.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

وزير العدل: ماذا دهاه ؟!!


وزير العدل عمر منصور

بقلم أحمد الرحموني*
تذكرون لاشك ان وزير العدل السيد عمر منصور – منذ ايام معدودة – كان قد اكد بشخصه في جلسة حوار بمجلس نواب الشعب خصصت للنقاش حول ملف الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي،” أن قاضي التحقيق المتعهد بقضية شكري بلعيد قام بعمله دون تقصير وأنه وعلى عكس ما تم ترويجه فإن تقرير التفقدية بشأنه موجود”.

وأوضح “ان الوزارة قررت توجيه الملف إلى التفقدية ، التي أصدرت يوم 5 اكتوبر 2015 تقريرها في هذا الشان وتبين لها أن قاضي التحقيق قام بالابحاث المطلوبة وأن أعمال التفقد لم تبرز أي تقصير من قبله”(21 جوان 2016 – بوابة وزارة العدل حول أشغال جلسة الحوار مع السيدين عمر منصور وزير العدل والهادي المجدوب وزير الداخلية حول ملف قضية الشهيدين شكري بلعيد و محمد البراهمي).

وحقيقة كان ذلك التصريح الواضح مما يمكن ان يسجل لوزير العدل الجديد في جلسة عامة تميزت بالفوضى وشابتها خروقات دستورية بارزة – هي بمثابة الكوارث– من بينها الاخلال بمبدا الفصل بين السلطات وتعرض الاسئلة البرلمانية لمسائل معروضة على القضاء فضلا عن أن نواب الشعب كانوا يعلمون علم اليقين – او كان عليهم أن يعلموا – ان طرح اسئلة على وزير العدل أو وزير الداخلية في قضايا جارية يؤدي بالضرورة الى اقتحام الصلاحيات القضائية وان الخوض في ذلك تحت أي عنوان ينتهي الى التأثير مباشرة على تلك القضايا (وهو ما يرمى الى تحقيقه البعض منهم).
ولذلك كان على جميع الاطراف التى تداخلت في عقد تلك الجلسة (النواب الذين دعوا والذين شاركوا – مكتب المجلس – وزيرا العدل و الداخلية – رئيس مجلس النواب) أن يدركوا أنّ الامر لا يعدو أن يكون سوى تدخل في سير القضاء وهو ما يحجره صراحة .!! (الفصل 109) دستور البلاد
(راجع في نفس الموضوع مقالنا بعنوان ” مجلس النواب في مواجهة القضاء: هل هي فوضى السياسيين ؟- انباء تونس -28 جوان 2016- باب نات -29 جوان 2016 )

وفي الاخير فان التقاليد لدى الامم التي تحترم نفسها لا تقرالخوض في ذلك استنادا الى ان القانون قد كفل للمتقاضين الضمانات الكافية وعين الطرق الواجب سلوكها للمحافظة على حقوقهم زيادة على انه لا يجوز ان يصبح المجلس النيابي مرجعا للشكوى من القضاء وان يحل محل الهيئات المختصة للنظر في مثل هذه الشكوى(نفس المقال السابق).

ورغم تلك الموانع راينا وزير العدل في الجلسة الاخيرة التي انعقدت في 21 جوان الفارط يضرب بتلك المبادئ الارض و يجيب النواب وكأنه يقرأ من ملف القضية و يفصل الاسباب الموجبة لاتخاذ بعض القرارات القضائية في ملف الشهيد شكري بلعيد كما يعرض اضافة لذلك مختلف التفاصيل المتعلقة بأرقام القضايا المرتبطة بحادثة الاغتيال وتواريخ نشرها وعدد الموقوفين في القضية (بوابة وزارة العدل – 21 جوان 2016 المرجع السابق).

لكن ما حصل بعد اسبوعين تقريبا من تلك الجلسة قد مثل حقيقة انقلابا للوزيرعلى نفسه(180 درجة) وتكذيبا ضمنيا لتصريحاته : فبعد تاكيده على ان قاضي التحقيق المتعهد بقضية شكري بلعيد قام بعمله دون تقصير،نراه يعلن في بيان موجز يوم 8 جويلية الجاري انه” على إثر البيان الموجه إلى الرأي العام الصادر عن حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد بتاريخ 04 جويلية 2016 والذي تضمن إشارة إلى ما لاحظوه من نقائص و إخلالات شابت الأبحاث التحقيقية في ملف قضية اغتيال الشهيد المرحوم شكري بلعيد، والتي كانت موضوع شكاية نشرها الحزب المذكور لدى وكالة الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس يوم الاثنين 04 جويلية 2016، فقد قرر وزير العدل إحالة الموضوع على المتفقد العام بوزارة العدل لسماع ممثل العارضين بدقة وإجراء التحريات اللازمة على ضوء أوراق القضية وإنهاء النتائج في أسرع الأوقات وإعلام رئيس الهيئة الوقتية للقضاء العدلي بالموضوع”.

