الرئيسية » فرنسا ومسلموها… مجدّداً

فرنسا ومسلموها… مجدّداً

مسلمو فرنسا

بقلم الدكتور محمد الحدّاد

في ظلّ مناخ عام يتسم بالتوتر، منذ العملية الإرهابية الشنيعة التي راح ضحيتها 84 شخصاً في مدينة نيس في فرنسا، بادر الحاكم البلدي لمدينة مجاورة باتخاذ قرار جاء في مثابة صبّ الزيت على النار، إذ منع في مدينته الساحلية كان، القريبة من نيس، ارتداء زي السباحة المدعو بالإسلامي، «البوركيني»، بما أثار جدلاً واسعاً وأعاد طرح قضية الحضور الإسلامي في هذا البلد.

هل كانت تحتاج فرنسا إلى تعكير الأمور في هذا الشكل؟ ألم يكن الأفضل مواصلة العمل على تحصين الجبهة الداخلية ضدّ الإرهاب بمنح الجاليات المسلمة دوراً أكبر في التصدّي له ومسؤولية أوضح في التوقّي منه؟

يذكّر الجدل المحتدّ حالياً بقرار منع الحجاب في المدارس سنة 1989، وكان قد تسبب آنذاك بتوترات استمرت سنوات طويلة من دون جدوى. ثمة شبه كبير بين الحادثتين يعطي الانطباع بأنّ فرنسا تراوح مكانها في مجال حلّ مشكلة التمثيلية المسلمة لديها. والأرجح، أنّ التوتر الحالي لن يسهّل عملية البحث عن هيكلة جديدة أكثر نجاعة لهذه التمثيلية، التي يسعى رئيس الحكومة مانويل فالس جاهداً الى حسمها قبل موعد الانتخابات المقبلة (2017). كما أن اقتراب موعد هذه الانتخابات لن يمنح المناخ الملائم للحوار والتفاهم.

وعلى عكس قضية الحجاب في المدارس سابقاً، ترتبط القضية الحالية بالإرهاب، مع أن هذا الارتباط متعسف، إذ لا وجود لعلاقة مباشرة بين هذا وذاك، لكنه قوي لدى قطاعات واسعة من الرأي العام. يضاف إلى السياق الفرنسي الخاص الرعب العام الذي يخيم على أوروبا كلها نتيجة استقبال مئات الآلاف من المهاجرين القادمين من سورية.

يسعى فالس حالياً، وقد سارع بإعلان التأييد لقرار رئيس بلدية كان، إلى إنشاء هيكل جديد غير المجلس التمثيلي للمسلمين، يدعى «مؤسسة الإسلام الفرنسي». لنتذكر أنّ المجلس التمثيلي الحالي كان قد أنشئ سنة 2003، بقرار من نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية آنذاك، وقد تولى بعدها رئاسة فرنسا، وهو حالياً مرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة. اعتبر ساركوزي آنذاك أن إنشاءه هذا المجلس، على غرار المجلس التمثيلي اليهودي، يعتبر إنجازاً تاريخياً ونهاية لبحث طويل عن الصيغة المناسبة لضمان تمثيلية قانونية للمسلمين، لا سيما وقد ارتبطت نشأة هذا المجلس بالشبح الإرهابي الناتج من أحداث 2001 الأميركية. وكان هذا البحث قد بدأ منذ 1990، مع الاشتراكيين، وتحديداً وزير الداخلية بيار جوكس. لكن فوز اليمين في الانتخابات التشريعية سنة 1993 دفن هذه الفكرة، إذ فضّل وزير الداخلية اليميني شارل باسكوا الاحتفاظ بالطريقة القديمة القائمة على اعتبار مسجد باريس، القريب من الحكم الجزائري، الممثل المعتمد للمسلمين في فرنسا.

ثم أعيد طرح القضية مجدّداً سنة 1996، لكن التعايش آنذاك بين اليمين واليسار حال دون اتخاذ القرار الحاسم. وبسبب هذا المأزق، أحدث الاشتراكي بيار شوفنمان استشارة وطنية واسعة في الموضوع، لكن الانتخابات أعادت اليمين إلى السلطة، فاستفاد وزير الداخلية ساركوزي من تلك الاستشارة لإعلان تأسيس المجلس التمثيلي القائم إلى حدّ الآن، واعتبر ذلك من إنجازاته الكبرى لمصلحة الجمهورية.

