رفض الولايات المتحدة إدانة العمليات العسكرية أو وقف إطلاق النار كما اقترحته البعثة البريطانية في مجلس الأمن.

يأتي ذلك الموقف الأمريكي الواضح في ظل اختلاط الأوراق مرة أخرى في السودان في ظرف أسبوع، حيث عاش البلد إنقلابا جديدا داخل القوات العسكرية التي أنجزت الانقلاب الذي عزل بموجبه الرئيس عمر حسن البشير.

يأتي كذلك في ظل تطورات الوضع في الجزائر وتصاعد التحركات العلنية والخفية وتفاقم الصراع الخطير بين قيادة الجيش والقيادة السابقة للمخابرات والذي قد يخرج عن السيطرة. وهو صراع قد يتسبب في تشقق الجدار الجزائري وفي جعل الجزائر مركز ثقل جديد لحكم الإخوان المسلمين بعد تصدع نفوذهم في ليبيا أو مسرحا لحرب أهلية جديدة لا قبل للمنطقة بها.

ليست تونس بمعزل عن محيطها الاقليمي، مما يجعلها عرضة كغيرها لارتفاع منسوب التوتر على مستوى وضعها الداخلي وخاصة من الناحيتين السياسية والأمنية، مما قد يؤثر بشدة على حالة الاستقرار النسبي الذي تعيشه منذ سنوات.

ليندسي غراهام ووفد الكنغرس الأمريكي بعد لقائهم الرئيس قايد السبسي.

فصيل الإخوان المسلمين في تونس عاى صفيح ساخن

يلاحظ كثيرون حالة التوجس التي يعيشها الإخوان المسلمون على مستوى العالم مع كل خبر جديد يأتيهم من ليبيا أو السودان. وهم يراقبون ليل نهار ما يحدث في محيطنا الاقليمي وخاصة في الجزائر التي كانت قيادتها السياسية المعزولة متسامحة معهم إلى أبعد الحدود، خصوصا إثر تمكنها من إبعاد من كانوا يعرفون بـ”الاستئصاليين” من بين جنرالات جيشها.

يتحكم فصيل من الإخوان المسلمين في الوضع التونسي منذ التفافه على الثورة التونسية الشعبية سنة 2011 بعد إنتصاره الذي كان مدعوما غربيا من الناحتين السياسية والمالية في إنتخابات 23 أكتوبر من ذلك العام التي كنت رغم ذلك نزيهة وشفافة.

أساء ذلك الفصيل التصرف وتحكم في الوضع الداخلي التونسي بالقوة متجاهلا قواعد اللعبة الديمقراطية عن طريق الإنغراس والتسرب في مفاصل الدولة التونسية.

وهو قادر اليوم في ظل إنشائه دولة موازية على توتير الأوضاع في تونس سواء كان ذلك في المركز أو الأطراف متى رأى أن ذلك يمكنه من حماية مكتسباته وضمان مصلحته.

وهو يمارس ضغوطا كبيرة على السلط الرسمية وعلى رأسها رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ويبتزها علنا لكي تتخذ مواقف تدعم حلفائه المحاصرين في ليبيا وتخفف الطوق عنهم.


تونس مسرح عمليات ثانوي للمعارك الاقليمية

وخلافا لليبيا والسودان وربما الجزائر التي بدأت تبتعد فيها فكرة تنظيم الإنتخابات تدريجيا نتيجة للتطورات الحاصلة والمتوقعة، فإن تونس مقبلة نظريا على إستحقاقات إنتخابية مهمة جدا في الأشهر المقبلة في ظل أوضاع بيّن رئيس الجمهورية لضيوفه الأمريكان بأنها شديدة الهشاشة.

وفد الكنغرس يلتقي برئيس الحكومة يوسف الشاهد.

تاريخيا مثلت تونس منطقة رخوة ولم تكن تعتبر من ضمن مسارح العمليات الرئيسية في الحروب التي دارت في المنطقة في العصر الحديث. ففي الحرب العالمية الثانية لم يقرر كل من هتلر وموسوليني إرسال قوات ألمانية وإيطالية لاحتلالها في فيفري 1942، إلا بعد استشعار الخطر إثر الإنزال الأمريكي البريطاني في الجزائر والمغرب في إطار عملية “الشعلة”. وإثر الإختراقات التي حققها الجيش الثامن البريطاني بقيادة مونتقمري في معركة العالمين الثانية بمصر في نوفمبر من نفس ذلك العام .

