.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

حديث الجمعة : محنة الجزائر وكيفية التصدّي للمخطط الإمبريالي الذي يستهدفها


المناورات لأجل المصالح بكل الوسائل هي خاصية الحياة السياسية، عالميا وقطريا؛ علما وأنه لا مؤامرة ناجحة بلا سبب. من هذه المؤامرات مخطط تقسيم شمال إفريقيا الذي تتضح ملامحه حاليا بما يحدث في الشقيقة الجزائر، ذورة المخطط الإمبريالي، بعد الشرق وغيره، بالمغرب الأمازيغي العربي. إن التصدّي له يفرض معالجة الأسباب وترك العناية بمسبّب لا فائدة فيه.

بقلم فرحات عثمان *

لا شك أن ما يحدث بالجزائر، بعد تونس وليبيا، يتنزل في خانة المخطط الذي لطالما تكلم عنه الملاحظون، الساعي لتقسيم الشمال الإفريقي وتطويعه للمصالح الامبريالية. الساهرون عليه يرون، ولهم الحق في ذلك، أن أفضل سلاحهم للنجاح في مساعيهم يتمثّل في زرع الفتنة ببلاد الإسلام. فالشعوب الإسلامية، بل العربية والأمازيغية أيضا، دربت عليها حتى بدون تدخل أجنبي في شؤونها. وها هي مؤججة، من الداخل والخارج في نفس الوقت، من طرف التحالف الفتاك الذي يجمع رأس المال المتوحش وتجار الموت بالغرب بتجار الدين من أثرياء الإسلام المتزمت.

من المرجح اليوم أن الغرب الرأسمالي، بعد فشل مخططه الذريع في سوريا، يستعد لمعركة حاسمة جعل أرضيتها الجزائر لتثمين فتوحاته ببقية المغرب العربي الأمازيغي حيث لا تزال بعد هشة، رغم ما توصل إليه من نتائج مشجعة بتونس وليبيا. ومهما كان حالها وعاقبتها بذينك البلدين، تبقى الآلية معروفة، وهي المستعملة آنفا، إذ هي مضمونة النتائج سواء على المدى العاجل أو الآجل، أي توظيف الحقوق والحريات الشعبية لأجل الأغراض الجيوستراتيجية والأيديولوجية.

إنهاء القطيعة مع السلط بكسب ثقة الشعب:

المصالح المتكالبة على السلطات الجزائرية اليوم هي، تماما كما كانت الحال بتونس، خليط قرصنة عسكرية إمبريالية غربية، على رأسها الزعيم الرأسمالي الأمريكي، وحلفاء من أهل الإسلام الدعي، إسلام التزمت، تركي وقطري خاصة. هذا الذي يؤجج نار الإحتجاجات ويعمل على ألا تخبو بماديات لا حد لها من شأنها تسخير كل شيء، بما في ذلك شراء الذمم.

على أن هذا لا يكفي، إذ محرك الإحتجاجات الجزائرية أبعد غورا من ذلك؛ فالشحنة الأساسية التي تحركه هي القهر الذي يعانية الشعب الجزائري من تسلط العسكر على مصيره منذ إستقلال البلاد وتقزيمه، رغم ما عُرف عنه من إقدام وشجاعة ونضج يؤهله لاقتسام، لا خيرات البلاد فقط، بل والسلطة فيها. لذا، فالفوضى لم تعد تخيف الشعب ولا تداعيات الفتنة وقد عاشها بعد في سنوات قاسية مكنته لا محالة من المصل الواقي. إنه اليوم، لأجل القطيعة بينه وبين النخب الحاكمة، ليقبل الأسوأ لبلاده، بما أنه هو فيه بعد! ففي الشعب الجزائري المستهدف للتقسيم من يعتبر السلطة القائمة عدوه اللدود؛ ولعله لا يرى مانعا في تقسيم البلاد لافتكاك حقوقه التي لا يحصل عليها ممن لا يعتبرهم ساسته، بل مجرد سلط متسلطة عليه، ناهبة لحقوقه.

لا مناص إذن للسلط الجزائرية الحالية من الانتباه لما يطلبه الشعب لاستعادة ثقته فيها والحصول على تأييده لها، والتصدي عندها بنجاح للمناورات الخارجية والداخلية. فلا أمل للنخبة الحاكمة في تحقيق الإنتقال السلمي المنشود، الذي فيه حفظ البلاد من مخاطر الفوضى، خاصة وأنها تبدو خلاقة عند البعض، إلا في الكف عن التلاعب بالمصالح الأهم للجماهير، وهي دون أدنى شك حقوقه وحرياته. هذا يقتضي وضع حد للقطيعة الحالية بترك اللغة الحطبية جانبا ونبذ الشعارات الجوفاء، مثل تلك التي ليست إلا من باب المخاتلة، ككتابة دستور جديد أو عقد إنتخابات؛ فكل هذا أصبح مجرّد هراء في زمن الجماهير الذي أظلنا.