لكن مع توالي السنين، أصبحت غالبية الأطراف المعنية مقتنعة بأن هذا المجلس غير قادر على حلّ المشاكل الأساسية. هكذا أعاد فالس طرح الموضوع، بصفته وزير الداخلية ثم رئيساً للوزراء، وها أنه ينتهي بالعودة مجدّداً إلى بيار شوفنمون، الذي أشرف سابقاً على الاستشارة المذكورة، ليعرض عليه رئاسة الهيئة الجديدة المدعوة بـ «مؤسسة الإسلام الفرنسي».

ويؤكد هذا المسار الطويل والمتخبط في اختيار أفضل الصيغ للإشراف على إدارة الشؤون الإسلامية، وقد تواصل منذ 1993 إلى الآن، تعقد الموضوع وعسر حلّه بطريقة مرضية للجميع. فالحضور الإسلامي في فرنسا هو الأكبر في كلّ أوروبا (يقارب حالياً خمسة ملايين، مقابل أقلّ من ثلاثة ملايين في بريطانيا)، والنظام الفرنسي قائم على مبادئ جمهورية صلبة لا تتعايش بسهولة مع التنوّع الثقافي، والجاليات الإسلامية متعدّدة بل متباينة المشارب والحساسيات، والعديد منها مرتبط ببلدان المنشأ وخاضع لسياسات هذه البلدان في تعاملها مع فرنسا.

اختيار شوفنمان لا يخلو من دلالة، فهو لا شكّ من العارفين الجيدين بالموضوع، لكنه أكثر من فالس تشبثاً بالتصورات الجمهورية الصلبة، بل هو جمهوري تقليدي غير مستوعب لواقع العولمة وتأثيراتها على التنوّع العرقي والثقافي في المجتمعات الحالية، وهو من المدافعين الشرسين عن الخصوصية الفرنسية. في المقابل، هو يختلف عن فالس المتهم بالتعاطف مع الجالية اليهودية بمواقفه المشهورة لمصلحة القضية الفلسطينية، وباستقالته المدوية من الحكومة احتجاجاً على مشاركة بلاده في الحرب الأولى ضدّ العراق، وبنقده اللاذع للتدخلات العسكرية الغربية في الشرق الأوسط، عدا مناوأته الشديدة للسياسة الأميركية في العالم.

هل يمكن أن ينجح شوفنمان في طمأنة المسلمين وتهدئة الأوضاع في المرحلة المقبلة التي تشهد الاستعدادات لانتخابات 2017؟ هل سيتمكن من تحييد الموضوع الإسلامي في حملات انتخابية ينتظر أن تكون الأكثر عنفاً في تاريخ الجمهورية، وقد تشهد صعوداً لافتاً لأقصى اليمين؟ هل يكون الإسلام رهاناً سياسياً في هذه الحملة ويتحمل المسلمون تبعات ذلك؟

المرجح أنّ الجدل الحالي الذي افتتح مع قرار مدينة كان الفرنسية، لن يغلق ولن يكون إلاّ إشارة انطلاق لمجادلات أكبر وأعنف، وأن أصوات الحكمة والتعقل من الجانبين لن تجد لها صدى في خضم منافسة سياسية من المؤكد أنها ستكون ضارية.

أما حلّ المشكل من الأساس، فذاك ما يبدو من المستحيلات في ظلّ الأوضاع القائمة والمناخات المتوترة.

………………………………………………………………………………..

*الدكتور محمد الحداد ، مفكر وأكاديمي تونسي، استاذ الديانات المقارنة  بالجامعة التونسية .

**نشر المقال في  جريدة الحياة (28 أوت 2016) وفي موقع الأوان

…………………………………………………………………………………..

** * المواقف والأفكار التي تنشر في قسم “أفكار” لا تلزم إلا أصحابها ولا يعني نشرها من قبلنا تبنينا لها بأي صفة من الصفات .

شارك رأيك

Your email address will not be published.

error: لا يمكن نسخ هذا المحتوى.