وتماما كما كان عليه الحال في الحرب العالمية الثانية، تعتبر تونس اليوم مسرح عمليات ثانوي للمعارك الاقليمية ولكنها تتأثر بشدة بما يجري في محيطها القريب والبعيد.

فالوضع الداخلي التونسي مرتبط شديد الارتباط بما يجري على مسرح العمليات الرئيسي، حيث تدور المعارك السياسية والحربية الكبيرة، في محيط “قوس” يمتد طرفاه من الخرطوم إلى الجزائر وهما البلدان الذان يمسكهما العسكر مرورا بطرابلس الغرب.

وهو قوس يستهدف اليوم العاصمة الليبية بشكل أساسي وقد يحدث بعض الأضرار الجانبية، إن وجهت إحدى سهامه إلى قلب العاصمة التونسية.

تشهد تونس منذ مدة على وقع تصاعد كبير للاحتجاجات الشعبية مع بروز بعض التحركات المريبة، حيث وصل تنظيم داعش الارهابي إلى جبل عرباطة بولاية قفصة بعد إعلانه الأخير عن ذبح مواطن تونسي هناك. كما تشهد البلاد معارك غامضة وصامتة على المستوى الأمني، حيث يمنع وزير داخليتها منذ أيام قليلة من المرور من البهو الرئيسي لوزارته وتم فيها إعتقال خبير أممي يشتغل ضد مصالح المحور التركي القطري بعد إتهامه بالتجسس.

تصاعد كبير يشهده منسوب التوتر في تونس قد يخفي وراءه رغبة في تعفين الوضع وفي تأجيل أو إلغاء الانتخابات، انتظارا لما ستفرزه كل تلك التطورات الاقليمية والتي تبدو شديدة الترابط ومقترنة اقترانا جليا بما يحدث تحت السطح من أحداث في تونس.

يبدو موقف تونس الرسمية مرتبكا تجاه الأحداث في المنطقة وهي تبدو مجبرة تحت ضغط الإخوان المحليين بدعم من المحور التركي القطري على اتخاذ مواقف متناقضة قد لا تخدم مصلحة البلد في المستقبل، خصوصا إذا ما وصلت قوات حفتر إلى حدودنا الجنوبية.

خسر حزب حركة النهضة المتحكم الرئيسي في مفاصل الحكم دعم أقوى الأطراف الدولية، كما خسر منذ زمن تعاطف ومساندة النخب الديمقراطية التونسية نتيجة غدره بالثورة وطعنه لها بالظهر، مما يجعله اليوم بدون حلفاء داخليا ويجعل ظهره مكشوفا تماما نتيجة تحييد مختلف أذرعه المتشددة الجمعياتية منها والمسلحة.

وتماما كما خسرت قوات المحور أثناء الحرب العالمية الثانية سيدي بوزيد والقصرين بعد إنتصارها على الحلفاء في معركتين رئيسيتين دارتا فيهما، يخشى حزب حركة النهضة أن يكون بصدد خسارة تلك المدينتين الرمزيتين وفقدان كل ما بناه طيلة السنوات الثماني الماضية نتيجة ارتدادات أوضاع اقليمية شديدة الالتهاب.

مستقبل حزب النهضة الإسلامي في الميزان

من المثير للاهتمام أن “حملة تونس” أثناء الحرب العالمية الثانية وكما سميت حينها، بدأت بنجاحات عسكرية كبيرة لقوات المحور (ألمانيا-إيطاليا) التي كبدت هزائم كبيرة لقوات الحلفاء (أالولايات المتحدة وانقلترا وغيرها) في معركتين رئيسيتين هما معركة سيدي بوزيد ومعركة القصرين بقيادة القائد العسكري الألماني الشهير ارفين رومل.
انتهت تلك الحملة في ماي 1943 إثر الهزائم المتتالية التي تكبدتها قوات المحور في بقية المعارك والتي قضت على وجوده نهائيا في تونس.

ومن المفارقات التاريخية أن سيطر حزب حركة النهضة على الحكم في تونس بفضل ثورة اندلعت في سيدي بوزيد وامتدت إلى القصرين ومنها إلى باقي الجمهورية وقد أساء حكم تونس وهو اليوم مهدد بخسارة جميع مواقعه ومكتسباته التي ظنها أبدية.


