.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

تونس بين الحلم الواعد و الواقع المرير …


 

بقلم الأستاذ الشاذلي خليل القاضي و المحامي سابقا

 

لقد عاش التونسيون و طيلة الحكم البائد كابوسا مخيفا و مرعبا … تجلت فيه أبشع الممارسات على كل الأصعدة والجبهات و المستويات.

 تلك الممارسات التي تفشت في الجهر والعلانية …أستبيح من خلالها الظلم والجور و القهر والإستبداد والإنفراد بالرأي والغطرسة والتسلط والإبتزاز وافتكاك الأرزاق وانتهاك الحرمات والمحرمات والإذلال و التعذيب و الإستكراش و الإثراء وسلب الحريات على اختلاف أنواعها و تكميم الأفواه وسرقة الأحلام و تثبيط العزائم والتجويع و تجفيف المنابع وسبي النساء واستخدام الأطفال واستغلال المعاقين و الإستثراء على حساب الفقراء و المساكين و انتهاك حقوق الإنسان و أبسط مقوماتها كل ذلك في ظل العولمة والحداثة والمعاصرة والتغيير والتحوّل والديمقراطية الزائفة والمصلحة العامة والتضامن وفرحة الحياة وجودتها وتحسين البيئة والخوصصة والتعايش الأورومتوسطي والوحدة المغاربية و غيرها وغيرها من عديد الشعارات التي كان يلوّح بها بين الفينة والأخرى نظام يرتقي حتى إلى مستوى الدكتاتورية المتعارف عنها عرفا وقانونا ومصطلحا … نظام يتّخذ البوليس درعا يتحصّن من ورائه و طابورا من العملاء والمناشدين والمتعاونين، بما يعرفون بالتجمعيين الذين كانوا يصولون ويجولون خدمة لأسيادهم، تصدروا المشهد السياسي بمشاركة أحزاب يمثّلون معارضة زائفة وخيالية، تمعشت واستكرشت في جو من اغتنامهم الفرصة …ظاهرها معارضة وباطنها ولاء وتأييد و مساندة … ،في حين ترك الشعب إلى قدره ومصيره بل عرضة إلى تلك الممارسات على اختلاف أنواعها و مصادرها .
و أكيد أن التاريخ كان شاهدا على تلك الحقبة المظلمة من الإستبداد والقهر والكفر بالنعمة، لما اتسمت به من تبديد لثروات البلاد وعرق العباد، من طرف الطبقة الحاكمة و أتباعها من العملاء و المساعدين و الممهّدين والشّركاء والأعوان على اختلاف تموضعهم في هرم السلطة والنفوذ وقد خطّ و كتب تلك الملحمة القاتمة السواد من تاريخ البلاد بأحرف من قطران.
