.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

إصلاح وهيكلة ميزانية الدولة من أجل ترشيد التصرف في الموارد العمومية


10 Shares

 

مقر الحكومة بالقصبة (تونس).

إن إعتماد منظومة التصرف حسب الأهداف المعتمدة من القانون الأساسي الجديد للميزانية الذي تمت المصادقة عليه بتاريخ 31 جانفي 2019 ليس هدفا بحد ذاته بل هو وسيلة مثلى إعتمدت عليها عديد البلدان كقاعدة أساسية لحوكمة وترشيد التصرف في ميزانية الدولة.

بقلم فوزي عبيدي

يشهد عصرنا الحالي نمطا متسارعا من التغييرات الإقتصادية والإجتماعية على المستوى المحلي والعالمي، مما ينجر عنه من ضغوطات على أداء الدولة وإلتزاماتها تجاه مختلف الشرائح الإجتماعية، لكن هذه التحديات يقابلها نمط تصرف تقليدي في ميزانية الدولة يرجع إلى حقبة الستينات تجاوزته هذه التطورات، وهذا يحتم ضرورة مراجعة التصرف في الموارد المالية للدولة عن طريق إصلاح القانون الأساسي للميزانية طبقا لتطور آليات التصرف الإداري الحديث، بحيث تكون الدولة في مرحلة أولى متمكنة من جميع الموارد ووسائل التصرف التي تمكنها من التأقلم مع هذه المتغيرات، وفي مرحلة ثانية أن تكون قادرة على ترشيد التصرف في مواردها المتاحة للوصول لأهدافها، وتبقى المرحلة الثالثة المنشودة هي الوصول لمرحلة التطوير الدائم لآليات التصرف داخل الإدارة وهيكلتها والمراجعة الدائمة لطرق ممارسة الأنشطة الإدارية داخل هذه الهيكلة، لأن الإكتفاء بإصلاح القانون ليس الغاية بل هو بداية مسار (Processus du qualité totale) لإرساء الجودة الشاملة للتصرف داخل المرفق العمومي كإطار للحوكمة الرشيدة.

تطوير القانون الأساسي للميزانية

فعليا بدأ العمل على تطوير القانون الأساسي للميزانية منذ سنة 2004 وذلك بتنقيح القانون الأساسي للميزانية عدد53 لسنة 1967 المؤرخ في 08 ديسمبر 1967 حيث أتاح تنقيح قانون سنة 2004 عدد 42 إمكانية الشروع في إرساء منظومة التصرف في الميزانية حسب الأهداف، وقد تم منذ ذلك التاريخ توفير المتطلبات اللوجستية للإنطلاق الفعلي لهذه المنظومة من توفير اللوازم الإعلامية و إحداث التغييرات اللازمة على منظومة “أدب”، وهي منظومة معلوماتية تعنى بإنجاز ومتابعة النفقات في نطاق تنفيذ الميزانيات العمومية وكذلك القيام بالتكوين اللازم للأعوان بمختلف الوزارات حول منظومة التصرف الجديدة .

بعد إستكمال الإعداد اللوجستي لتركيز المنظومة الجديدة للتصرف حسب الأهداف قامت الحكومة بإقتراح قانون أساسي جديد للميزانية يعوض القانون القديم ويقطع مع الإعداد الكلاسيكي والبسيط للميزانية حيث تم إحالته على أنظار المجلس بتاريخ 20 نوفمبر 2015، ولكن للأسف بالرغم من أهمية القانون تم تعطيله نظرا لإثقال جدول أعمال المجلس بالكثير من المواضيع الطارئة نتيجة التجاذب السياسي، فلم تنظر فيه لجنة التخطيط والمالية إلا في 2 جوان 2017 ولم تكمل اللجنة أعمالها إلا في 6 نوفمبر 2018، بعد ذلك تم النظر في القانون من قبل الجلسة العامة وتم المصادقة على القانون الجديد بتاريخ 31 جانفي 2019 أي بعد أكثر من ثلاثة سنوات من التأخير غير المبرر.

