الرئيسية » حديث الجمعة : إنما الإسلام الثقافة !

حديث الجمعة : إنما الإسلام الثقافة !

 

 

بقلم فرحات عثمان

إذا كانت السياسة أخلاق أو لا تكون، كما بيّنا ذلك في حديث الجمعة السابق، فالإسلام، وهو دين ودنيا، شعائر ومعاملات، ليس إلا ثقافة كونية إناسية.
من التعريفات الرشيقة للثقافة بصفة عامة أنها ما يبقى عندما ينسى المرء كل شيء؛ وهذا لعمري التعريف الأصح لدين الإسلام الذي يبقى لا محالة عندما يزول كل الشيء، بما فيه التعاليم السماوية الأخرى، إذ هو خاتم الرسالة الإلهية نظرا لأزلية تعاليمه الصالحة لكل زمن ومكان.
حتما، ليس هذا في الإسلام الشعائري، بل هو في ما فيه من ثقافة عالية الكعب في إناسيتها وكونيتها؛ فملة محمد، الحنيفية المسلمة، هي دين ودنيا، شعائر ومعاملات.
هذا هو الإسلام الصحيح، إسلام الغد، وقد أصبح إسلام اليوم غريبا عن أهله وعن منابعه الفيحاء كما أتى بها سيد الآنام الذي جاء متمما لمكارم الأخلاق، وهي ثقافة قبل أن تكون شعائر. وهذا ما لا يتعارض مع الروح العربية التي أكدت على الفتوة، فقال المثل : إنّما المَرْءُ حديثٌ بعده، للحثّ على حسن العمل والتّعامل.
وبما أن الزمن الذي أظلّنا هو فترة ما بعد الحداثة، فذاك الإسلام مابعد الحداثي بامتياز، وهو ما اقترحنا كتابته : إ-سلام للتأكيد على ضرورة السلام فيه، أي سلامة اليد واللسان والذهن من الإفساد في الأرض. هذه هي السلامة الروحية، ميزة المسلم الحقيقي، لأن المسلم الدعي لا يمتلك السكينة الربانية التي تسكن أهل التصوف. كيف تكون إذن أخلاق هذا الإسلام الصحيح، الإسلام الصوفي ؟
طبيعة الأخلاق زمن ما بعد الحداثة :
إنها غير تلك الأخلاق الدعيّة التي همّها ما ظهر، وفيه الكذب والمراءاة والتملق، إضافة إلى دغمائية في فهم حرف النص الديني رغم أن كل بلاغته في ما بطن فيه من فصوص الحكم؛ ففي الفرقان من جوامع الكلم ما ليس له حصر ولا عد، وما يخفى ضرورة عن العبد أيا كان علمه.
لذلك ميّزت الصوفية بين العلم والمعرفة، وكان أهل العلم في الإسلام يختمون طروحاتهم بتعبير «والله أعلم». فالعالِم الحق في الإسلام، وهذا ما بيّنه العلم اليوم، لهو الجاهل الذي يقرّ بجهله، فإن اغتر وظن أنه علم، فهو يأتي بالدليل القاطع على جهله.
الأخلاق ما بعد الحداثية هي إذن مقاصدية، أي لا تهم أبدا بما في ظاهرها، بل بما بطن فيها من حكمة لا يصلها إلا من عرف الغوص في المعرفة الأخلاقية التي هي ككلام الله، لا قاع لها.
الأخلاق في زمن الجماهير هي البحر المحيط يزخو بالدر والمرجان لمن سعى ويسعى لها، ذلك قصده الذي لا نهاية له؛ فهو كالغواص، لا يفتأ يحصل على الكنوز في مكنون أعماق البحار عند كل غوص؛ إنها لا تفنى ولا تلخّصها ما يُخرج منها الغواص أيا كانت قيمتها.
طبيعة الأخلاق الثقافية الإسلامية :
كيف تكون الأخلاق المقاصدية الإسلامية؟ في مجال العقيدة، أي الجانب الديني للإسلام، هي ما مثّله تيار المرجئة في الإسلام. ومعلوم أن الإرجاء على معنيين، كما يقول الشهرستاني في في الملل والنحل؛ أحدهما يعني التأخير، والثاني الإعطاء والرجاء.
لقد أُطلق اسم المرجئة على جماعة دينية هامة في تاريخ الإسلام كانت تقول بتأخير العمل عن النية والعقد، فترى أنه لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وقد عدّ البعض الإمام أبا حنيفة من الفرقة، إذ كان يُقال له ولأصحابه «مرجئة أهل السنة» لقولهم إن الإيمان هو التصديق بالقلب وهو لا يزيد ولا ينقص.
هذا اختزال للأخلاق الحميدة الإسلامية التي تتجلى حتما باستدامة الاجتهاد الأكبر في تثوير معاني الدين بلا هوادة حتى لا يصبح غريبا؛ وتلك حتمية تفرض نفسها فرضا اليوم لتوقّف الجهاد الأكبر، رغم أنه الجهاد الإسلامي الوحيد، إذ لا جهاد غيره، خاصة الأصغر الذي أصبح مطية للإرهاب، بما في ذلك الذهني.
أما في مجال المعاملات، وهي كلها ثقافة، فتجليات الأخلاق تكون بالتزام كلمة السواء الإسلامية والكف عن ظلم الناس في كل شيء، خاصة في حياتهم الشخصية وفي حرياتهم الخصوصية، بما فيها الفكرية وما يتعلق بالمشارب والأهواء.