وقد اختلفت التحاليل والآراء والتعليقات حول قيام الثورة من عدمها ، فمنهم من أكد حدوث إنقلاب عسكري ، ومنهم من أوعز الأمر إلى مؤامرة عائلية وتكريس حسابات دفينة وقديمة، ومنهم من أكد أنّ ما جرى، وراءه تدخّل مصالح أجنبية وتنفيذ لأجندات تبلور البعض منها في الفترة الأخيرة ،في حين مني البعض منها بالفشل الذريع، لكنّها بقيت على السّاحة تتربّص اللّحظة المناسبة في شكل خلايا نائمة،يحدوها الأمل للإنقضاض مجدّدا على الحكم والسّلطة…واغتنمت هذا الوقت لترميم بيتها و إعداد العدّة للمرحلة القادمة ، ومهما كان شكل تلك التحليلات ومنطقها منطلقاتها ومحتواها …، ومهما كانت تلك التكهّنات والحسابات والمخطّطات …فإنّه لا أحد ينكر أن العامل الرئيسي الذي طغى وطفى على السّاحة في ذلك الوقت بالذات، يتمثّل في ذلك السيل الجارف من الشّعب التّونسي على اختلاف أطيافه و فئاته و طموحاته ونداءاته ، سيل اكتسح أهمّ شريان من العاصمة متمسّكا “بأن الشعب يريد إسقاط النظام”، ذلك السيل الذي ووجه وبعد ساعات من تظاهره بردّة فعل عنيفة من قوى الشرطة وميليشيات النظام، وباستعمال كل وسائل العنف والقمع،من تلك الآلة الرهيبة والمدججة بأحدث أسلحة قمع المظاهرات في تاريخ الإنسانية ، فالتعليمات قد صدرت بعد بإستعمال كل وسائل العنف بما في ذلك القتل وحتى الأغتيال والتصفية الجسدية إن اقتضت الضرورة ذلك،ومهما يكن من أمر فحقيقة هروب رئيس العصابة و أفراد عائلته و أصهاره ولئن بقيت إلى حد الآن غامضة و أضحى يكتنفها الغموض، فإن نظامه ورجاله و معاونيه و مساعديه و أتباعه وطغمته وفلوله ،ماتزال قابعة في البلاد إلى حد هذه الساعة وهي مكرسة لشتى السينريوهات …، ولا أحد يستطيع إنكار ذلك، وليس بالضرورة أن تنجز تلك السينريوهات من طرف أصحابها، بل عمدت تلك الشّرذمة إلى تمريرها عن طريق غيرهم من المتعطّشين للحكم والطامحين للسّلطة، رغم عدم توفّر الكفاءة في هؤلاء، على إدارة دفّة الحكم أصلا، أو حتى تمرسّهم على استنباط الحلول، لمختلف المشاكل والملفّات السياسية والإقتصادية والإجتماعية المتعددة والمتنوعة والمتكاثرة، التي ستلقى أمامهم، والتي تتطلب حلولا عاجلة و أخرى آجلة، والتي لها صلة مباشرة ووثيقة بحياة وحيوية هذا الشعب الكريم.
ذلك الشّعب الذي غيّب لعقود على حكم نفسه بنفسه ، وعن الأخذ بزمام مصيره، و تحقيق ما يتوق إليه، من عزّة وكرامة و فرحة حياة، وانعتاق وحريّة وديمقراطية بأبهى تجلياتها و أشكالها، ذلك الشّعب الذي كان مصيره الفقر والبطالة والتجويع والإهمال والتفليس وسلب الإرادة والقرار والمبادرة ، ذلك الشعب الذي عانى ولا يزال القهر والإذلال والهوان والتهميش وسلب الأحلام.
ومن هذه المنطلقات يسوقنا المنطق إلى أن كل ما تلا تلك الهبّة الشّعبية كان منظّما وممنهجا و مسطّرا ومخطّطا ومدبرا من طرف الطامحين للإستيلاء على الحكم والسلطة والنظام، وهم في الحقيقة والواقع كثر والحق يقال.
ولسائل أن يتساءل من هؤلاء يا ترى ؟ … ويمكن في هذه المناسبة التعرّض للبعض منهم على سبيل المثال لا الحصر لتعدد مشاربهم و أطيافهم وغاياتهم و أهدافهم ومخططاتهم وسياساتهم و أجنداتهم الحقيرة والمتلوّثة والمتغيّرة حسب الأحوال والظّروف.
