.
kapitalis .

صحيفة إلكترونية تونسية إخبارية جامعة.

.

هل  ” الزنوجة ” تصنيف عنصري؟


مشادة الزنوج

بقلم محمد الرفرافي*

على ضوء ما راج مؤخرا من سجال حول كلمة “زنوج” المثارة في برنامج اليوم الثامن علي قناة الحوار التونسي، والذي انتهى بمشاجرة بين الصافي سعيد وجوهر مبارك، وهو سجال وصل إلى اتهام الصافي سعيد بالعنصرية، الاتهام الذي عبّر عنه أيضا وعلى سبيل المثال المفكر اليساري جيلبار النقاش في صفحته بالفيس بوك دون أن يسمي البرنامج وضيوفه؛ أجدني مستغربا بعض الشيء من هذا التهويل في تأويل استعمال كلمة “زنوج” والحال أنّها كلمة، ورغم خلفيتها العنصرية، قد بدأت منذ العشرينات من القرن الماضي، عبر مصطلح “الزنوجة” La Négritude تتخلّص تدريجيا من هذه الخلفية، لكي تكتسي معنى أكثر حيادا بل وأكثر أكاديمية. ومن أبرز من بلور مفهوما لمصطلح “الزنوجة”، وهنا أكتفي “بالزنوج” منهم، أذكر بشكل خاص الكاتب الفرنسي المارتينيكي إيميه سيزير Aimé Césaire عبر مقالات له في مجلة “الطالب الأسود” L’Étudiant Noir في ثلاثينات من القرن الماضي، ثم تلاه في الأربعينات من نفس القرن الزعيم والشاعر والأكاديمي السينغالي ليبولد سيدار سنغور، الذي اهتم بمنح أبعاد جديدة لمفهوم “الزنوجة” وتأكيده في أكثر من مناسبة على اعتزازه بزنوجته؛ وأذكر في هذا السياق كتابه “النشيد العميق لفنون إفريقيا” Le Chant Profond des Arts de l’Afrique (الذي سبق لي أن ترجمت إلى العربية مقدمته التي كتبها بالفرنسية محمد عزيزة، ونشرتها في تونس في أواسط السبعينات).

وإذا كانت الزنوجة في نظر آيميه سيزير هي “رفض للاستعباد الثقافي” وبالتالي للنظرة الاستعمارية الدونية للإفريقي، فهي بالنسبة لسنغور “جملة القيم الثقافية لإفريقيا السوداء” وبالتالي–ودائما في نظره- “الزنوجة ثقافة قائمة الذات”.

هكذا إذن، تجاوزَ موضوع “الزنوجة” الإطار السياسي الأخلاقي الضيق لكي يعانق المجال الثقافي والأكاديمي، ومن هنا، اتهام الصافي السعيد بالعنصرية لمجرد استعماله كلمة “زنوج”، يفترض إلقاؤه أيضا على سيزير وسنغور وقبلهما على رونيه ماران René Maran، الذي أسس مجلة «العالم الأسود» La Revue du Monde noir عام 1921 والتف حوله كتاب من أنحاء العالم ومن ضمنهم سِنغور نفسه، والمارتينيكي إيتيين ليرو Etienne Lero.

نفس الاتهام بالعنصرية يجب والحالة هذه إلقاؤه على الكاتب المسرحي التونسي عز الدين المدني ومعه المخرج المسرحي المنصف السويسي في مسرحيتهما “الزنج” في بداية السبعينات، وإلقاؤه أيضا على الشاعر التونسي نور الدين صمود ومعه الفنان التونسي الشهير والكبير علي الرياحي الذي أخذ منه كلمات أغنيته “حبيبتي زنجية سمراء إفريقية”!

بحكم معرفتي الشخصية عبر صداقة الشباب التي جمعتني في أكثر من بلد مع الصافي السعيد، يمكن أن أجزم، أن الرجل، وهو المتخصص في تغطية الشأن الإفريقي، لا يحمل أي ذرة عنصرية تجاه أي جنس بشري فما بالك بإفريقيا التي خبرها عن قرب وكتب عنها بشغف. كان يمكن أن يستعمل كلمة “سود” أو “وصفان”، لكن هل هما مفردتان خاليتان من أي بعد عنصري؟ لا أعتقد ذلك. أما جلبير النقاش الذي فاجأني باهتمامه بهذا الموضوع، فإني وإن كنت غير مقتنع باستنكاره لاستعمال عبارة “زنوج”، فإني أوافقه على حساسية هذا الاستعمال حين يكون في سياق تصنيف أنثربولوجي-سوسيولوجي داخل منظومة القومية الواحدة، وربما  قد خطر في ذهن النقاش التصنيف الذي سبق لزعيم اليمين المتطرف الفرنسي جان ماري لوبان الذي استنكر فيه غلبة العنصر المارتينيكي في قطاع البريد (البوسطة) الفرنسي. وهنا ربّما كان على الصافي السعيد أن يكون أكثر حذرا في حديثه عن “زنجية” جمارك فرنسا.

* شاعر وإعلامي مقيم في فرنسا




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى ملكية فكرية خاصة