ذلك أنه لا واسطة بين الله وعبده، فلإن سلّم الإنسان أمره لله، فعن طواعية ولحريته التامة في كل شيء، لا يحدّها أي بشر؛ فمتى استُعبد الناس في دين القيّمة؟
لهذا، من المتحتّم تغيير فهمنا لعدة مواضيع، لعل أهمها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإجماع كذلك الذي حصل سابقا عند المسلمين، إذ لا بد له اليوم من الخضوع لقاعدة الاجتهاد المستدام.
من أجل فقهٍ أخلاقي ما بعد حداثي :
إن المعروف، في العربية، هو كل ما كان معروفا وفعله جميل مستحسن غير مستقبح عند أهل الإيمان بالله؛ بذلك سمّيت طاعة الله معروفا لأنه مما يعرفه أهل الإيمان فلا يستنكرون فعله. أما المنكر، فأصله ما أنكره الله والمؤمنون ورأوا قبيحا فعله؛ لذلك سمّيت معصية الله منكرا لأن أهل الإيمان بالله يستنكرون فعلها ويستعظمون ركوبها.
طبعا، للفقهاء مفهومهم الخاص للمعروف وللمنكر الموروث عن السلف؛ إلا أنه أصبح خاطئا بما أنه من استنباط من سبقهم الذين عملوا بما فرضه الله عليهم من ضرورة الاجتهاد، فاجتهدوا حسب مقتضيات زمنهم وأتوا بما كان مقبولا في عصرهم، متلائما مع ما تميّز به من خاصيات.
إلا أن ذاك الزمن تغيّر مع التبدل الحتمي للحياة الدنيا؛ لذا، من الواجب الشرعي اليوم الاجتهاد من جديد في تطوير هذا المفهوم لتحيينه حتى لا يبور؛ وهذا ما لا يفعل الكسالى من الفقهاء لبلادة فكرية، فإذا بهم يجعلون معروفنا ومنكرنا وكل أخلاقنا مجرّد مومياء!
المعروف اليوم هو كل ما كان معروفا عند البشر المتحضّر، أيا كان دينهم، إذ الإسلام دين الجميع لأنه ثقافة علمية عالمية. فإن كانت طاعة الله من المعروف بدون أدنى شك، فذلك ليس أبدا في الأخذ بشعائر الإسلام فقط مع ترك مقتضيات الإيمان الثقافية، إذ ذاك من إيمان الجوارح فحسب، لا القلب والروح.
إن المعروف، كل المعروف، في زمن ما بعد الحداثة، زمن الحاضر، لهو التعلّق بما يعرفه أهل الإيمان من البشر فلا يستنكرون فعله، سواء كانوا عربا أو عجما، من أهل الإسلام أو من أهل الإيمان؛ فالإيمان أعلى درجة من الإسلام الشعائري.
كذلك الحال بالنسبة للمنكر، فهو ما أنكره الله والمؤمنون و رأوا قبيحا فعله؛ وهذا لا يخص من أسلم شعائريا فقط، بل كل من آمن بدون تخصيصٍ ولا ارتباطٍ بالإيمان الظاهري، الذي يمكن لآلة القيام به. بذلك تكون معصية الله هي المنكر الحق لأن أهل الإيمان بالله من كل الديانات، كتابية كانت أو غير كتابية، وحتى من غير الديانات، وهم من خلق الله، يستنكرون فعلها فيستعظمون ركوبها، بما أن الله غير ظلام للعبيد طرّا.
هذه الأخلاق الإسلامية الصحيحة، وليس هناك غيرها، خاصة تلك التي طغت جرّاء تخلف بلاد الإسلام عن ركب العلم والحضارة وقد كان طويلا منارةً لها.
ولنختم بالإشارة إلى أنه لا تخلّف بين البشر إلا في الذهن، وهو تخلفه في التقوقع ورفض الانفتاح على الغير وعلى الآخر، خاصة في اختلافه. بل ليس هناك تخلّف حقيقي أبدا بين البشر وقد ميّز الله العبد بعقله وحمّله لذلك أمانة تمثيله في الأرض.
إن التخلّف ليس إلا عدم معرفة مكنون هذا العقل البشري وما يفرضه من ضرورة الجهاد الأكبر؛ ففي ذلك التزكية المستدامة للنفس، وفيه أيضا وحتما الأخلاق الصحيحة في كل الميادين، دينية كانت أو سياسية.
لذا، كذب من قال أنه لا سياسة في الإسلام؛ إذ الإسلام كله السياسة، لكن في فهمها الصحيح، وهو العمل بدون هوادة ولا تزمت من أجل مدينة فاضلة لكل البشر، أيا كانوا في جنسهم ومعتقدهم ومشاربهم. لقد خلقهم الله شعوبا وقبائل ليتعارفوا، بما أن أفضلهم عند الله أتقاهم بالمعني الذي بيّناه هنا؛ وهو فصل المقال في التقوى الإسلامية.

 

……………………………………………………………………………………………..

 المواقف والأفكار التي تنشر في قسم “أفكار” لا تلزم إلا أصحابها ولا يعني نشرها من قبلنا تبنينا لها بأي صفة من الصفات .

شارك رأيك

Your email address will not be published.

error: لا يمكن نسخ هذا المحتوى.