.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

حول الشّاعر الألماني راينر ماريا رلكه و زياراته لتونس ومصر وولوعه بالشرق


 


راينر ماريا ريلكة وزوجته كلارا ويسهوف.

إن الشاعر الألماني رلكه (1885-1927) كان أحد الشعراء في العالم الذين تعرفّوا إلى البلدان العربية و زار منه الجزائر و تونس و مصر واِستلهموا حضاراتها فكانت إضافة نوعية في شعره ممّا جعله الشاهد على اِنصهار الثقافات وتداخل الحضارات في شعره ذي المنزع الإنساني الذي ينظر إلى الثقافة العربية ورموزها نظرة إيجابية.

بقلم سُوف عبيد

يظل الأدب الألماني دون بقية الآداب الأوروبية الأخرى إنتشارا واِطلاعا بين قراء العربية بالرغم من كونه يُعتبر أحد أهم الآداب في العالم وربما يعود سبب قلة انتشاره بين العرب إلى عدم إطلاع المتعلمين الأوائل منهم على اللغة الألمانية بصفة واسعة سوى نخبة قليلة إذا ما قورنت باللغتين الفرنسية والإنقليزية ونذكر من بين المطّلعين الأوائل على الأدب الألماني الدكتور عبد الرحمان بدوي الذي تخصص في الثقافة الألمانية وترجم منها عيون فلسفتها وأدبها وشعرها وإنّ كتابه حول الأدب الألماني في نصف قرن الصادر عن سلسلة “عالم المعرفة” يندرج ضمن جهوده للتعريف بهذا الأدب حتى يكون رافدا من روافد الإبتكار والتجديد والإثراء في أدبنا العربي الحديث.

و الشاعر الألماني رلكه عاش بين سنة 1875 وسنة 1926 وهو أهم الشعراء الألمان المعاصرين وقد حظي بأوسع شهرة وأرفع مكانة طوال القرن العشرين لأنه كان حقا نسيج وحده.

* المولد والنشأة والاِنطلاقة:

هو ـ رايتر ماريّا رلكة ـ من مدينة براغ عاصمة الدولة التشكيوسلافيكية الحالية وقد ولد سنة 1875 لأب كان ضابطا في الجيش النمساوي وقد شارك هذا الأب في حملة النمسا ضد إيطاليا سنة 1859 ثم اضطر لترك الجيش بسبب صحته والتحق بإدارة السكة الحديدية أما أمه فهي ابنة تاجر كان مستشارا لإمبراطور النمسا لكن الحياة الزوجية لم تستمر طويلا بينهما فعاشا حالة انفصال من دون طلاق وكانت أمه هي التي أنفقت عليه ورعته ودفعته للمطالعة ونمّت فيه مواهبه الفنية.

بعد تعليمه الإبتدائي التحق رلكه بالمدرسة العسكرية الثانوية بالقرب من فيينا عاصمة النمسا وذلك سنة 1886 ثم انتقل منها إلى الكلية الحربية سنة 1890 التي لم يمكث فيها سوى عام واحد حيث لم يكن منسجما مع جو الإنضباط والقسوة الذي وجده بين زملائه والمدرسّين وقد شبّه ذلك الإطار ببيت الموتى.

ومن القصائد الأولى التي نشرها رلكه قصيدة تحت عنوان “الفستان الجرّار هو الموضة” وذلك سنة 1893 وفي نهاية 1894 ظهرت له مجموعته الشعرية الأولى “الحياة والأغاني” وقد اهتم فيها بالقصائد القصيرة ذات الإيقاع الذي يقوم على المحسنات اللفظية ومن بينها هذه القطعة التي يقول فيها:

“غنّ من جديد لحبيبتي

يا صوت عودي المضيء بالحب

غنّ إبّان الليل

و في هذه المجموعة قصائد أخرى تعتمد الومضة والإيجاز:

من يعرفون الإنسانية يقولون

إن العبقرية مقدّر عليها الهلاك

كلا : إذا كان الزمان لا يخلق عظماء

فإن الإنسان يخلق لنفسه زمان مجده”.

ونشر رلكه مجموعته الشعرية الثانية تحت عنوان “قربان إلى اللارات” واللارات في الديانة الرومانية القديمة هي الآلهات التي تحمي البيوت وموطن الميلاد فمعني العنوان كما رأى الدكتور عبد الرحمان بدوي أن القصائد الواردة في المجموعة تدور حول مدينة براغ موطن ميلاد الشاعر وحول أهلها ومن هنا نعتها البعض بأنها تندرج ضمن “شعر المدينة” حيث نجد فيها وصفا لبعض الأحياء المتميزة في براغ خصوصا الأحياء الشعبية مثل قوله في إحدى تلك القصائد:

“هم يذهبون في حرارة المحبّ الحارة

ويخرجون من المصانع رجالا وفتيات

وعلى جباههم المنخفضة المغلّقة

كتب البؤس مدادا من العرق

الوجوه حزينة والعين منطفئة

والنعال الثقيلة تقرع الطريق

مثيرة التراب والغبار.”