ماهية إصلاح و هيكلة ميزانية الدولة

يرتكز هذا الإصلاح أساسا على إعتماد منظومة التصرف حسب الأهداف وذلك بربط جملة الإعتمادات و النفقات العمومية بأهداف مسطرة مسبقا وخاصة بالقدرة على الأداء (Performance de l’action publique) أي الوصول للهدف المسطر بنجاعة أكبر مع إمكانيات مادية ملائمة تضمن نجاعة التدخل العمومي دون إهدار المال العام .

الهيكلة الجديدة للميزانية تستند على تقسيم الميزانية نحو برامج تعكس السياسات العمومية حيث أن كل برنامج له أهداف مسطرة يقع تقييم القدرة على الأداء لهذه البرامج وفقا للنتائج. فهذه الهيكلة ستمكن من ربط الإعتمادات المرصودة بتنفيذ البرامج وذلك بمتابعة وتقييم النتائج المسجلة حسب مؤشرات لقيس الأداء من أجل تعزيز نجاعة البرامج.

من الإضافات المهمة لهذه المنظومة إعداد الميزانية يكون على ثلاث سنوات عوض سنة واحدة كما كان معمولا به مما يعطي رؤية واضحة على المدى المتوسط للمؤشرات الإقتصادية والمالية للدولة تجاه جميع المتدخلين في النسيج الإقتصادي خاصة المستثمرين.

من ناحية الرقابة على التصرف في الميزانية تم التنصيص على ثلاثة أنواع من الرقابة :

– رقابة برلمانية تمارس من قبل السلطة التشريعية،

– رقابة إدارية ومهمات تدقيق تتزامن مع مختلف مراحل تنفيذ ميزانية الدولة تقوم،

– رقابة قضائية.

إصلاح القانون هو مجرد بداية لإصلاح المرفق العمومي

إن إعتماد منظومة التصرف حسب الأهداف ليس هدفا بحد ذاته بل هو وسيلة مثلى إعتمدت عليها عديد البلدان كقاعدة أساسية لحوكمة وترشيد التصرف في ميزانية الدولة للوصول للآليات التالية:

• الإستفادة من طاقات وخبرات الهياكل البشرية من ذوي المعرفة، حيث لا يعود هناك مبرر لإتباع النمط المركزي في الإدارة الذي يحصر كافة الصلاحيات وعمليات إتخاذ القرار في قمة التنظيم الهيكلي الإداري فمع ظهور مفهوم “التمكين” Empowerment الذي يدل على نمط تنظيمي يوفر للموظف القائم بالعمل مجال واسع من الصلاحية وحرية التصرف واتخاذ القرارات المناسبة لإنجاز المهام التي يختص بها وذلك في إطار اللامركزية، وتكون المحاسبة والمساءلة في جميع تلك الأنماط على أساس النتائج (Management by Results) مما يمكن من تلافي القصور في أداء الدولة مستوى الجهات وتعطل مشاريع التنمية الجهوية.

• ضرورة تصميم إستراتيجية لإعداد وإدارة وتنمية الموارد البشرية وإدماجها في الاستراتيجية العامة للمنظومة مع أهمية وجدوى الإستثمار في زيادة الرصيد المعرفي للموارد البشرية واستثماره في تطوير الأداء و النهوض بالإنتاجية في المرفق العام.

إن البرنامج الإصلاحي للمالية العمومية عبر تطبيق منظومة التصرف في الميزانية حسب الأهداف لا يتوقف على تنفيذ هذا فحسب بل هو فقط البداية الفعلية لإصلاح الإدارة العمومية بمفهومها الشامل وذلك بالإستعانة بآليات التصرف الإداري الحديث فالإصلاح الدائم للخطط والأنشطة الإدارية و إعادة هيكلة الوزارات حسب هذه المراجعات يوفر للوزارات الجاهزية الدائمة لمواكبة التطورات والتغييرات الإقتصادية.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى ملكية فكرية خاصة