.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

الإصلاحات الجبائية في قانون المالية : حول التصدي للتهرب الضريبي وتحديد مفهوم ومجال السر المهني


 

الإصلاحات الجبائية التي تعتبر من ناحية إصلاحات هيكلية تستهدف المدى البعيد ومن ناحية أخرى تتطلب الحوار مع القطاعات المعنية وعدم التسرع بل دراسة هذه الإصلاحات من جميع جوانبها القانونية، الإقتصادية والإجتماعية لكي لا تكون محل صراع واحتجاجات و طعن من طرف بعض القطاعات المهنية وهو ما حدث مع قانون السر المهني.

بقلم فوزي عبيد

أصبحت فترة إعداد وإصدار قوانين المالية السنوية فترة مخاض عسير وفي عديد الأحيان مجال صراع مع عديد القطاعات وهذا يرجع بالأساس إلى تحميل قانون المالية أكثر مما يحتمل فالقانون الأساسي لإعداد الميزانية عدد 53 لسنة 1967 الذي تم تنقيحه و إتمامه سنة 1996 وسنة 2004 كان واضحا في تعريف ماهية قانون المالية من حيث تحديد جملة تكاليف الدولة والموارد الخاصة بهذه التكاليف السنوية حسب أهداف مخططات التنمية وحسب التوازن الإقتصادي والمالي الذي يضبطه الميزان الإقتصادي بمعنى إرتباطه بفترة قصيرة المدى.

لذا لا يمكن تحميله عبء إصلاحات كبرى كالإصلاحات الجبائية التي تعتبر من ناحية إصلاحات هيكلية تستهدف المدى البعيد ومن ناحية أخرى تتطلب الحوار مع القطاعات المعنية وعدم التسرع بل دراسة هذه الإصلاحات من جميع جوانبها القانونية، الإقتصادية والإجتماعية لكي لا تكون محل صراع فأغلب قوانين المالية في السنوات الأخيرة أصبحت محل طعن وإحتجاجات عارمة.

التصدي للتهرب الضريبي وضرورة تحديد مفهوم ومجال السر المهني

من بين هذه الإصلاحات الجبائية التي أرادت الحكومة القيام بها تخص تعريف السر المهني وتحديد مجاله بالنسبة للمهن الحرة ومن بينها قطاع المحاماة حيث أن عدم تحديد مفهوم ومجال السر المهني كان من المؤاخذات المسجلة على النظام الجبائي التونسي من حيث تصديه للتهرب الضريبي فقد تتطرق تقرير النظراء من منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية ( (OCDE في الصفحة 65 – الفقرة 214 إلى أن مفهوم السر المهني المطلق لدى المحامين يتعارض مع القوانين الدولية وهو معيار غير شفاف حيث وجب تحديده في صالح الحريف ولكن دون تعارض مع مصالح الجباية وضرورة تماشيه مع الفصل السادس عشر من مجلة الإجراءات الجبائية حيث خلص التقرير في صفحته 68 إلى تعارض ذلك مع الفصل 26 من الإتفاقية الجبائية النموذجية العالمية لتبادل المعلومات الجبائية ومكافحة التهرب الضريبي  والتي وقعت عليها تونس في إطار سعيها لمكافحة التهرب الضريبي والتي تمكنها من الحصول على معلومات حول المتهربين ضريبيا من الدول الأخرى الموقعة على الإتفاقية.

وهذا التمشي بالذات هو السبب الرئيسي إلى جانب المؤاخذات على عمل  لجنة التحاليل المالية من حيث مكافحة غسل الأموال الذي أدى إلى تصنيف تونس ضمن القائمة الرمادية للمتهربين ضريبيا سنة 2017 من قبل الإتحاد الأوروبي حيث يعتمد هذا الأخير في تصنيفاته للدول التي تعتبر ملجأ للتهرب الضريبي على مدى إحترام هذه الدول لمعايير الإتفاقية الجبائية النموذجية العالمية لتبادل المعلومات الجبائية ومكافحة التهرب الضريبي.