ذلك أنه وعقب الثّورة شهدت بلادنا إقبالا كثيفا لأشخاص وشخصيات، إدعت المعارضة ومقاومة النظام البائد ،و قد تحصّنت بالمهجر، وادعت أنّها عانت مرارة الغربة ولوعة هجر الوطن والأحبّة ، و أنّها كرّست تلك المعارضة من خلال الكتابات والمراسلات والمشاركة في الحوارات عبر مختلف وسائل الإعلام الأجنبية بمختلف البلدان وخاصة منها الغربية ،تلك الأبواق الناطقة باللّغة العربية،أوحتى بلغتها الخاصة…والمعروف توجّهاتها و غاياتها و أهدافها و أجنداتها …،متشبثين بل متشرّفين بتلك النضالات و متلبّسين بها، ومخوّلين لأنفسهم الإستحقاق للدفاع على هذا الشّعب والأخذ بأسباب تسييره و حكمه، ومتبجّحين، بأن هذه الثورة التي شهدتها بلادنا تعزى لتلك النضالات التي خاضوها لفترة لا يستهان بها من الزمن ، وقد أدى بالبعض منهم إلى الإدعاء أنهم ولدوا من رحم هذه الثورة المباركة أصلا، والحال أن هؤلاء نسوا وتناسوا أنهم كانو يعيشون في ذلك المهجر والهجرة أو الغربة، وسمّيها ما شئت أن تسميها ، في أرغد عيش و أحسن معيشة ،و أنه كان يؤتى بهم من طرف أولياء نعمتهم و نعمهم، للمشاركة والظهور بوسائل إعلامهم المسموعة والمرئية، بين الفينة والأخرى، للإصداع بسينريوهات كتبت لهم مسبّقا و أعدّت لهم خصيصا، للعب ذلك الدّور المراد والمخطّط لهم أصلا ، تحضيرا لمأرب معيّن ولمهمة قادمة ومبرمجة لحين تنفيذها و إنجازها من طرف مسطّريها…، وقد وصل بهؤلاء الحدّ إلى التّجنس بشتى الجنسيات الأجنبية، التي تنتمي إليها أجنداتهم و مهمّاتهم …، وهي مع الأسف الشديد حقائق قد لا تختفي على أحد.
و إلى جانب هذا الحشد الكبير من أبناء البلاد النتحصّنين بالهجرة والغربة ، والذين أعدّوا لتنفيذ مآرب خاصة ،نأتي على ذكر طابور ثاني ،ممّا سمّي إصطلاحا بالمعارضة الدّاخلية ، وهذه المعارضة يمكن تصنيفها إلى صنفين ، صنف أوّل انضوى تحته أحزاب المعارضة الشكلية، والتي كان يموّلها النظام السابق، للتّشدق بتواجد الديمقراطية وحريات التعبير والرأي والسياسة بالبلاد، في محاولة لتغطية ممارسته الإستبدادية والقمعية ، تلك الخلايا التابعة للحكم البائد أو على الأقل لأتباعه ومعاونيه ،لكن تلك المسرحية وذلك السيناريو، لم ينطل على الشعب ولا على ذي تدبّر وحكمة ، لما ألفناه من تصرّفات تنمّ في الواقع على الولاء التّام وغير المشروط مع ذلك النّظام الفاسد في أصله وأساسه،في حين انضوى، الصنف الثّاني داخل ما يعرف بالنسيج الجمعياتي المدني ، وتولّى إحتواء هذا الزخم الهائل من الجمعيات، التي اتخذت من نشاطها أصنافا من الإختيارات، بدعوى خدمة المجتمع المدني والشعب التونسي من الناحيتين الإجتماعية والثقافية وحتى الإقتصادية للبعض منها ونعني بها الجمعيات التّنموية المختلفة ، والتي تقاسمت مع من كان بالسلطة والحكم والقرار الصفقات التجارية والتّبادل المعلوماتي، والتي كان من جرّائها الزجّ بالكثير في غياهب السجون والمنافي والزنزانات المتعددة والمتكاثرة في البلاد.
ويبقى لنا أن نعرّج على جانب لا يستهان به من أبنائنا الذين ينتمون إلى الطبقة المثقفة ، تلك الطبقة التي شهدت بدورها إنسياق البعض منها في تيار النظام البائد، ونعني بذلك رجال الإعلام الذين كانوا يسوّقون، من خلال مقالاتهم وكتاباتهم، بمختلف وسائل الإعلام و على اختلاف أنواعها ومشاربها ولاءاتهم وثنائهم، بقصد تغطية النقائص والعيوب، وقد وصل بهم الحد إلى مستوى المغالطة والتكذيب والدّفاع المستميت ، إضافة إلى المحترفين لشتى الفنون والذين أكثروا في المغالاة و الإطراء والمديح إلى حدّ الإبتذال الفنيّ ،همّهم الوحيد المحافظة على مورد رزقهم أو على الصّفقات التي أبرموها مع النظام والسلطة والحكم.
