.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

حديث الجمعة : شرعية عيد الأضحى بدون أضحية


 

 

بلقم فرحات عثمان

عيد الأضحى الذي احتفلنا به في اليومين الأخيرين لم يختلف هذه السنة أيضا عن سائر ما يميّز حياتنا الإسلامية من تنكّر للدين الصحيح؛ وإن لم يكن هذا جديدا علينا اليوم، فهو أيضا ليس بالغريب عن السلف. فممّا يُروى عن الصحابي أبي الدرداء أنه قال، ولم يكن زمنه في بعد زمننا عن عهد الرسالة، أن الرسول لو قام لما عرف دينه بخلاف الصلاة. هذه الرواية غير مشكوك فيها، وقد ذكرها العديد من الثقاة، منهم في الاعتصام صاحب النظرية المقاصدية لفهم الدين، الإمام الشاطبي.

وهي تؤكّد بما لا يدعو إلى الشك مدى متاجرتنا بالدين وتعاليمه حسب أهواء من يدّعى التمسك به والمنافحة عنه وهو ينقض دعائمه من الأساس؛ فإذا هو هذا الدين الهجين، لا إسلام الحنيفية المسلمة. فإلى متى مثل هذا التشويه لديننا؟ وكيف الخلاص منه، وعلى الأقل فيما يخصّ عيد الأضحى؟

 

كيف الخلاص من المتاجرة بالدين؟
لقد أدخلنا الدين في صراعاتنا السياسية والأيديلوجية، وما سلمت منها الأعياد، إذ هي الفرصة السانحة للسلط القائمة لإحكام قبضتها على المجتمع. فهذا رئيس الجمهورية بتونس يؤم المحافل الرسمة بعد أن أكّد أخيرا أن الدولة مدنية لا دخل للدين في قوانينها؛ فما الذي يحمله على إقحام الدولة في مراسم الدين وهناك من مهمّته الرسمية التكفّل بتمثيل الدولة الراعية للدين حسب مقتضى الدستور، أي مفتي الديار التونسية ووزير الشوؤن الدينية؟

ثم ها نحن لا ننتهي عمّا دأبنا عليه من اختلاف في تحديد التواريخ، إذ تأخّر المغرب كعادته في الاحتفاء بالعيد، فلم يتم بالمملكة وببعض البلاد التي اتبعته إلا يوم الأربعاء بينما يرتبط هذا العديد بما يحصل بمكّة في نطاق الحج بما أنّه يرتبط بالموسم ارتباطا وثيقا.
هذا، ولقد بينّا في عديد المقالات أن عيد الأضحى لا معنى له خارج شعائر الحج، إذ هو عندها إلا عادة شعبية وتجارية بحتة كما هي الحال عندنا. فعيد الأضحى لا علاقة له بشعائر الدين إلا في نطاق الحج، أي أنه لا وجوب للاستنان بتضحية إبراهيم بولده إلا في الحج، وهذا ما كان يفعله الرسول، إحياء لسنة الخليل في نطاق شعائر الحج. فكل ما نراه كل سنة من طقوس ذبح الخروف باسم الإسلام ما قال الله به وما أتاه الدين خارج المحيط المكّي وفي نطاق شعائر الحج.

فهل يعلم العديد من أهل الإسلام ممن احتفل هذه الأيام بعيد الأضحى أن كلمة الأضحى (لا الإضحى) التي تقترن بالعيد لا علاقة لها بالخروف الذي ذبحوه، بل هي من فعل ضحا أي ارتفاع النهار؛ من الضحو والضحوة والضحية. فعندما نقول ضحّينا، نعني أتينا ضحى، وكان ذلك عادة عند الإغارة التي تتم باكرا عند طلوع الفجر. من هنا جاء قولنا ضحّي بالشاة أي ذبحها ضحًى يوم النحر. من ذلك قوله تعالى في سورة طه، الآية 119 «وأنك لا تضمأ فيها ولا تضحى» أي لا يؤذيك حرّ الشمس.
بذلك، لا معنى لعيد الأضحى إذ ليس هو عيد الصباح الباكر، إذ نعني عيد ذبح الشاة في الصباح الباكر. وهذا ما نفعله خلافا لما أتى به الإسلام، حيث لا عيد للأضحى، بل هو في أقسى الحالات عيد النحر في الضحى. فضحّى بالشاة يعني ذبحها ضحى يوم النحر الذي هو من أيام الحج. هذا هو الأصل، ولو أن التضحية أصبحت تُستعمل في جميع أوقات أيام النحر . لذا، فعندما نقول: ضحّى بشاة من الأضحية، نحن نعني ذبح شاة يوم الأضحى أي يوم النحر، أي في آخر موسم الحج.

