.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

الشاهد ينعى مصطفى الفيلالي


 

توفي صباح اليوم الإثنين 21 جانفي 2019 المناضل الوطني الدستوري مصطفى الفيلالي وسينطلق موكب جنازة الفقيد يوم غد الثلاثاء لتشييعه إلى مثواه الأخير إلى مقبرة رادس.

ونعى رئيس الحكومة يوسف الشاهد الفقيد في تدوينة نشرها في صفحته الرسمية.

فيما يلّي التدوينة:

الله اكبر
انتقل إلى جوار ربه المغفور له، المناضل الوطني الدستوري ورجل الدولة مصطفى الفيلالي. وبرحيله تفقد تونس واحدا من ابناءها الاوفياء. حيث منح الفقيد حياته لخدمة تونس من مختلف المواقع بتفان وإخلاص.
رحم الله الفقيد مصطفى الفيلالي واسكنه فسيح جنانه ومنح أهله وذويه وكافة الشعب التونسي جميل الصبر والسلوان

 




الشاهد ينعى مصطفى الفيلالي

  1. الدكتور المنجي الكعبي

    من أعلام المعاصرة المثقف الكبير الأستاذ مصطفى الفيلالي – رحمه الله

    بقلم الدكتور المنجي الكعبي
    الموت لا يغيّب الحي ولكن يخلّده بأعماله، وممن أعماله لا تموت فقيدنا العزيز، بل فقيد الوطن ومَفْخرة أبنائه الأستاذ مصطفي الفيلالي، الذي هو أكثر من أستاذ وقائد وقدوة في كل مجال من مجالات حياته، النضالية والنقابية والإدارية والسياسية والنيابية والحزبية؛ وفي غير ما سوى ذلك من مجالات الإبداع الفكري والثقافي والفلسفي والديني.
    رجل رؤية وإصلاح واستشراف، حتى لكان أحد القلائل، لا تغادرهم خطة أو يغادرونها – أو وظيفة أو مهمة أو رسالة – إلا وهو عالي الهمة كبير النفس، غير طَموع أو طموح في تكريم أو تشريف غير مستوجب أو مستحق؛ وإلا وهو لم يترك فيها بصمته القوية وكلمته النافذة، وكلمته الناقدة كذلك، وأسلوبه المتفرد.
    عاصر القبائل والعروش في أوْجها شهامة ووحدة كلمة، ونَفرة ونُصرة واستبسالاً من أجل الوطن ومجده، والدين وعزته، والرجولة وبيض أياديها؛ وعاصر الدولة الحديثة، تحت بسطة القائد الأوحد الموحِّد لقريبها وبعيدها، مغمورها ومهجورها، حضَرها وباديها، وكأنه أراد أن يبني من ورائه أمة واحدة موحدة، تكون كذلك الجزء الذي لا يتجزأ لوحدة المغرب العربي الكبير المأمول ثم للوحدة العربية الإسلامية. ولم يُعجزه حُلمه، وهو الذي يعلم أن الدول لا تُبني بعمر الأنسان القصير ولكن بأعمار الأجيال من عمر البشر، فمضى يُعدِّي على سلبيات المواقف ومخلفات العُقد وصعوبات الظروف بالكتابة والحوار والمحاضرة والتحرك لدفع الهمم وإثارة العزائم، من أجل التمسك بالعروة الوثقى، التي لم يكن ليَفلت حبلها من يده، ككل مؤمن بمستقبل بلاده تحت غير نير الذلّ والتعبية للعادي والمعتدي على ذاتيتها القومية والدينية المخلّدة.
    فبقي مصطفى الفيلالي هو هو، الجديد المتجدد مع كل جديد يَجدّ، وكأنه يريد الأول أن يأخذ الأحداثَ على براءتها الأولى ليصنع منها ما صنعه الفاتحون الأولون من مجد لأوطانهم. وظل ثابتاً على عروبته لغة وثقافة وانتماء وعلى دينه عقيدة واجتهاداً، حين كرمه الله بالمسؤوليات الأولى في بناء دولتها الوطنية بعد الاستقلال، ثم في أزماتها بالحداثة والمعاصرة ومواكبة الأمم علماً وتقنية وصناعة؛ ولا تجده إلا مقداماً في الخطوات الأولى للتصحيح والإصلاح والبناء دون التهديم، مثلَ فِعله الحثيث مع الثورة في أقسى ظروفها استقراراً، كأحد شيوخ الحكمة ومراجع النظر والتدبير.
    وإذا قلنا إنه، من الأول ملأ صدره بالقرآن الكريم وتربى على فضائل المنشأ في صميم جلاص وأعاليها، مَحتد العراقة والفروسية والكرم والشرف، ثم أخذته الرحلة للعاصمة، من بلدته البعيدة في أعالي شراحيل سيدي علي بن نصر الله، بلدة القرآن والأولياء الصالحين والكدح وبناء الهمم العالية، للتعليم الوطني الحديث العصري من صادقية خير الدين وخلدونية الزيتونة، ما تقَوّم به عُودُه قبل أن تؤهله مواهبه الخارقة على أقرانه للالتحاق بجامعة السربون لنيل الاختصاص في الآداب والعلوم الإنسانية، وفي مقدمتها علوم بلاده العربية وحضارته الإسلامية وما خلفته من آثار على تقدم العلوم الاجتماعية والاقتصادية في فرنسا وفي سائر أوروبا منذ أيام القيروان والأندلس وبلرم وغيرها. وجعلته ينافس فيها أقرانه الفرنسيين في ألزم ما ألزمهم من أسرار تقدّمهم في الحريات وفي جماليات الكون والحياة وفي الديمقراطية واكتساب ناصية العلوم والمعارف.
    فلم يكن هذا الزاد ليخطئه في سائر حياته خطيباً مصقعاً ومحاضراً لبقاً ومحللاً اقتصادياً واجتماعياً ومسؤولاً سياسياً ونقابياً ورجل دولة معتبر. وأكثر من ستين عاماً عطاء بعد شبابه الأول وهو على رأس المسؤوليات، لا يخطئ الباحثُ إذا لم يجد عطاء متفرداً في كل سنوات مصطفى الفيلالي الواحدة تلو الأخرى، الى آخر أيامه كيعسوب النحل يعالج خلايا ما بعد الثورة ليستقر على حال تكون للدولة فيها وللمجتمع الغلبة على مشاكل التخلف والنمو.
    إن الموت يخلد الأحياء بقدر ما تخلدهم أعمالهم.
    تونس في ٢١ جانفي ٢٠١٩

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى ملكية فكرية خاصة