و إذ ننسى فلا ننسى، حال أولائك الذين كانوا ينتمون إلى مليشيات النظام البائد من العاطلين عن العمل وما يسمّون بالعمال اليوميين، وبعض عملة الحضائر الذين عادة ما يقع تجنيدهم للقيام ببعض المهام الدقيقة والمحدّدة ، وبعض وحدات البوليس السياسي المتنكّرين باللباس المدني ، وقد أقحمت تلك التنظيمات والوحدات النساء على اختلاف فيئاتهن المهنيةوشغلهن وانشغالاتهن ،في نطاق الإرشاد والإسترشاد وجمع المعلومات والتجسّس باختلاف أنواعه و ألوانه ، فقد استغلّت المرأة على جميع نطاقات ومستويات هرم السلطة والنظام، كل ذلك بقصد تنفيذ مآرب خاصة،وعامة يمكن القول بأنه بقدر ما كان النظام السابق، قد استغل بقصد تنفيذ توجّهاته و مآربه ،فئات كبيرة من الشعب التونسي تحت أي تعلة كانت ،ف‘ن تلك الفئات الهائلة وجدت نفسها لقمة سائغة ، ولا مناص لها، إلا أن تتعايش كليّا معه وتجاريه وتطيعه إلى حد العبودية والولاء الكاملين، وقد أضحى أمر الولاء للسلطة عقيدة و إيمانا و مهمّة،و إنّ معارضتها جريمة وكفرا ونكرانا للجميل وحجودا لا يغتفر.
و أمام إنتشار هذه الشبكة العنكبوتية من العملاء والمتعاونين و “حماة الوطن” وخدمة النظام تحت أي مبرّر ، غابت الشجاعة والصراحة والمصارحة و الإصداع بالرأي المخالف والآخر ، وغاب النّقد و غيّبت المراقبة والمتابعة، واستحضر المدح والإطراء والشكر والثناء والكذب والخداع والدهاء والمداهنة والخيانة في أبهى مظاهرها و ألوانها.
وذلك كلمة واقع لا نزال نعايشه و نعيشه حاليا ، ذلك أن كل تلك الفئات ما تزال تنشط حسب أجندات مختلفة و متنّوعة، ولذلك ولهذا السبب بالذات، لم تشهد بلادنا إستقرارها النهائي ولن تشهده ،إلا بعد التخلّص من هؤلاء و أولائك، بإبعادهم بأي شكل كان عن السلطة و الحكم، أو على الأقل عن سلطة إتّخاذ القرار، في حق هذا الشعب الكريم.
فالشعب سيبقى ورغم الداء والأعداء سيد الموقف، ذلك إنه “إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر “، فمنذ إندلاع ثورته لا حق لأحد أن يدعي أن له فضل على هذا الشعب أصلا، فالشعب هو الذي حرّر نفسه بنفسه ،بهبّتهه في وجه غاصب حرياته والمستبد لإرادته والسّالب لأحلامه و تطلعاته و آماله.
تلك الهبّة التي رفع فيها و خلالها عدة شعارات من بينها الكرامة و أي كرامة؟، حكم نفسه بنفسه و العيش في حياة كريمة توفر له عزته و مناعته واستقلاله و تحفظ له حقوقه و مكاسبه ومكتسباته وكل مقوماته واعتباره ، فتلك الهبّة كانت بمثابة الصرخة العارمة ،التي هزت وزلزلت فرائص مضطهده و قاهره والمستبد بحقوقه ، مما اضطره إلى التحصّن بالفرار صحبة عائلته و أصهاره و عصابة السوء والمفسدين والمستكرشين والنهبة لخيرات البلاد والعباد.