ليكن العيد خارج مكّة بدون أضحية!
إنه من حق الناس، لا محالة، ممن يبتغي ذبح خروف أن يفعل ذلك حسب ما اعتاده ودأب عليه؛ لكن هذا يقتضي النزاهة في عدم التعلّل بالدين في الاتيان بهذا التصرّف، وهو من باب العادة لا التقوى الصحيحة. وهل من التقوى اليوم ما نراه في بيوتنا أيام العيد وقبلها؟ متى كان الدين لهو وأوساخ ونهم وتخمة؟ أليست تعاليمه تحث على النظافة والتعفّف وعدم التفكير في االبطن قبل التنبّه لحال الفقراء المعدمين حولنا، وقبل إحكام التصرّف في مصاريفنا لعدم تبذير المال باسم الدين في الثانويات مع ترك الأهم؟ فنحن نرى البعض يقترض لشراء الخروف ثم لا يجد ما يسدّد به مصاريف تعليم ذراريه، أو إكساء فقير وإطعام جائع. فهذا هو الإسلام الصحيح، لا ما نفعله من تظاهر ورياء لا يمثّل الدين في شيء.

إننا بلغنا الحد الأقصى بالاستهتار بدين القيّمة وقد وصل البعض ممن يدّعون الإسلام إلى الإجرام باسم هذا الدين الذي هو السلام أو لا يكون. فكما فعلنا بالجهاد، فتمسكّنا بالأصغر الذي انقرض وتركنا الأكبر الذي لا يزول، وهو جهاد النفس لكفّ اليد واللسان عن إيذاء الغير، جعلنا من الدين مناسبات قصف ولهو ومرح باسم الدين، أو فرص نسهر فيها على التظاهر باحترام تعاليمه، كأن نرتّل آياته على رؤوس الملأ حبّا في التظاهر والمراءة لا حبّا في الدين وعملا بما يفرضه من عدم الرياء والنفاق.
فكيف لا يكون نفاقا ما يحرص الناس عليه اليوم من إظهار تمسّكٍ بشعائر دين أكّد على أن التقوى الصحيحة هي التي محلّها القلب والجوارح، إذ أفضل التقوى ما خفى على الناس، فلا يراه إلا الله الذي يرى كل شيء. هل نحن نبتغى هذا فعلا حين نحرص على استعمال الأبواق في صلواتنا ووعظنا الذي ليس هو إلا الاجترار لما ما تحجّر في الكتب الصفراء، عوض الاجتهاد في تثوير معاني الدين باستعمال العقل الذي حث الله على التحلّي به دوما؟

وكيف يكون مثل هذا مع التمعّن اللازم في التعاليم السنيّة والقرآن لا يُرتّل في أماكن الدرس التي يمكن فيها الاعتكاف، بل نتصرّف فيه كما نفعل مع الغناء، نسمعه في كل مكان، يُذاع على قارعة الشوارع وعلى رؤوس الملأ كأن لا هيبة له تمنع مثل هذا الاستهتار؟ فأين أهل الإسلام النزهاء لمنع مثل هذا الانتقاص من قدسية القرآن ليحفظوها من أفعال التجّار هذه؟
وبالنسبة لعيد الأضحى، أين أهل الدين الصحيح لتذكير من يجهل دينه أن الرسول طالما أحيا سنّة إبراهيم الخليل في ابنه إسحاق لا إسماعيل، إذ هذا رأي أغلب الصحّابة وفقهاء الزمن الأقرب للرسالة. ذلك أن إسحاق، وإن لم يكن الولد البكر لخليل الرحمان، فهو أكبر أبنائه الشرعيين؛ بما أن إسماعيل ابن أمة، فلم تكن له حقوق الإبن الشرعي حتى يأمر الله بتضحيته. ثم إن هذا ما ورد في التوراة، بينما لم يصرّح القرآن باسم الذبيع؛ ودين الحنيفية المسلمة لا يرفض ما أتت به الشرائع الكتابية فيما لم يقع تحريفه أو ما أتى بإصلاحه الفرقان. فهلّا انتهينا عن التورية وأعلمنا الناس بدينهم حتى يعلموه حق علمه فنخرج من الفولكلور الذي أصبحنا عليه والتحارة التي صار إليها الدين؟

إنه من الشرعي في الإسلام الصحيح الاحتفاء بسنّة إبراهيم خارج الحج بدون أضحية، فيكون الاحتفاء أفضل تقوى وأقل مظاهر مزرية مما ارتبط بالعيد اليوم، سواء من شهوات البطن أو من التصرفات المنكرة، كترك فضلات الأضحية على قارعة الطريق. أما إن تشبثنا بالأضحية، فإذا ابتغينا أن يكون هذا حقا من الدين وباسمه، فلا مجال أن يتمّ ذلك إلا في نطاق الحج؛ علما وأن الأضحية، في هذا المجال، ليست مقصورة على الخروف، لأن الأشهو في دواب البدن أن تكون عظيمة الحجم، كالبقر والنوق. هذا ما في الإسلام الصحيح؛ فهلاّ تعرّفناه والتزمنا به!




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى ملكية فكرية خاصة