لكن ماذا جرى في بحر اسبوعين او ماذا دها وزير العدل؟

بعضهم يؤكد – دون دليل – ان وزير العدل ربما اشار على العارضين ان يقدموا الشكاية ضد السيد البشير العكرمي قاضي التحقيق الاول بالقطب القضائي لمكافحة الارهاب المتعهد بقضية الشهيد شكري بلعيد حتى يتسنى للوزير ان ياذن باعادة التفقد وذلك خضوعا لضغوطات لم تكن تخفى حتى على العموم خصوصا منذ انعقاد جلسة الحوار البرلمانية الاخيرة التى تحولت الى جلسة مساءلة لقاضي التحقيق في غيابه و بحضور وزير العدل.
والبعض الاخر يشير الى دوافع اخرى تقود الوزير بالنظر الى بعض الظروف المتزامنة مع اتخاذ القرار:
-هل هي طموحات سياسية للبقاء بعد فتح المباحثات حول تركيبة الحكومة الجديدة ؟
-هل هو خضوع للابتزاز عندما يتذكر الوزير ان حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد هو اول من تحفظ على تسميته في حكومة الحبيب الصيد– اضافة لوزير الداخلية – لأنهما “محسوبان على حركة النهضة”(تصريح السيد زياد الاخضر – الجزيرة نت -12جانفي 2016).
-هل هو ضغط موجه للمحكمة المتعهدة بالقضية ام عقاب للقاضي ام تشكيك في الابحاث ولمصلحة من؟ خصوصا بعد صدور قرار ختم الابحاث في القضية في 14 افريل الفارط.
-هل هو محاولة لقطع الطريق على السيد البشير العكرمي لتولي خطة وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس التي ترشح لها قبل انقضاء الاجال في 30 ماي الفارط ؟
(انظرالقرار الصادر عن الهيئة الوقتية للقضاء العدلي في 12 ماي 2016)وذلك دعما للسيد محمد كمون قاضي التحقيق الاول – الذي تربطه بالوزير صداقة متينة – وكذلك مساعدة لمن تعوزه الحجة من بين اعضاء هيئة القضاء العدلي الذي يعتقد ان تسمية شخصية مستقلة على راس وكالة الجمهورية بتونس “من شانه ان يخل بالنظام العام”

ومهما كانت الدوافع وكيفما تشابكت هل يمكن لها في حالتنا هذه ان تبرر ممارسة الوزير وخضوعه في ان واحد لضغوطات السياسة و الطموحات الشخصية ؟

ان لم يكن بعض ذلك وجها من اوجه الحقيقة فماذا دها وزير العدل ؟:

– حتى يلتحق “بكتلة الضغوطات ” على “قاضي التحقيق 13 “التي اصبحت بحجم الدولة: هيئة الدفاع بعناصرها النشطة ودعم رئيس الجمهورية (السيدة بسمة الخلفاوي –السيدان علي كلثوم ونزار السنوسي)- الاحزاب (حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد..)- الائتلافات السياسية (الجبهة الشعبية التي تضم 11 حزبا)- مجلس نواب الشعب – وزير العدل – بعض وسائل الاعلام و البرامج الموجهة …الخ) .
-حتى يمارس – دون وجه حق – ضغوطه المباشرة على القضاة ويقتحم اوراق القضية (التي تنتظر الحكم) بحكم موقعه السياسي و اشرافه على المحاكم .
– حتى يضرب بقوة بذراع التفقدية العامة بحكم اشرافه المطلق على اعضائها وقيام هيئة التفقد القضائي بمهامها تحت سلطته(الفصل 24 من الامرعدد 3152 لسنة 2010 مؤرخ في 1 ديسمبر 2010 المتعلق بتنظيم وزارة العدل).
– حتى يضرب بتقرير التفقد السابق المؤرخ في 5 اكتوبر 2015عرض الحائط وهو تقرير سبق ان اذن باعداده سلفه السيد محمد صالح بن عيسى واثبت حسب ذكره ان قاضي التحقيق المتعهد بالقضية ” يقوم بعمله على أكمل وجه”(تصريح لموقع الصباح نيوز -21 اكتوبر 2015).الم يقل الوزير الحالي منذ اسبوعين ان أعمال التفقد لم تبرز أي تقصير؟
– واخيرا حتى يعلن الوزير على رؤوس الاشهاد – وفي بيان موجه الى عموم الناس – على قراره اجراء التحريات بواسطة المتفقد العام – لا على نشاط القاضي بحكم مهمته العامة – بل على قضية بعينها وما تتضمنه اوراقها بناء على طلب صادر من احد الاحزاب السياسية .وهو ما يدخل التباسا لدى عامة الناس حول نزاهة القاضي ويفتح الباب للتقولات غير المشروعة حول سيرته واستقلاله.
وبعد كل هذا اذا جاز ان نعتقد بان وزير العدل” يحرس المحاكم” فمن يحرس الحراس؟

…………………………………………………….

*رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء

المواقف والأفكار التي تنشر في قسم “أفكار” لا تلزم إلا أصحابها ولا يعني نشرها من قبلنا تبنينا لها بأي صفة من الصفات .

 




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى ملكية فكرية خاصة