الرئيسية » حضرت فلسطين وغابت القدس

حضرت فلسطين وغابت القدس

 

اللجنة المشتركة التونسية المصرية  التي عقدت دورتها 13 مؤخرا بتونس كانت بالفعل مناسبة لاستعراض سير علاقات الأخوة و التعاون القائمة بين البلدين و النظر في سبل دعمها و تطويرها خدمة للمصالح المشتركة و تعزيزا للتضامن العربي و لا سيما في هذا الظرف الدقيق الذي تعيشه المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج.

و لئن تطرق الاجتماع إلى أمهات القضايا المطروحة على الصعيدين الإقليمي و الدولي فإن الواضح أن الملف الليبي قد استحوذ على الحيز الاوفر من المباحثات الثنائية وهو ما نستشفه من تصريحات الوزيرين التونسي خميس الجهيناوي و المصري سامح شكري في المؤتمر الصحفي الملتئم في اعقاب أشغال اللجنة .

و ليس غريبا ان يستقطب الملف الليبي كل هذا الاهتمام. فالقضية الليبية أضحت شائكة التطورات و أضحت انعكاساتها الأمنية و العسكرية و الاقتصادية و الاجتماعية تنذر بالخطر على واقع البلدان المجاورة مصر من الناحية الشرقية و تونس و الجزائر من الناحية الغربية، و حتى على الواقع الجيواستراتيجي بعد ما سمي بالربيع العربي الذي لم تجن منه المنطقة العربية إلا الأشواك  و المآسي  والدمار بما جعل شعوب المنطقة و لا سيما الشعبين التونسي و الليبي يتمنون ، في لاوعيهم على الأقل دون الإفصاح بالمشاعر و التأوهات ، العودة إلى العهود السابقة رغم ما فيها من استبداد و تسلط و لكن الأمن و الأمان كانا سيد الموقف في غياب المناخ الديمقراطي الموعود به من قبل الربيع العربي الذي انتفت معه الازهار ليحل محلها العلقم بأشواكه.

إن الخلاف الشديد القائم بين الطرفين المتنازعين على سدة الحكم في ليبيا جعل المواقف العربية متذبذبة متضاربة غير متبنية  لتوجه  موحد . فبين مؤيد لهذا الشق و مناصر للشق الآخر بقيت القضية تراوح مكانها على الرغم من التأكيد ضمن البيانات المشتركة على تطابق وجهات النظر و على الرغم كذلك من الجهود المبذولة دون هوادة من طرف دول الجوار مصر و تونس و الجزائر قصد تغليب لغة العقل و الجلوس إلى طاولة الحوار و استبعاد الحلول العسكرية و الجنوح إلى الحل السلمي التوافقي في ظل حزام سياسي تكفله منظمة الأمم المتحدة.

و ما انعقاد الاجتماع العاشر لوزراء الخارجية لدول الجوار مع ليبيا مؤخرا بالقاهرة إلا تأكيد صريح لهذا التوجه وللحرص على دفع مسار التسوية السياسية و الوصول إلى حل توافقي، بعيدا عن كل تدخل اجنبي بما يمكن من استعادة مناخ الامن و الاستقرار في هذا البلد الشقيق و يحفظ وحدة أراضيه و يفسح المجال أمام إعادة إعماره و استعادة ما دمرته الحرب من بناءات و تجهيزات يبقى الشعب الليبي في أمس الحاجة إليها حتى تعود إليه الطمأنينة و يعود إليه الأمل في الحياة.

و إذ يظل الملف الليبي يطفو على سطح الاهتمامات العربية منذ أكثر من خمس سنوات فقد تم ذلك على حساب القضية الأم، القضية الفلسطينية التي أفل نجمها و انطفأ بريقها و تأخر ترتيبها في سلم مشاغل القادة العرب و أنظمتهم بحيث اشتبهت أمامهم السبل و تعقدت الظواهر و المعطيات و أصبحوا لا يلوون على شيء سوى الحفاظ على مواقعهم خوفا من زحزحتها و الدفع إلى الانقلاب عليها و الإطاحة بها.

لقد ولى ذلكم الزمان الذي كانت تتصدر فيه القضية الفلسطينية كل المنابر و المؤتمرات و اللقاءات والبيانات فقد كانت تشغل البال العربي في كل الاصقاع والكل يندد بما يأتيه العدو الصهيوني من انتهاكات وتعذيب وقتل و تهجير، و الكل أيضا يناصر و يؤيد الكفاح الفلسطيني الباسل من اجل تحرير الوطن السليب و إقامة الدولة الفلسطينية الحرة و المستقلة و عاصمتها القدس الشريف.

أما اليوم فقد بحت الحناجر و تشتت الفكر و احتار العالم العربي في امره الجديد بابعاده السياسية و الجغرافية. فلا الجغرافيا هي الجغرافيا إذ انفجرت الحدود و بدا التأسيس لدويلات صغيرة تزيد في تشتيت الصفوف العربية و إضعاف نفوذها. و لا السياسة هي السياسة إذ انقرضت سيادة الأوطان و ذهبت أدراج الرياح و أصبحت الأوطان تساس من خارج حدودها. و إلا كيف نفسر ذلك الصلف الأمريكي على لسان الرئيس الجديد دونالد ترامب في الأمر بنقل السفارة الأمريكية بأسرائيل إلى القدس الشريف دون أن تحرك المجموعة العربية ساكنا. فحتى البيان الختامي لأشغال اللجنة المشتركة التونسية المصرية  لم تشذ على قاعدة الواقع العربي الجديد. فقد اكتفى كالعادة بذكر حرص الجانبين على الدعم المتواصل لنضال الشعب الفلسطيني  من أجل استرجاع حقوقه و إقامة دولته المستقلة على أراضيه و لا إشارة حتى بالإيحاء إلى القرار الأمريكي. فقد حضرت فلسطين في هذا البيان و غابت القدس.

وجدي مساعد

شارك رأيك

Your email address will not be published.

error: لا يمكن نسخ هذا المحتوى.