فمنذ إنبلاج فجر الثورة، راودت هذا الشعب العديد من الأحلام و الأماني، من أهمها القضاء على البطالة المتفشية في فئات عديدة إجتماعية ،كالقضاء على الفقر الذي طال طبقات إجتماعية متعددة والسواد الأعظم من الشعب ، والمحافظة على القدرة الشرائية للمواطن ، وتحقيق العدالة الإجتماعية ، وحسن التصرف، والتوزيع العادل لثروات البلاد، و تحقيق التوازن الجهوي ، وتحقيق التنمية الشاملة، وتحقيق العدالة الإنتقالية و إنجاز المسار الديمقراطي، وضمان الحريات العامة ،وتحقيق إستقلالية القضاء و توفير العدل والإنصاف بين الناس ، وتلك أحلام مشروعة و شرعية لا محيد عنها ولا تتطلب المجادلة أو المناقشة .
و ظل الشعب ينتظر تحقيق تلك الأحلام ، من طرف السّاسة الذين اعتلوا سدّة الحكم كرها عن إرادته ،فالحكومة الأولى التي توصّلت إلى الحكم في ظروف أقلّ ما يقال فيها أنها غامضة و مشوبة بالريبة والإحتراز الشديدين ،فالحكومة الثانية التي كانت مجرد نسخة رديئة من الأولى ،فالحكومة الثالثة التي يترأّسها شبح الرئيس الراحل “الحبيب بورقيبة” والذين أتوا به من دهاليز الحزب الدستوري القديم، تلك التّركة التي عان من ويلاتها هذا الشعب لحقبة تاريخية لا يستهان بها، و أخيرا الحكومة الرابعة التي لم تتبلور بعض معالمها الحقيقية لكثرة تناقضاتها وارتجالاتها… .
ذلك أن التعثّرات التي شهدتها تلك الحكومة ،تعزى بالأساس إلى عدم كفاءة تشكيلتها ، ولعدم دربتهم على أسباب السياسة ودواليبها و ملفاتها و أغوارها ،فقد وجد أصحابها أنفسهم مدفوعين لخوض غمار تجربة سياسية لا يقدرون على تحمّلها ، وتحمّل مسؤولية ثقيلة لا يقوون على الإضطلاع بها ، وقد ساهم في تأزّم الأمور الضغط الشعبي المستمر والدائم والمتواصل،هذا الشعب الذي عيل صبره و نفذ ترقّبه، جراء ما خدّر به من وعود جوفاء، القصد منها ربح الوقت والمماطلة والتسويف واغتنام فرصة البقاء بالحكم لأطول مدة ممكنة.
هذا وقد زاد في الجفاء بين الحكومة و فئات تتسع رقعتها يوما بعد يوم من الشعب التونسي ،ما انطبعت به من توجهات ذات طابع ديني وعقائدي… إضافة إلى ما صدر منها من مبادرات غير صائبة أو لعجزها عن معالجة بعض مشاكل جدت مؤخرا، كمشكلة فقدان قوارير الغاز، و سوء التّعامل مع تكاثر المناطق المنكوبة جراء تساقط الثلوج بكثافة، والتعامل مع الإعتصامات والإضطرابات ، أو التصميم والإصرار على بيع القصور الرئاسية ، أو طرد السفير السوري وقطع العلاقات مع جمهورية سوريا العربية الشقيقة ، أو التّعامل مع مشكلة الدّاعية المصري وما أصدع به من هراء و تقوية الحزازات بين فئات من الشعب التونسي ،والإنتهاكات المعلنة من طرفه في حق المرأة ، والتّعامل مع الهجمات السلفية واستئثارها بالمساجد والجوامع وبثّها للخطاب الدينبي المتطرّف ، كالتّعامل مع الخلايا المسلحة لتنظيم القاعدة بالمغرب العربي ، أو ما صدر عن بعض الديبلوماسيين أثناء القمة الإفريقية ، والإنصراف إلى بعث الروح في الجسد المغاربي والحل أن الخلافات الجوهرية والعميقة لا تزال قائمة بعد، والدعوة إلى عقد إجتماع أصدقاء وأحباء سوريا بتونس وعدم تفعيل ملف العدالة الإنتقالية والبطئ الذي تشهده أعمال وقرارات لجنة المصادرة ، والخلافات المتواصلة والمستمرة داخل المجلس التأسيسي… وهل من مزيد ؟ في هذا المسار الذي ينم ّ عن عدم قدرة ودراية بالسياسة والإقتصاد و بطبيعة العديد والعديد من القطاعات الحيوية والحساسة لبلادنا .