الكف عن تقزيم الشعب بإبطال القوانين الجائرة:

من البديهي أن ما يؤيد المناورات بالبلاد هو أساسا الدعم الذي تحظى به من الداخل، أي هذه التربة الخصبة لكل مخططات الهدم؛ ولا شك أن أفضل الدرع لأي مطمع أجنبي يتمثّل في التفاف الشعب حول ساسته. ولئن لا يتوفر هذا، في الجزائر، والحال نفسها بالبلاد المغاربية، بل والإسلام طرا، فسببه واقع الشعوب المرير، إذ هي مقهورة، لا حقوق لها. لهذا، هي لا ترى أي حرج، إذا سنحت الفرصة، في التصرفات الآتية من الخارج، غربية كانت أو شرقية، التي تستهدف الساسة الذين يقهرونها باسم حقوقها، ما دامت فيها مصلحتها بصفة أو بأخرى؛ ولو أن ذلك يبقى عموما نظريا.

تلك كانت الحال بتونس لمّا سعت أمريكا للتخلص من النظام القديم وفرض نظام جديد أكثر ملاءمة لمصالحها مع صبغة سياسية أزيد تحررا، ولو أنها لا تفي بما فيه الكفاية بحاجة التحرر للشعب لنزعة النظام الجديد الإسلاموية. فعوض أن يأتيه نظام ما سمّي ثورة بالحقوق والحريات التي ثار من أجلها، حافظ على القوانين القديمة وفرض عليه قيودا أخرى باسم فهم متزمت للدين. وبما أن هذا ما من شأنه أن يحدث بالجزائر، فعلى النيات الصادقة تجنبه بالحرص حالا على الجرأة في المطالبة بإبطال القوانين الجائرة التي تطبّق في البلاد، تلك التي يرزح يوميا تحت نير ظلمها الشعب؛ ففي إبطالها دون تردد حالا، مع – أو دون – تغييرها في نفس الوقت بقوانين جديدة، الإشارة الصادقة النزيهة لتغير الذهنية لدى الحاكم والمرور من عقلية الاستبداد وطبع الإستغلال للشعب إلى نمط جديد من الحكم يحرص على الإحترام الضروري له بصفته صاحب السلطة حقيقة.

لهذا، لا بد لها أن تكون فعلية، أي محسوسة في حياته اليومية من خلال أبسط تجلياتها. فكما كانت الحال أيضا بتونس، فإنه لا يخفى على أحد دور الإسلام المتزمت بالشارع الجزائري وعمله على تطويقه ودمغجته سياسيا ودينيا وإعلاميا، على الأقل بالتعبئة ومنع الغضب من الفتور للحفاظ على وتيرة الإحتجاجات. لذا، لا بد من التعرض أساسا للمواضيع ذات الحساسية الدينية، المتعلقة بالحريات الفردية.

ثم نظرا لأهمية العلاقات الجزائرية مع المستعمر القديم والإتحاد الأوربي عامة، من المفترض أن يكون للسياسة الخارجية دورها في تهدئة الأوضاع، وذلك بالعمل الجاهد من طرف السلط الحالية على تغيير نمطها لأجل علاقة محدثة يكون العامل الأساسي فيها التضامن الصحيح بين ضفتي البحر المتوسط، وذلك باستنباط آليات ثورية، مثل تعويض التأشيرة الحالية بتأشيرة مرور تضمن بصفة عقلانية حرية التنقل. ففيها السلاح الأفضل لمقاومة جدية لهذه الحرب الدينية التي يريدها مسعروها من اليمين الغربي والإسلام المتزمت بشمال وجنوب البحر المتوسّط.

* ديبلوماسي سابق وكاتب.  

مقالات لنغس الكاتب بأنباء تونس : 

حديث الجمعة: فاجعة وفاة الرضّع بمستشفي الرابطة نتيجة عقلية الغنيمة، مأساة تونس الحالية

حديث الجمعة: السياسة الأخلاق أو إرهاب النفاق!

حديث الجمعة: إنما هو إسلام الحب أو الحرب بخصوص المثلية!

 




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى ملكية فكرية خاصة