لكن الشاعر – وهو يتحدث عن القضاء في المدينة بمختلف مكوّناته وأبعاده – نلاحظ انه ينخرط في الصراع السياسي في عصره فهو يقول في قصيد له بعنوان “الشك” :

“النزاع الوحشيّ بين ألم

لا يصل إلى منه أيّ صدى

لأني لا أنحاز إلى أيّ طرف

إذا الحق ليس هناك ولا هنا.”

وفي أوائل سنة 1896 طبع مجلة أدبية اسمها “الشيكوريا البريّة” وهي تقع في 66 صفحة وقد وزعها مجانا على المستشفيات والنوادي المختلفة ثم راح بعد ذلك يوزعها على المارة بالمجان أيضا وقد قدّم لهذه المجلة قائلا: “مجرد كلمة واحدة: أنتم تنشرون مطبوعاتكم في طبعات رخيصة الأثمان وبهذا تسهّلون على الغنيّ الشراء لكنكم لا تساعدون الفقير لأنه بالنسبة إليه كل شيء غالي الثمن… أنا أيضا فقير لكن هذا الأمل يجعلني غنّيا. إنّ “الشيكوريا البريّة” ستظهر مرة أو مرتين في العام فاقطفوها ولتكن مصدر سرور لكم”.

ومن روائع الشاعر رلكه هذه القصيدة:

“مثل الريح اخترقت الخمائل

ومن كل بيت كان ينبعث دخان

وبينما كان الآخرون يستمعون بما اعتادوه

بقيت أنا شبيها بعدة غريبة

يداي دخلتا دخولا رهيبا

في مصيرالآخرين المعلّق

لا بد من سند أرضي

لان الثقة لا تتولد إلا في الثقة

كل إحسان هو فعل بمثابة مقابل

أوّاه لم يتطلب مني الليل شيئا

لكن حين توجهت نحو النجوم

أين كنت أنا؟”

* البحث عن الشرق

وتماما مثل الشاعر الألماني غوته وبتأثير من حركة الِاستشراق اِنبهر الشاعر رلكه هو أيضا بعالم الشرق وبما في حضارته من تأمّل وبساطة وروحانيات خاصة، لكن السبب المباشر في انفتاح مهجته على العوالم الشرقية يعود إلى زوجته التي قامت برحلة إلى مصر ومن زمن تلك الرحلة نراه مولعا بالنيل وبالصحراء وبتمثال أبي الهول الذي كتب فيه قائلا ضمن رسالة: “أبو الهول ليس ذلك الأثر الفني الذي صنعه نحات معيّن، بل هو أولا وقبل كل شيء ذلك الأثر الذي عاون في صنعها الزمان، إذن لقد اشترك في عمله فنانان: الفنان البشري ثم ذلك الفنان العظيم الآخر إلا وهو الزمان، فلم يعد الحجر مجرد نحت بل صار كائنا حيا وشاهد إصباح آلاف الأيام وأمواج الرياح وما لا يحصي من النجوم التي تطلع وتأفل ومواكب الأفلاك في العلا وحرارة السماوات الممتدة هناك أبدا”.

* رلكه في تونس

وقبل أن يصل إلى مصر زار رلكه بلاد الجزائر وتونس التي كتب عنها بعض رسائله قائلا أنه طاف بأسواقها الغنية بعروضها ومتاجرها وأقمشتها المتعددة الألوان حيث يسود جوّ ألف ليلة وليلة وقد تجّول في سوق العطّارين فتعّرف إلى عطار لا تصافحه اليد حتي تظل معطرة النهار كله وهو في رسالة كتبها من القيروان بتاريخ 21 ديسمبر سنة 1910 يكشف الجانب الصوفي بما فيه من تقوى وزهد فيقول عن القيروان إنها مدينة مقدّسة وفيها مسجد جامع عظيم استخدمت في بنائه أعمدة كثيرة من آثار قرطاجنة والمدن الساحلية الرومانية والفينقية لتحمل سقفا من خشب الأرز وقبابا بيضاء ولا يحيط بالمدينة سوى السهول والمقابر لهذا تبّدت له كأن الموتى يحاصرونها وهم راقدون حولها يزدادون دائما ولا يتحّركون أبدا.