ذلك أن بلادنا ما فتئت تعاني من استفحال أزمة طالت جميع القطاعات الحيوية ، تلك الأزمة التي تعاظم وتضخم شبحهت وتفاقمت مخاوفها حتى أصحت حقيقة وواقعا يوميا، خانقا تنذر بقلق إجتماعي مخيف ومتوقع وعدم تصوّر نتاجها على البعدين القريب والبعيد ، بالنظر إلى عدم تواجد رغبة جدية لامتصاص البطالة والقضاء التدريجي على ظاهرة الفقر، التي توسعت بدورها رقعتها بقياسات رهيبة ومذهلة.
ومن هذه المنطلقات فإن بلادنا تكون والحالة هذه في أشد الحاجة لمعالجات ذات طابع إقتصادي واجتماعي أكثر منها سياسي ، رغم أن السياسي يعدّ ضرورة في حد ذاته ، لما يمتلكه من سلطة القرار والإنجاز والتنفيذ من طرف المنظومة والآلة السياسية الآخذة بالتّصرف في مصير البلاد، ومن هذا نستنتج أن الشعب التونسي في حاجة إلى توفّر حياة كريمة، أي ما يضمن كرامته من عيش مستقرّ، ومورد رزق قار يحقّق له الإستقرار المعاشي والحياتي ، فالعناية بلإقتصاد والناحية الإجتماعية ، عادة ما يحقّق تلك الغاية الملحة والضرورية، وما يسمى اصطلاحا “بالإستحقاقات الشعبية” ، تلك الإستحقاقات التي تمثّل في الحقيقة والواقع، المتطلبات الملحة الشعبية للنهوض به على عدة مستويات ولأكثر من جانب، فالإهمال الذي يتعرّض له الشعب ولعقود وحقب زمانية طويلة ومتعددة ، والتغييب الذي لاقاه ولسنوات عديدة عن المشاركة الفعلية في الحكم والسلطة ، كانت من نتيجته المباشرة والحتمية ظاهرتي الفقر والبطالة تلكما الظاهرتين اللتين شهدتا ولسنوات، حتى تفشيابصفة خطيرة و حساسة ومحسوسة ، تلك الحقيقة التي حاول النظام البائد إخفاءها على العيان في الداخل وحتى في الخارج ، وعوض التصدي لهما أو معاجتهما بصفة فعلية وموضوعية وواقعية ، صرف الأموال الطائلة لتلميع صورته في الداخل والخارج ، بالإستعانة بجيش عرمرم من رجال الإعلام التونسيين وحتى الأجانب ، بل إنّه خصّص وكالة بما يعرف بوكالة الإتصال الخارجي لذات الغرض والعناية بالدعاية والتّسويق لواجهة ظاهرها جميل وخفيّها محزن ويندى له الجبين و مؤسف، وكم من أموال تصرف لتلك الغاية الدنيئة ، والتي تنمّ عن غايات أصحابها ومعانيها الحقيقية، ذلك التغييب للشعب التونسي وللإفقار وسلب الجهات ونهبها من كل مقوماتها، كان ممنهجا و مبرمجا منذ حصول بلادنا على إستقلالها ، بفعل الهجمة التي تعرضت لها معظم جهات الجمهورية دون السّاحلية منها ، وبذلك سلبت ثرواتها و طاقاتها وتشريد أهاليها وتهجيرهم عن مناطقهم الأصلية ، بحثا منهم عن لقمة العيش ، لذلك اضطروا للسكن بالأحياء القصديرية التي تشكل الأحزمة السوداء لكبرى المدن ، وخاصة منها مدن الساحل، التي عنيت باهتمام ورعاية الساسة الذين تعاقبوا على سدة الحكم على