بالنسبة لقطاع المحاماة فقد تم إصدار المرسوم المنظم لمهنة المحاماة بتاريخ 20 أوت 2011 حيث تم التنصيص على السرية المطلقة للسر المهني كضمانة لعمل المحامي ومنوبه بإعتبار المحامي أحد أعمدة القضاء ولكن هذا لايمنع من ضرورة تحديد مجال السر المهني وعدم الإرتكاز عليه في التهرب الضريبي مع ضمان حقوق الموكل ولكن تقديم الفصل بطريقة متسرعة وعدم إستشارة أهل القطاع أدى إلى رفضه بالرغم من وجاهة طرحه مما أدى إلى الطعن في الفصل 36 لتعارضه مع  المعاهدات الدّولية والفصول 20 و24 و49 و64 و65 و66 و105 حيث تشبث المعارضون لهذا الفصل خاصة قطاع المحاماة و المحاسبين  بتعارض الفصل 36 مع العهد الدّولي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية المصادق عليه من قبل الدّولة التّونسية في 18 مارس 1969، وهذا العهد هو معاهدة دولية يرفعها الفصل 20 من الدّستور إلى مرتبة أعلى من القوانين ما يحتّم تطابق هذه الأخيرة معه، وحيث أنّ رفع السرّ المهني ينال من مبدأ الأمن القانوني ويخالف تعهّدات تونس الدّولية في هذا الإتجاه ضرورة أنّ الحق في سريّة المعلومات والمعطيات الخاصّة بالحرفاء من بين الحقوق المترتبة عن واجب كلّ الدّول الممضية على هذا العهد، وطالما أنّ الفصل 36 لم يكن منسجما مع مقتضيات هذا الإلتزام الدّولي فيكون حينئذ مشوبا بعدم الدّستوريّة، هذا إضافة إلى أنّ الفصل 36 المذكور قد جرّد المحامي من الضمانات القانونية التي تكفل حمايته وتمكنه من أداء مهامّه وأهمّها حفظ السّرّ المهني نظرا لعلاقة الثقة التي تنشأ بينه وبين حريفه كما أنّ الصّيغة الجديدة للفصل 16 من مجلّة الحقوق والإجراءات الجبائية مثلما يقتضيها الفصل 36 المشار إليه تنال من جوهر استقلالية المحامي تجاه مصالح الجباية ومن تفرّغه للدّفاع عن حريفه بما يقتضيه واجب النّزاهة والأمانة الأمر الذي يخالف مقتضيات الفصل 105 من الدّستور وما يكفله للمحامي من ضمانات واستقلاليّة، ذلك أنّ المحامي أو المؤتمن على سريّة الوثائق والمعلومات التي يقدّمها له الحريف والتي يكفلها الدّستور في فصله الرابع والعشرين وتعرّض المخلّ بها إلى عقاب جزائي طبقا للفصل 254 من المجلّة الجزائية، وحيث أنّ تنظيم المشرّع لممارسة الحقوق والحريات يمنع النّيل من جوهر الحقّ عكس ما تضمّنه الفصل 36 الذي ضيّق هذا الحقّ مقارنة بالصّيغة النّافذة للفصل 16 من مجلّة الحقوق والإجراءات الجبائية، وحيث أنّ الإخلال بهذه القواعد الدّستورية والقانونية تنال من مبدأ الأمن القانوني، وحيث أنّ واجب المحافظة على السر المهني يسري على كلّ المهن ذات الصّلة بالقضاء والخبراء المحاسبين والمهن الطّبيّة فيكون تبعا لذلك الفصل 36  مخالفا لمقتضيات الدّستور في فصليه 24 و 49.

مزيد من التّدقيق في مشاريع القوانين حتّى تكون مطابقة لأحكام الدستور

وفي نفس الإتجاه يرى المحامون أنّ الأحكام التي تؤطّر عمل المحامي ينظّمها مرسوم المحاماة الذي يرتقي إلى مرتبة القانون الأساسي ولا يمكن تنقيحه بمقتضى قانون عادي (قانون المالية) عملا بقاعدة توازي الشكليات فيغدو بذلك الفصل 36 مخالفا للفصل 64 من الدّستور من هذه النّاحية. ومن ناحية أخرى فإنّ أحكام الفصل 36 المذكور لا تتعلّق بتكاليف الدّولة ومواردها ما يجعلها خارجة عن المجال الحصري لقانون الماليّة الأمر الذي يكون معه هذا الفصل مخالف للفصل 66 من الدّستور.

هذا الطعن لدى الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين  تم قبوله ولكن عكس ما يروج له أنه تم إسقاطه نهائيا فقد كانت الهيئة واضحة بالنسبة لهذا الفصل أن يحتاج للتدقيق والمراجعة حيث إعتبرت أن الفصل 36 ورد في إطار توضيح مجال السّرّ المهني الذي يمكن الاعتصام به إزاء مصالح الجباية والحال أنه تجاوز ذلك إلى إلغاء أحكام الفقرة الأخيرة من الفصل 16 من مجلّة الإجراءات والحقوق الجبائية، وحيث أن الفصل 36 على حاله سيؤدي إلى صعوبات في التطبيق من شأنها المساس بمبدأ الأمان القانوني ومقروئية النص وبما قد يؤدّي إلى النيل من الحق في المحافظة على السّر المهني والضمانات المكفولة بالفصلين 24 و49 من الدّستور، وحيث أنّ النصوص الجبائية تؤوّل على نطاق ضيّق وعملا بهذه القاعدة فإنّ عبارة المعلومات المتعلّقة بالخدمات المسداة من قبل الأشخاص المحمول عليهم قانونا المحافظة على السّرّ المهني الواردة في الفصل 36 من مشروع القانون المطعون فيه تحتاج إلى مزيد من التّدقيق حتّى تكون مطابقة لأحكام الدستور.

بعد رد الهيئة بعدم دستورية الفصل 36 على حالته هذه ينتظر اليوم النظر في الفصل من جديد من قبل لجنة المالية بمجلس النواب والمطلوب هو الإستفادة من التجارب السابقة والأخطاء التقنية وعدم تحميل قانون المالية أعباء إصلاحات جبائية يكون إطارها الصحيح هو الحوار مع القطاعات المعنية خاصة أنه من المنتظر حصول نفس الإشكال مع قانون مكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال وكذلك ضرورة تحلي هذه القطاعات بالمسؤولية تجاه دورها السياسي و الإقتصادي.




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى ملكية فكرية خاصة