إعتمادا على دراسة نتائج الحزب الانتخابية منذ انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011 وإلى حدود الانتخابات البلدية سنة2018، فإنه يمكن الجزم بأن القاعدة الانتخابية للحزب بصدد الانحسار باستمرار وبأنه في الطريق إلى هزيمة ثانية موجعة في الانتخابات المقبلة بعد هزيمة انتخابات سنة 2014.

يتزامن ذلك التراجع الكبير في الشعبية مع انقلاب تام للأوضاع على المستوى الدولي منذ رحيل إدارة أوباما الداعمة لتولي الإخوان المسلمين السلطة في دول المنطقة وإثر الهزيمة النكراء التي تكبدها الارهابيون وداعميهم الأساسيين في سوريا.

تغيرت الأوضاع الدولية تدريجيا وانتهت الحاجة تقريبا إلى الإخوان المسلمين على المستوى الدولي، بعد أن أدوا الدور المرسوم لهم في المنطقة وعاثوا فيها فسادا.

وخصوصا بعد أن أصبحت الحاجة لتيارات الاسلام السياسي وللتنظيمات المتشددة المنبثقة عنها موضعية ومقتصرة على زعزعة استقرار بعض الدول كالجزائر، إذ لم يعد من الوارد أن يتسلموا السلطة كما مكّنوا منها طيلة المرحلة السابقة.

نحن نعيش اليوم على ما يبدو تأثيرات مباشرة لترتيبات جديدة تخلق وضعا اقليميا مختلفا لا يعتبر ارساء الديمقراطية من بين أولوياته ويدعم تولي أنظمة عسكرية للسلطة ولا ينظر إلى مشاركة الإخوان فيها كضمانة لتحقيق الاستقرار.
أصبحت الأوضاع الدولية عموما في غير صالح حزب حركة النهضة وهو ما يؤثر بشده على موقعه ضمن الوضع الداخلي التونسي.

وسيكون الحزب في قادم الأيام أمام امتحان عسير، فإما متابعة التطورات والتفاعل معها بحذر وتجنب ردات الفعل والصمت أمام الخسارة المحتملة لأغلب ما حققه من مكاسب طيلة السنوات الفارطة انقاذا لوجوده. وإما المخاطرة بمحاولة افتكاك زمام المبادرة والدفاع عن حكمه بكل السبل مستعينا بالمحور التركي القطري وبشبكات المصالح التي تمكن من بنائها طيلة السنوات الأخيرة.

وهو سيكون على كل حال مجبرا على الاختيار، فإما اختيار أخف الضررين والاكتفاء بالمناورات السياسية الحذرة واسقاط الحكومة الحالية عن طريق سحب الدعم الذي منحها امكانية الاستمرار إلى اليوم.

فيتمكن بذلك من الخروج العاجل من الحكم لمحاولة التقدم للانتخابات غير مثقل بمسؤوليته التامة عن الإنهيار الشامل الذي يعيشه البلد ومحاولة انقاذ ما يمكن إنقاذه. وذلك بالسعي إلى فرض وجوده كأمر واقع بالحصول على شرعية جديدة ترجعه إلى السلطة وتجعله في موضع تفاوض مشابه للإخوان المغاربة.

وإما اختيار المواجهة بالاعتماد على شبكات المصالح السياسية والإقتصادية الاقليمية والداخلية والعمل على تعفين الوضع السياسي والأمني ومحاولة المحافظة على سيطرته ومنع بروز شرعيات جديدة قد تهدد وجوده بالدفع نحو إلغاء الانتخابات.

إذ أنه من المحتمل جدا أن تفوز في الإنتخابات المقبلة قوى معادية للحزب وللمنظومة التي فرضها والتي تحكم البلاد منذ سنوات، مما يهدد بجديا باقتناص جميع من تحالفوا معه سابقا الفرصة للإنقلاب عليه رفع الغطاءعنه ونزع الحماية والحصانة التي يتمتع بها قياديوه وعناصره.

ستكون تكلفة جميع تلك الحلول لو اعتمد أي منها باهضة جدا، فالترتيبات الإقليمية الجديدة وإن كانت تتطلب وقتا طويلا لكي تتجسم التغييرات التي ستحدثها على أرض الواقع، إلا أنه يبدو من الواضح أنها لا تعترف بحدود وتشمل المنطقة برمتها ولا تقرأ أي حساب للخدمات الثمينة السابقة.

* عضو سابق بالهيئة العليا المستقلة للإنتخابات.

شارك رأيك

Your email address will not be published.

error: لا يمكن نسخ هذا المحتوى.