اختلاف تموضعهم في هرم السلطة ، ذلك أنّ أهم المناصب التي تمثل السلطة بكامل ولايات البلاد، أوكل الإشراف عليها وتسييرها وقيادتها من طرف طابور من الرجال المنتمين لأبرز العائلات المنبثقة عن المدن والقرى التابعة لولايات سوسة والمنسير والمهدية ،وبعض أصهارهم من العائلات العريقة المقيمين بالعاصمة وضواحيها الشمالية ، تلك العائلات الثرية والميسورة ماديا والعريقة في انغماسها في الحكم والسلطة منذ حكم البايات ، والتي شكّل البعض منها خدمة و أتباع للعائلة المالكة ، وقد استأثروا بمقتضى ذلك بجامع الزيتونةو بأهم المناصب بالدولة والإدارة منذ فترة الإستعمار، والتي استعملها واستعان بها المستعمر لتكريس سياساته وإستراتيجياته، والقضاء على المقاومين ومن كان من معارضي تواجده بربوع البلاد ، تلك العائلات كان لها الدّور الفاعل في السلطة على طول تاريخ بلادنا وإلى يومنا هذا.
فلا غرابة أن يمتدّ هذا التزاوج بين أبناء السّاحل، الذين تمكّنوا من الحكم والسلطة منذ الإستقلال، وتلك العائلات المنتمية لعائلات عرف ولاءها للمستعمر منذ الحقبة الإستعمارية ثم طيلة فترة الإستقلال للتواصل مشاركتها على ذلك النسق والوتيرة إلى حدّ ما بعد الثورة ، وستتواصل تواجدها حتى مستقبلا، لما جبلت عليه من شغفها وحبّها للحكم والكرسي والسّلطة ، ولما حظيت به من دعوتها في كل مرة لمساندة من في الحكم، لما عرف عنها من ولاءات مع بعض الدول الأجنبية وحتى التيارات الثقافية الغربية ، وخاصة الفرنسية بحكم تاريخها الأظلم المليء والمفعم والمتشبع بالخيانات والولاءات للمستعمر وثقافاته.
إنّ هذا التمازج والتزاوج، كان له أشد الأثر الكبير على توجيه تاريخ بلادنا ، على امتداد الحقبات التاريخية الماضية ، تلك الحقبات التي عرف الشعب التونسي خلالها ، الإستبداد بالحكم والقهر والقمع والظلم على اختلاف أشكالها و ألوانها ، وما تكرّم به عليه تلكم الساسة من تعليم وصحّة وغيرها يعدّ بمثابة “كراع من شاه بأكملها”…، كما تضمّنه أحد الأمثال الدارجة التونسية الشعبية ، تلك الأمثال التي تتّسم بالبلاغة في التّعبير والمعنى والمدلول والحقيقة.
وهكذا نرى أن كل السّاسة الذين تعاقب حكمهم على بلادنا لم يكونوا يتحلّون بالقدر الكافي والضّروري من الوطنية، وبالتالي حبّ الشّعب والتّفاني في خدمته والتّضحية من أجله ومن أجل تحقيق كرامته ، تلك الكرامة التي رفعها كأسمى شعار له خلال ثورته المباركة ، وذلك لأن كل واحد منهم كانت له منطلقاته و أهدافه ورسالته، بعيدا عن المصلحة الوطنية والشعبية، ولئن كانت تتقاطع معها في بعض الأحيان ، لكن هذا التقاطع كان ليقوى أو يفتر بحسب الظروف والأحوال التي قد تطرأ على الساحة السياسية .