ويثير هذا المنظر في نفس رلكه خواطر عن الإسلام فيكتب قصيدة “رسالة محمد”، جاء فيها:

“لمّا تبدّى الملك الكريم الطاهر

ذو الملامح المعروفة والنّور الباهر

تبدّى رائعا له خلوته

خلع كل كبرياء وخيلاء وتوسّل إلى التاجر

وقد اضطرب باطنه إثر أسفاره

توسّل إليه أن يبقى

لم يكن قارئا، وها هي ذي كلمته

كلمة عظيمة حتى على حكيم

لكن الملك وجّهه بمهارة

إلى ما كان مسطورا في لوح

ولم ييأس، بل ظل

يردّد دائما: إقرا

فقرأ حتى انحنى الملك

وأصبح ممن

يعرفون كيف يقررون

ويستمعون ويتمون ” الرّسالة”.

ويرى الدكتور عبد الرحمان بدوي أنّ السبب الذي كان وراء كتابة هذه القصيدة ربّما مأتاه التأثر بكتاب “الديوان الشرقي للمؤلف الغربي” أو أنّ الشاعر قد قرأ سيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتأثر بها وبسورة “العلق”.

* رلكه في مصر

في سنة 1911 أبحر الشاعر إلى مصر وهو يشعر أن عالم الشرق بدا يتفتّح له بل وقد استولى على كامل وجدانه عندما بدأ رحلته من الإسكندرية إلى القاهرة ومنها ركب الباخرة إلى الصعيد عبر نهر النيل حيث أوحت إليه بقصيدة “الكرنك”.

“كان ذلك في الكرنك

إلى هناك ذهنيا على فرس

هيلمانه وأنا،بعد عشاء سريع

وتوقّف الترجمان: هنا طريق آباء الهول

آه..المدخل… لم أنص من قبل

في عالم جديد مثل هذا

أهذا ممكن أيتها العظمة؟

لقد عظمت في نفسي عظمة مفرطة

السفر، هل هو البحث؟ الآن، قد أصبح غاية

والحارس عند المدخل أشعرنا

بقشعريرة المقدار: فلكم كان صغيرا

إزاء ارتفاع البوّابة المتواصل

والآن، طول العمر كله

العمود، ذاك العمود،ليس كافيا

إنّ التدمير جعله على حق

لقد كان أعلى

من أيّ سقف؟ ولكنه بقي حاملا.

لقد أودع الشاعر رلكه هذه القصيدة كل إنطباعاته تلك التي خطرت له قبل مشاهدة الآثار الفرعونية وسجل فيها أيضا ما لمسه من عظمة الإبداع المصري القديم في الأقصر وطيبة ووادي الملوك والمناطق المجاورة حيث يقول في إحدى قصائده:

الفلاح الذي كان يرافقنا

ظلّ في المؤخرة، لقد كنا في حاجة إلى وقت

لتحمل أثر هذا، إذ كان أثرا شبه مدمر

أثر الوقوف وحده في الوجود:

لو كان عندي ولد

لأرسلته إلى هناك في نقطة تحوّل العمر

التي فيها يكّرس المرء نفسه للحق وحده

وعلى طول الجدران ملاحم

الملوك: لم يسمع بمثلها

وامتلأت التماثيل بنور القمر

واحد إثراء آخر

لقد كان نحتا بارزا”.

و يتحدث ـ رلكه ـ عن رؤيته لتمثال أبي الهول فيقول: “تركت ساعة العشاء تمرّ وكان الأعراب يقعون هناك بالقرب من نارهم والظلمة تحول بينهم وبين رؤيتي، لقد انتظرت حثي أسدل الليل ستائره بعيدا في الصحراء ثم مشيت من خلف أبي الهول وقدّرت أنّ القمر لا بد أن يكون على وشك الطلوع خلف الهرم القريب الذي أحرقته شمس المغيب ذلك أن الليلة كانت ليلة بدر، وفي الواقع لم أكد أستدير حول أبي الهول حتي كان القمر قد تصاعد عاليا في السّماء وانتشر منه فيض من النور على الأفق اللامتناهي”. ونرى رلكه في قصيدة “أبي الهول” يخلط بين ذكريات الأقصر والكرنك وطيبة وبين ذكريات أبي الهول والأهرام حيث يقول فيها:

“إنه يقوده بخفة خلال مناظر الأنين

ويدلّه على أعمدة المعابد أو إطلال

القصور المحصنة التي كان بها أمراء الأنين

يحكمون البلاد بحكمة

ويدله على أشجار الدموع وحقول الأحزان الزّاهرة

ولا يعرف الأحياء عنها إلا الأوراق الرقيقة”.

ويرى الدكتور عبد الرحمان بدوي أنّ القصيدة تحتاج إلى تفسير لأنها تحيل على عدة إشارات حول التاريخ الفرعوني.

مقال لنفس الكاتب بأنباء تونس :

نص جديد للشاعر سُوف عبيد : حسناءُ سطيف

 




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى ملكية فكرية خاصة