فالمصداقية الوطنية تعبر تعبيرا حقيقيا بمدى حبّ السّاسة لشعوبهم ومدى تفانيهم في خدمتها ، والسّياسي العادي هو الذي يقدم مصلحة شعبه على مصالحه و أهوائه الخاصة وانفعالاته ، وهو الذي ينصهر تماما وكمالا في تلك الغاية النّبيلة السّامية، حتى يصبح متفاعلا قلبا وقالبا مع نبض شعبه، فيفرح لفرحه ويتألم لألمه ، بل يحاول جاهدا أن يوفّر لشعبه كل أسباب فرحه واطمئنانه وطمأنينته ،والدفاع عنه والنهوض به وتنمية مكتسباته ومكاسبه، ولا أن يكون المستبد بحكمه والمستأثر بقيادته والمتحكم في مصيره والكاتم لأنفاسه والمغيّب لوجوده، والمستكرش على حسابه والمستثري من ثرواته والهاتك لحرماته ومحرماته والسّالب لحرياته ، والقاتل لطاقاته وقدراته والمشرّد لأبنائه والمهجر لمفكريه وعلمائه ،والقامع لمثقفيه والمفشل لمبدعيه والمثبط لعزائم مبدعيه، والمعطّل لخيال مخترعيه ، والمستأثر بالسلطة لفائدته ولعائلته و أصهاره ، وتلك ممارسات عاشها التونسي ، وتلك حقبة تاريخية لم ولن ينساها شعبنا طوال حياته ، وسيبقى توارث ذكراها جيلا بعد جيل وخلال الأجيال المقبلة والقادمة ، وسوف يؤرّخها المؤرخون عبر وخلال تأريخهم لها كيفما يجب أن يكون عليه حقيقته، دون طمس كنهها أو المرّ عليها مرّ الكرام ، كسالف عهد البعض منهم سالفا.
فالشعب أضحى و أصبح يقضا لمثل تلك الممارسات ومتربصا بالذين قد تحدثهم أنفسهم بإتيان مثلها ، وكفانا كفانا تلاعبا بمصالح هذا الشّعب الكريم .
هذا الشعب الذي كان و بمجرّد تحقيق ثورته المباركة، يحلم بإنجاز استحقاقاته الملحّة ومتطلباته الضرورية ، لكن الذين تعاقبوا على حكمه إلى حد الآن، حالوا دون تحقيقها لانشغالهم في تنفيذ أجندات خارج عن اهتماماته ومشاغله ، تلك الأجندات التي سترجع البلاد حتما إلى مزيد من عدم الإستقرار والفوضى ،لا سمح الله تعالى.
ومهما يكن من أمر التحاليل الواردة في هذا الشأن، فإنّه يبقى هذا الإحتمال واردا من الناحية الموضوعية ، بالنظر لما تجود به الأحداث ومستجداتها الراهنة ،وحتى تلك المتوقعة، فالبلاد مقبلة على فترات عصيبة وصعبة ، تتطلب لتجاوزها فكّ لغز مشكلة البطالة ،والتخطيط للقضاء على الفقر بصفة جدّية وجذريّة و متأكدة وعاجلة.
وهكذاينتهي بنا المطاف إلى أنّه بقدر ما كانت أحلام هذا الشعب الكريم واعدة كان واقعه مريرا، وما زال يكتنفه الغموض والقلق.

……………………………………………………………………………………………..

 المواقف والأفكار التي تنشر في قسم “أفكار” لا تلزم إلا أصحابها ولا يعني نشرها من قبلنا تبنينا لها بأي صفة من الصفات .




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *